وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا
رسالتنا اليوم عن جريمة يهتز الكون كله لها، جريمةٌ يمقتها الله -عَزَوَجَل- مقتًا شديدًا، قال الله عنها:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا, لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا , تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا , أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} (مريم ٨٨- ٩١)، مجرد أن يدَّعوا أن لله ولدًا، الكون كله يهتز لهذه الدعوة العظيمة، فالنصارى ادعت أن لله ولد، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة: ٣٠)، ويقول -تعالى-:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام: ١٠١).
وفي مسلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم شرُهم إليه صاعد، وخيره عليهم نازل»، وقال -تعالى-: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المائدة ٧٢:-٧٥).
أيعقل بعدما سمعنا طرفًا من بعض الآيات أمام هذه جريمة؛ أيعقل أن يأتي مسلم اليوم ليهنئهم بعيدهم، بعيد ميلاد من يدعونه ابنًا لله -عزوجل- ظلمًا وزورًا؟! التهنئة بمنزلة الرضا، إنك ترضى علی أنهم ينسبون لله الولد، والله لا يرضى عن الكفر، {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (الزمر: ٧).
ينبغي ألا نجيب دعوتهم، وألا نحتفل معهم؛ لأن هذا الاحتفال بمنزلة الرضا، أترضی أن يُنسب إلی الله -سبحانه وتعالى- الولد؟، وهذه الاحتفالات تُدخل السرور في نفوسهم، والبهجة في قلوبهم، علی ما هم عليه وفيه من باطل: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (القلم: ٩).
التهنئة بشعائر الكفر
جاء في كتاب لابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللّه- وهو (أحكام أهل الذمة) كتابٌ عظيم، سطّر فيه أحكامًا كثيرة، يقول: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرامٌ بالاتفاق -باتفاق المسلمين- مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مبارك عليكم»، هكذا يقول ابن القيم -رَحِمَهُ اللّه- في القرن الثامن الهجري، ويقول أيضا: «فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن تهنئه بالسجود للصليب، بالمنزلة نفسها».
أرأيت لو هنأته بسجوده للصليب، أترضی؟! كذلك إن هنأته بالاحتفال بمولد ربهم كما يزعمون، يقول: بل ذلك أعظم، -أي التهنئة تلك- أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، فالنفوس لا ترضى أن تأتي لإنسانٍ يشرب الخمر، وتهنئه علی شربه الخمر، أو يقتل النفس الحرام، فتهنئتك له بعيد الكريسماس -كما يقولون- أشد وأمقت عند الله –عَزَوَجَل.
ويقول: وكثيرٌ ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما يفعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه.. انتهی قول شيخ الإسلام -رحمه الله.
وكما في حديث أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟»، قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ»» رواه أبوداود (1134)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2021).
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: «وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين محمد - صلى الله عليه وسلم - كان يمنع أمته منعًا قويًا عن أعياد الكفار، ويسعی في دروسها»، أي: وطمسها، وطمسها بكل سبيل، الدروس: أي: يمحيها، والله يقول:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان: ٧٢).
وابن كثير رحمه الله يفسر هذه الآيات، يقول: قال أبو العالية وطاووس ومحمد بن سيرين، والضحاك، وغيرهم، قالوا عن هذه الآية:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قالوا عن الزور: هي أعياد المشركين، وهذا نوع من المودة والتولي والعياذ بالله، والله يقول -سبحانه وتعالى-: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَ} (المجادلة: ٢٢)، وقال الله -عَزَ وَجَل-: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: ٥١).
وعن سَعِيدَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أنه سَمِعَ أَبَاهُ: سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - أنه قال: «اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي عِيدِهِمْ يَوْمَ جَمْعِهِمْ، فَإِنَّ السَّخَطُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فَأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ وَلَا تَعْلَمُوا بِطَانَتَهُمْ فَتَخَلَّقُوا بِخُلُقِهِمْ».
ولا شك أن من أقبح العادات، أن يخالف الشخص قوله فعله، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف ٢: ٣)، فهو خلق ذميم قبيح.
لذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- نبي الله شعيب يقول: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود: ٨٨)، والله يقول:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة: ٤٤)، ويزداد الأمر قبحًا، إذا خرج القول مخرج الدعاء، إن كان قولك خالف فعلك، يزداد قبحًا إن كان هذا القول جاء بدعاء، وإذا بفعلك خالف دعاءك، ويخالف الفعل الدعاء.
أين نجد هذا؟
نجده في قراءة الفاتحة، كلنا يقول بعدما ذللنا لله -عزوجل- ومجّدنا الرحمن الرحيم، وأثنينا عليه، بعد ذلك قلنا له بعد أن أقررنا بالعبودية لله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: ٥)، قلنا طلبًا ودعاءً: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة: ٦)، طلبت من ربك أن يدلك على الصراط المستقيم، يبينه لك، ويهديك أن تسير عليه، بل زدت الدعاء تخصيصًا، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} (الفاتحة: ٧) يا رب أريد الصراط، أولئك الذين قد أنعمت ربي عليهم، من هم؟ من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
ثم قلت تخصيصًا آخر: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: ٧)، لا أريد صراط اليهود، {وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة: ٧)، والضالون: هم النصارى، وأمنت علی هذا الدعاء بقولك: آمين، أي اللهم استجب، وإذا بنا نخالف هذه الدعوة بمشاركتهم، ونطلب، ونجادل، ونشاكس، ونناقش الناس، لماذا تمنعوننا من أن نهنئهم! الله أكبر!
سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله-: عن حُـكم تهنئة الكفار بعيد (الكريسماس)؟ وكيف نردّ عليهم إذا هنؤونا به؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يُقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئا مما ذُكِر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملة أو حياءً أو إحراجا أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التّشبّه بهم في ذلك؟
فأجاب - رحمه الله -: تهنئة الكفار بعيد (الكريسماس) أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيّم -رحمه الله- في كتابه أحكام أهل الذمة؛ حيث قال: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلِمَ قائله من الكفر فهو من المحرّمات، وهو بمنزلة أن تُهنئة بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشدّ مَـقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدِّين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّـأ عبد بمعصية أو بدعة أو كـُـفْرٍ فقد تعرّض لِمقت الله وسخطه. انتهى كلامه - رحمه الله.
وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراما وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورِضىً به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه، لكن يَحرم على المسلم أن يَرضى بشعائر الكفر أو يُهنئ بها غيره؛ لأن الله -تعالى- لا يرضى بذلك، كما قال -تعالى-: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}. وقال -تعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا.
وإذا هنؤونا بأعيادهم فإننا لا نُجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا، ولأنها أعياد لا يرضاها الله -تعالى-؛ لأنها أعياد مبتدعة في دينهم، أو مشروعة لكن نُسِخت بدين الإسلام الذي بَعَث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الخلق، وقال فيه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يَحرم على المسلمين التّشبّه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة، أو تبادل الهدايا، أو توزيع الحلوى، أو أطباق الطعام، أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ تشبّه بقوم فهو منهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم): مُشابهتهم في بعض أعيادهم تُوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه - رحمه الله.
ومَنْ فَعَل شيئا من ذلك فهو آثم سواء فَعَلَه مُجاملة أم تَودّداً أو حياءً أم لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المُداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بِدينهم.
لاتوجد تعليقات