رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: رائد الحزيمي 21 مارس، 2019 0 تعليق

«احفظ الله يحفظك» أدب مناصحة ولي الأمر

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله»، وهو ولي الأمر، وقال سهل التستري –رحمه الله- :«لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء»، وقال ابن عثيمين -رحمه الله-: «إذا سقطت هيبة السلطان فسدت البلدان وحلت الفوضى والفتنة والشر والفساد»، ويقول الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه محذرًا من احتقار ولي الأمر أو من التقليل من شأنه: «ما مشي قوم شبراً إلى السلطان  ليذلوه إلا أذلهم الله».

     وفي رواية عند الترمذي ومسند الإمام أحمد عن زياد بن كسيب العدوي قال: «كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر، وكان يخطب وعليه ثياب رقاق أي ليست من الثياب التي مدحها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال أبو بلال -وهو أحد الخوارج- قال: «انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق»؛ فقال أبو بكرة: اصمت؛ فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله،  ومن أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله».

هيبة ولي الأمر فيها حفظ الأمن

     قال الطرطوشي - رحمه الله – مفسرًا لقول الله -عز وجل- حين قال في كتابه العزيز: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} يقول : «يعني لولا أن الله  أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف أي بقوته، وينصف المظلوم من الظالم لأهلك القوي الضعيف وتواثب الخلق بعضهم علي بعض، فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقر لهم قرار؛ فتفسد الأرض ومن عليها».

     وهذا ابن جماع الشافعي –رحمه الله- يستشهد بكلام بعض الحكماء ويقول: «جور السلطان أربعين سنةٍ خيرٌ من رعية مهملة ساعة واحده، ووال يتسلط على رقاب الناس أفضل من ساعة فوضى لا سلطان لهم فيها»، ويعلق الحافظ ابن كثير -رحمه الله-  على قول موقوف على عثمان رضي الله عنه : «إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقران»، يقول ابن كثير-رحمه الله- : أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام  ما لا يمتنع كثير من الناس عنه بالقرآن وما فيه من الوعيد والتهديد الشديد وهذا هو الواقع -مع الأسف-؛ فإن أصحاب الخمور والفسق والفجور ما ارتدعوا بالقرآن لاهم ولا أصحاب البدع المضللة والمكفرة كالطواف علي القبور وإنما الذي منعهم هو السلطان؛ لأن القرآن موجود ولكنه يخاطب القلوب والإمام سطوه عليهم.

     وفي هذا يقول الإمام الشوكاني –رحمه الله-: «إمساك أهل الجسارة عما يريدونه من الفساد في الأرض بهيبة السلطان ومخافة الإيقاع بهم؛ فإن كثيرا بل الأكثر لولا مخافة السلطان  لكان له من الأفاعيل مالم يكن في الحسبان؛ ولهذا ترى من لا سلطان عليه في جميع البلاد يفعل ما ترجف منه القلوب».

     ويقول ابن عثيمين -رحمه الله- : «كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم؛ لأنهم إذا احتُقروا أمام الناس وأُذلوا وهان أمرهم ضاع  الأمن وصارت البلاد فوضى ولم يكن  للسلطان قوة ولا نفوذ»؛ فكما قيل: «من أمن العقوبة أساء الأدب»؛ فهذه قاعدة تنطبق على كل زمان ومكان وعلى كل الناس، وعلى كل الفئات، فإذا ذهبت هيبة الموانع والعقوبات جاءت الفوضى، نسأل الله العفو والعافية.

لذا ففي المحافظة على هيبة السلطان حفظٌ  للدين، وإلا فأصحاب البدع والضلالات من يردعهم إلا السلطان؟ وكذلك أصحاب السحر والشعوذة والشرك بالله -عزوجل .

     ويقول ابن عثيمين –رحمه الله-: «لا بد من جمع القلوب على ولي الأمر والمناصحة  لهم» ومن أدوات المناصحة أن تؤلف قلوب الناس على ولي الأمر، وأن يبتعد عن كل ما يوجب النفرة عليهم من الحقد والعداوة أما شحن القلوب فهذا لا يزيد الأمر إلا شدة، بل انظر إلى قول ابن تيمية –رحمه الله- : «ويجب أن يُعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها؛ لأن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع ولابد لهم عند الاجتماع من رأس».

النصيحة للحاكم

     أما النصيحة للحاكم فينبغي أن تكون سراً لا علانيةً ولا جهراً، وحسبكم أن أي شاب تريد أن تنصحه علانيةً تجده لا يقبل، بل تكون النتيجة أنه سينفر منك ومن قولك؛ فما بالك بولي الأمر؟! أليس منا رجلٌ رشيد يفهم مثل هذه الأمور؟ يفهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ فقد نقل الألباني وابن حنبل –رحمهما الله- له هذا الحديث؛ حيث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : «من أراد أن ينصح السلطان بأمرٍ فلا يُبدي له علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به؛ فإن قبل منه  فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه»، يقول الشوكاني معلقا:  ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد في الحديث فليأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ألم يقل ربنا -عز وجل-  لموسي وهارون – عليهما السلام- {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، وهذا رغم أنهما ذاهبان لفرعون ومع ذلك أُمرا بإلانة القول والترفق فيه.

التشهير بعيوب الولاة

     ويقول ابن باز -رحمه الله- : ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك  يفضي إلى الانقلابات، كما أن عدم السمع والطاعة بالمعروف يفضي إلى الخروج الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف أن تكون النصيحة  فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه والاتصال بالعلماء الذين لهم صلة بالسلطان حتى يوجهوا إلى الخير.

     ولا يظن الإنسان أن العلماء إذا أرادوا الذهاب إلى السلطان أن يخرجوا ويقولوا لقد ذهبنا ونصحناه؛  فليست هذه نصيحة، بل هي من الفضائح ، أما النصيحة فتكون بالسر ولا يعلمها أحد ولو أردت أن تعرف الفرق أسقط الأمر على نفسك؛ فكيف ترى أني بعد ما أنصحك أقول للناس: إني نصحته هل ترضاها؟

يقول الألباني -رحمه الله- يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ: لأن الإنكار جهاراً تُخشي عاقبته كما اتُفق في الإنكار على عثمان جهاراً فتسبب في قتله.

أهمية الطاعة بالمعروف في استقامة أمور الأمة

سئل الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله  ما المراد بطاعة ولاة الأمر في الآية، هل هم العلماء أم الحكام ولو كانوا ظالمين لأنفسهم ولشعوبهم؟
فقال -رحمه الله-: يقول الله -عزوجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء:59) وأولو الأمر هم:
العلماء والأمراء؛ أمراء المسلمين وعلماؤهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بطاعة الله وليس في معصية الله؛

     فالعلماء والأمراء يطاعون في المعروف؛ لأن بهذا تستقيم الأحوال، ويحصل الأمن، وتنفذ الأوامر، وينصف المظلوم ويردع الظالم، أما إذا لم يطاعوا فسدت الأمور، وأكل القوي الضعيف-؛ فالواجب أن يطاعوا في طاعة الله في المعروف سواء كانوا أمراء أم علماء- العالم يبين حكم الله، والأمير ينفذ حكم الله هذا هو الصواب في أولي الأمر، هم العلماء بالله وبشرعه وهم أمراء المسلمين عليهم أن ينفذوا أمر الله، وعلى الرعية أن تسمع لعلمائها في الحق، وأن تسمع لأمرائها في المعروف- أما إذا أمروا بمعصية سواء كان الآمر أميرا أم عالما؛ فإنهم لا يطاعون في ذلك، إذا قال لك أمير: اشرب الخمر فلا تشربها، أو إذا قال لك: كل الربا فلا تأكله، وهكذا مع العالم إذا أمرك بمعصية الله فلا تطعه، والتقي لا يأمر بذلك لكن قد يأمر بذلك العالم الفاسق.

الأمر بالمعصية

     والمقصود أنه إذا أمرك العالم أو الأمير بشيء من معاصي الله فلا تطعه في معاصي الله، إنما الطاعة في المعروف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :« لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، لكن لا يجوز الخروج على الأئمة وإن عصوا، بل يجب السمع والطاعة في المعروف مع المناصحة ولا تنزعن يدا من طاعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «على المرء السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وفيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله؛ فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة»، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: «من رأى من أميره شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة؛ فإنه من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم وأن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان».

السمع والطاعة في المعروف

     والمقصود أن الواجب السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمور من الأمراء والعلماء، وبهذا تنتظم الأمور وتصلح الأحوال ويأمن الناس، وينصف المظلوم، ويردع الظالم وتؤمَّن السبل، ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور وشق العصا إلا إذا وجد منهم كفر بواح عند الخارجين عليه من الله برهان، ويستطيعون بخروجهم أن ينفعوا المسلمين وأن يزيلوا الظلم، وأن يقيموا دولة صالحة، أما إذا كانوا لا يستطيعون فليس لهم الخروج ولو رأوا كفرا بواحا؛ لأن خروجهم يضر الناس، ويفسد الأمة، ويوجب الفتنة والقتل بغير الحق، ولكن إذا كانت عندهم القدرة والقوة على أن يزيلوا هذا الوالي الكافر؛ فليزيلوه وليضعوا مكانه واليا صالحا ينفذ أمر الله؛ فعليهم ذلك إذا وجدوا كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان وعندهم قدرة على نصر الحق وإيجاد البديل الصالح وتنفيذ الحق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك