رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ أحمد المرابط 13 يناير، 2019 0 تعليق

الوسطية الإسلامية (2) تعامل المسلمين فيما بينهم


وتتمثل في تعاونهم على البر والتقوى؛ لقوله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، قال ابن كثير في تفسيره: يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.

     وقد روى الإمام أحمد قال: «حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: تحجزه تمنعه؛ فإن ذلك نصره»، انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه، وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم  -: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما؛ فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه».

     وتتمثل الوسطية أيضا: في موالاة بعضهم لبعض؛ عملا بقوله -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71)، وفي كونهم على المثل الذي ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال فيما رواه الشيخان -واللفظ لمسلم- من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وروى الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - مرفوعا: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه»، وفي كونهم معتصمين بحبل الله مجتمعين غير متفرقين، متآلفين غير متنافرين، لقوله -تعالى-: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا} (آل عمران:103)، قال ابن كثير في تفسيره: {بحبل الله}، أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} (آل عمران:112)، أي بعهد وذمة، وقيل: {بحبل من الله}، يعني: القرآن، كما في حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعا في صفة القرآن: «هو حبل الله المتين، والصراط المستقيم».

     وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، يرويه الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض»، وروى ابن مردويه بإسناده عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه»، وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك، وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبدالله: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين، يا عبدالله، بهذا الطريق هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله؛ فإن حبل الله القرآن، وقوله: {ولا تفرقوا}: أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة.

     وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف؛ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم؛ ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، وقد ضمنت لهم: العصمة من الخطأ، كما ورد بذلك الأحاديث المتعددة أيضا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف.

النقطة السادسة

     الوسطية الإسلامية في تعامل المسلمين مع غيرهم: وتتمثل في التفرقة في المعاملة بين المسالمين منهم وغير المسالمين؛ الذين احتلوا بلاد المسلمين وانتهكوا الحرمات المقدسة، وقتلوا وشردوا واضطهدوا، فهم حرب على الإسلام والمسلمين، أما المسالمون فالوسطية الإسلامية لا تمنع مجاملتهم ومعاملتهم في القواسم الإنسانية المشتركة؛ لقوله -تعالى-: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)، بل الوسطية الإسلامية تفرض الاجتهاد في الحصول على المنافع التي عندهم مع كامل التحفظ من موارد الخلاف الديني؛ لأن إهمال منافعهم عجز وتواكل منهي عنهما، بقوله -تعالى-: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (الأنفال:60)، وبما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم  - قال: «المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».

     وتفرض الوسطية الإسلامية: مراعاة عهد المعاهدين والذميين وذمتهم؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله؛ فلا يراح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

النقطة السابعة

     الوسطية الإسلامية في التعامل مع نصوص الوحي: تتمثل الوسطية الإسلامية في التعامل مع نصوص الوحي في فهم النصوص وإفهامها وتطبيقها وفق منهج أصحاب القرون السابقة إلى الإسلام، وفي مراعاة فقه الموازنات في باب الضرورات والحاجات، ومراعاة فقه المتغيرات والمستجدات في باب تغير الواقع، وفي مراعاة اختلاف المجتهدين فيما فيه مجال للاجتهاد، وفي تمييز الخطأ من الصواب بالأدلة، مع مراعاة لوازم الأخوة الإسلامية المذكورة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»، وفي نفي الوسطيين عن نصوص الوحي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البزار في مسنده، وعبدالحق الإشبيلي في الأحكام الشرعية الكبرى، والطحاوي في شرح مشكل الآثار من حديث أبي هريرة وعبدالله بن عمرو -رضي الله عنهم-: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك