رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: رائد الحزيمي 15 يناير، 2019 0 تعليق

«احفظ الله يحفظك» الحجاب كما شرعه الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم

 0 زيارات

نسخة للطباعة
 
«احفظ الله يحفظك» الحجاب كما شرعه الله -تعالى- ورسوله [

من أسماء الله الحسنى التي وردت في كتابه: (الحكيم)، والمراد: «الحكيم في أفعاله وأقواله وقدره، فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله»؛ ولذلك كانت أحكام الله الكونية والشرعية والجزاء مقرونة بالحكمة ومربوطة بها؛ فلم يخلق -سبحانه- شيئًا عبثًا، ولم يترك خلقه سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؛ فما أعطى الله شيئًا إلا لحكمة، ولا أنعم بنعمة إلا لحكمة، ولا أصاب بمصيبة إلا لحكمة، وما أمر الله بشيء إلا لحكمة، والحكمة في فعله والتزامه، ولا نهى عن شيء إلا لحكمة والحكمة في تركه واجتنابه. قال -تعالى- مقررًا هذه الصفة العظيمة صفة الحكمة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون: 115، 116).

     ومما شرعه لنا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الحجاب؛ فقد جاء من لدن حكيم خبير أمرنا أن نحجب نساءنا؛ فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} (الأحزاب:59)، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} خطاب لأشرف خلق الله، محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، أمر من عند الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

     وجاء في الحديث الصحيح كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات كأن على رؤوسهن أسنمة البخت المائلة»، وجاء في صحيح مسلم قال - صلى الله عليه وسلم -: «صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات»، ظاهر الأمر أنها كاسية، لكن في حقيقة الأمر: عارية، قد أبدت مفاتن وزينة يحرم عليها أن تظهرها للناس، فهي كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، هكذا قال المفسرون.

     فإذا تأملنا دلالة الحجاب بهذه الصورة تبين لنا أن غاية الحجاب هو الستر عن أنظار الرجال الأجانب، وأن المقصود من ذلك صيانة المرأة المسلمة والحفاظ على عفافها وطهارتها، ومن أجل تحقيق هذه الغاية فقد جعل الإسلام للحجاب شروطاً واضحة تميزه وتحدد مواصفاته الشرعية؛ فإذا تخلف شرط واحد متفق على وجوبه لم يعد الحجاب شرعياً بل هو تبرج وسفور أياً كان شكله ووصفه، ومن هنا كان واجباً على كل امرأة مسلمة أن تكون عالمة بشروط الحجاب وأوصافه حتى تعبد الله على بصيرة وعلم بشروط الحجاب الشرعي، وشروط الحجاب الثمانية هم:

الشرط الأول

أن يكون ساتراً لجميع البدن

     ومن أدلة استيعاب الحجاب لجميع بدن المرأة: قول الله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (59) سورة الأحزاب، قال القرطبي -رحمه الله-: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكر فيهن، أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وقال -رحمه الله- في تفسير الجلباب في قوله -تعالى-: {مِن جَلَابِيبِهِنَّ}: والصحيح أنه الثوب الذي يستر البدن كله.

الشرط الثاني

ألا يكون الحجاب في نفسه زينة

     لأن الغاية من الحجاب تحصيل الستر والعفاف؛ فإذا كان الحجاب زينة مثيرة، فقد تعطلت بذلك الغاية منه؛ ولذلك نهى الله -جل وعلا- عن ذلك فقال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور:31)، فإبداء زينة الحجاب من التبرج المنهي عنه شرعاً، قال -تعالى-: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (الأحزاب: 33).

الشرط الثالث

أن يكون واسعاً غير ضيق

     لأن اللباس الضيق يناقض الستر المقصود من الحجاب؛ لذلك إذا لم يكن لباس المرأة المسلمة فضفاضاً فهو من التبرج المنهي عنه؛ إذ إن عورة المرأة تبدو موصوفة بارزة، عن أم جعفر بنت مقعد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: «يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: «ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل فإن مت أنا فاغسليني أنت وعلي، ولا يدخل علي أحد «فلما توفيت غسلها علي وأسماء -رضي الله عنهما-».

     قال الألباني- رحمه الله- تعليقاً على الحديث: فانظر إلى فاطمة بضعة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح، فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة ثم يستغفرن الله -تعالى-، وليتبن إليه، وليذكرن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر».

الشرط الرابع

أن يكون صفيقاً لا يشف

     فثياب المرأة إذا لم يكن صفيقاً فإنه يجسد جسمها ومواضع الفتنة فيها، وكذلك إذا كان شفافاً فإنه يبرز وجهها ولون بشرتها ويخالف الستر الذي هو غاية الحجاب. وقد ورد وعيد شديد في النساء اللواتي يلبسن مثل هذه الألبسة التي هي أشبه بالعري إن لم تكن فتنتها أشد، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (رواه مسلم)، قال ابن عبد البر -رحمه الله-: «أراد - صلى الله عليه وسلم - من النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة».

الشرط الخامس

ألا يكون مبخراً ولا مطيباً

     وقد وردت أحاديث كثيرة في تحريم خروج المرأة متعطرة؛ فمن ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية»، وعن زينب الثقفية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً» (رواه مسلم والنسائي)، ومن الواضح أن المرأة إذا خرجت مستعطرة؛ فإنها تحرك داعية الشهوة عند الرجال؛ لذلك ورد التحريم في ذلك قطعاً لدابر الفتنة وحفاظاً على طهارة المجتمع، ومن تأمل حديث زينب وجد أن التحريم متعلق بالخروج إلى المسجد، وهو مكان طهارة وعبادة فما بال مريدة السوق والشوارع وغيرها.

الشرط السادس

ألا يشبه لباس الرجال

     لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال»، وعن أبي هريرة  رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل»، وهذه الأحاديث نص في تحريم التشبه بالرجال فيما يخص الرجال من صفات يتميزون بها، ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تحرص عن الابتعاد عن التشبه بالرجال في لباسها سواء كانت في البيت أم في خارج البيت لا سيما في عصرنا هذا؛ حيث اختلطت الأمور ولم يعد المسلم يميز في كثير من بلاد المسلمين بين الرجل والمرأة، لشدة التشبه بينهما في اللباس.

الشرط السابع

ألا يشبه لباس الكافرات

     وذلك بأن تفصل المرأة المسلمة لباسها تفصيلاً يتنافى مع حكم الشرع وقواعده في موضوع اللباس، ويدل على تفاهة في العقل وفقدان للحياء مما ظهر في هذا العصر وانتشر باسم الموديلات التي تتغير من سيئ إلى أسوأ، وكيف ترضى امرأة شرفها الله بالإسلام ورفع قدرها، أن تكون تابعة لمن يملي عليها صفة لباسها، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؟

الشرط الثامن

ألا يكون لباس شهرة

     ولباس الشهرة هو الذي تلبسه المرأة للفت وجوه الناس إليها، سواء كان هذا الثوب رفيعا أم وضيعا؛ لأن علة التحريم هي تحقق الشهرة في الثياب، فقد روي عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارا».

     فاحذري أختي المسلمة، من الوقوع في هذا المحظور؛ فإن الحجاب الواجب لا يتحقق إلا باستكمال هذا الشرط الذي غفل عنه كثير من المسلمات؛ إذ يظن كثير منهن أن تفرد الثوب بوصف يجعله مشتهراً بين الناس ليس من المحظور في لبس الحجاب؛ ولذلك تفشت ظاهرة التنافس في مثل هذا اللباس والله المستعان.

هذه الشروط الثمانية هي الشروط المعتبرة عند العلماء في الحجاب؛ فإذا رُمْتِ الستر والعفاف والحشمة والحياء، وطاعة الله ورسوله، فعليك بمراعاتها في حجابك؛ فإن الحجاب لا يمكن أن يكون حجاباً إلا إذا استوفى تلك الشروط.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك