رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: محمود طراد 13 يناير، 2019 0 تعليق

موقف العصرانيين الجدد من مصادر الدين

لكل دين مصادره التي تأسس عليها، التي تكون منها أحكامه وتشريعاته وبيان معتقده، ومنها يستمد المنتسبون إليه أحكامهم، وفي ذلك يقول ربنا -تعالى -: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}(النساء: 83)، وكذلك عند النزاع في هذه المسائل، يكون الرجوع إلى هذه المصادر، قال -تعالى-: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}(النساء: 59)؛ ولما كان حديثنا في المقال السابق عن تيار العصرانيين وكيف نشؤوا، بقي لنا أن نتم الحديث ببيان موقفهم من مصادر الإسلام، ولاسيما ما يتعلق بالسنة وكتب الفقه.

العلاقة بين القرآن والسنة عند العصرانيين

تعلم -أيها القارىء الكريم- أن القرآن والسنة قد خرجا من مشكاة واحدة؛ فكلاهما وحي، وما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم كالقرآن في وجوب اتباعه وتطبيقه، لكن ليس هذا عند العصرانيين؛ إذ إنهم لا يقبلون الحديث الصحيح إذا كان فيه أحد أمرين:

1- إذا كان هناك تعارض ظاهر -بزعم عقولهم- بين الآية والحديث.

2- إذا خالف عقولهم وفهمهم، ومن ذلك رفضهم لحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء الحديث في صحيح البخاري، وفي هذا إنكار صريح للسنة التي تأتي مفسرة للقرآن، أو مؤكدة لأحكامه، أو قد تأتي بحكم زائد لم يأت في القرآن، وعليهم يرد القرآن الكريم في قول الله -تعالى-: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن شديد العقاب}(الحشر: 7)، وقوله -تعالى-: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء: 80) وإلى هذا يشير حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه»؛ فمن هنا يظهر ألا فارق بين القرآن والسنة.

موقفهم من التفسير بالمأثور

     كتب التراث لدى العصرانيين لها قيمتها إذا لم تخالف العقل والمذهب الذي ذهبوا إليه سلفاً، وبخلاف ذلك لا يعتمد عليها؛ لأنها من وجهة نظرهم سرى إليها أخبار كثيرة، بل أغلبها من روايات الزنادقة والمندسين! وهذا قول باطل ولا شك، يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له»؛ فيردون أحاديث في البخاري ومسلم مفسرة لشيء من القرآن؛ لأنها لا توافق مذهبهم، مثل حديث السحر الذي أشرنا إليها آنفاً، ومثل حديث تفسير أوصاف نهر الكوثر، الذي جاء عند الإمام البخاري من حديث سيدنا أنس رضي الله عنه ، قال: «لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب الدُّرِّ المجوف؛ فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر»؛ فمنهم من يقول إنه لا يجب الإيمان بهذه الأوصاف لكثرة الخلاف فيها! .

موقف العصرانيين من أخبار الغيبيات

     أما أخبار يوم القيامة التي جاء فيها تفاصيل الحساب والبعث والنشور وتطاير الصحف؛ فليس عند العصرانيين على حقيقتها، بل يذهبون إلى تأويلها؛ فما جاء في قول الله -تعالى-: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسير}(الانشقاق: 8)، ليس على حقيقته في الأخذ باليمين، وإنما المقصود مجرد الاستبشار، وكذا ما جاء في قول الله -تعالى-: {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره}(الانشقاق: 10)، ليس على الحقيقة، بل المراد العبوس، وكذلك النفخ في الصور في مثل قوله -تعالى-: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم}(المؤمنون: 101) مجرد تصوير جميل لما يحدث يوم القيامة من أهوال، وتأويلاتهم في ذلك كثيرة جداً.

منهج العصرانيين في تناول السنة النبوية

     أجمع المسلمون على أن الحديث الصحيح لا يخالف القرآن أبداً؛ لأنه بيان للقرآن وهو وحي من الله وحجة، ولا يمكن أن يعارضه بحال من الأحوال، قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: إن سنة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال، ولكنها مبينة، عامة وخاصة، ولعلك تعلم -أخي القاريء- أن منهج معارضة السنة بالقرآن، منهج قديم، قام به أهل الأهواء والبدع قديما، وانتهجه العصرانيون وقالوا:

1- في كتب الصحيحين أحاديث لا يمكن تصديقها.

2- بعض الأحاديث في الصحيحين في متنها نظر؛ فخالفوا بذلك ما أجمعت الأمة عليه من قدم الأزل، قال الإمام النووي -رحمه الله-: «اتفق العلماء -رحمهم الله- على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة».

التشكيك في عملية التدوين

     الدعوى الاستشراقية نفسها التي تقول: إن السنة لم تدون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولذا طرأ عليها من التبديل والتغيير والزيادة ما طرأ على الكتب السابقة؛ بسبب عدم تدوينها في كتاب واحد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم حفظ الناس لها جيداً في الصدور كحفظ القرآن، وقد أجاب الشيخ محمد أبو زهو قديماً على هذه الدعوى؛ فقال: «فهذه الدعوى لا أساس لها، بل هي تخالف نصوص القرآن الكريم، وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في الأزمان كافة من عهد النبي إلى اليوم»؛ فالسنة قد بدأ تدوينها حين أذن رسول الله بذلك؛ لما أومأ إلى فيه وقال: «اكتب؛ فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق».

انحرافهم في تقسيم السنة إلى عملية وغير عملية

     قام العصرانيون بتقسيم السنة إلى عملية وأخرى غير عملية، والعملية هي المتواترة فقط، وأما غير المتواترة؛ فلا تقوم عليها العقيدة ولا الدين، ومن أمثلة المتواترة: كيفية الصلاة والحج والزكاة، من الأفعال التي كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مما واظب عليه هو ولاسيما أصحابه -رضوان الله عليهم- وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة؛ فهي محل اجتهاد! ولا يخفى على ذي عينين أنه لو قصرت السنة على العملية منها فقط؛ لضاعت مجموعات من الأحكام والأخبار والمواعظ والأخلاق؛ مما نُقل إلينا في السنة غير المتواترة؛ فالسنة كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، وتطلق على المتواترة منها وغير المتواترة.

موقف العصرانيين من الفقه والفقهاء

     من أعجب ما ترى في كتابات العصرانيين، قولهم: بأن الفقهاء شجعوا عملية وضع الأحاديث؛ ذلك أنهم لا يستخرجون الأحكام إلا من النصوص، ويجب عليهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولذا لا يمكن إصدار حكم دون حديث؛ فشجعوا على وضعها! وهذا الذي يقوله العصرانيون من أنكر ما يمكن اعتقاده، وهو اعتقاد منسوخ من معتقدات المستشرقين وتدليساتهم؛ فقد قال (جولد زيهر) في هذا: «وقد استغل هؤلاء الأميون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع الحديث»؛ فقالوا: إنه وضع حديث «لا تشد الرحال»، وحديث: «الصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة فيما سواه»، من أجل صد الناس عن الكعبة المشرفة؛ فهذه الدعوى الباطلة تصرف الناس عن الفقه، وتحط من قدر الفقهاء والمحدثين، وتحمل على إنكار جملة من التشريعات التي يقوم عليها الدين.

كيف نواجه انحرافات العصرانيين ؟

بعد هذه الوقفة السريعة مع فكر العصرانيين ينبغي علينا ممارسة مجموعة من الأنشطة العملية مثل:

1- إنشاء المراكز المعنية بدراسة كتب التراث ودعمها.

2- الاعتناء بدراسة مدارس التفسير المتنوعة، ودراسة كل مفسر بمنهجه في التفسير وحياته وجهوده لربط المجتمع بالسلف الصالح من العلماء السابقين.

3- العناية بتبسيط الفقه الإسلامي للشباب غير المتخصص الذي يعد الجمهور المستهدف في دعوة العصرانيين، ويكون ذلك بتدريس المذاهب الفقهية، وإعداد الكوادر الشبابية المتخصصة في شبهات العصرانين

حول الأحكام الفقهية خاصة.

4- العناية بإعداد المختصين في علوم الحديث؛ إذ أكثر ما يثار اليوم، يثار حول السنة ورجالها، ومن ثم؛ فإننا في حاجة إلى دعاة متخصصين، يقومون بالرد والتفنيد للشبهات والأكاذيب، وعلى الجميع تحمل المسؤولية الدينية، والله الهادي إلى سواء السبيل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك