رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: محمود طراد 19 ديسمبر، 2018 0 تعليق

التبعية الثقافية وانهيار الهوية

خلق الله الإنسان جسداً وروحاً وجعل تبعيته الكاملة له -سبحانه-، فهيأ له من الأرض ما يكون منه صلاح جسده وأنزل الوحي على الرسل ليكون به صلاح أرواح العباد فقال -سبحانه-: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (نوح:1)، وقال -تعالى- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9) وقال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي»؛ فتبعية المسلم ثقافياً للوحي الذي أنزله الله -تعالى-، بينما يرفض قوم من الناس أن تكون التبعية للوحي بل وينفصلون عنه انفصالاً فكانت تبعيتهم لأفكار وافدة، أو أهواء باطلة، وإليهم نوجه هذه الكلمات.

 

حرب التبعية

     من المقرر لدى العقلاء أن الأمة تعيش حالات حرب كثيرة، منها حرب التبعية، التي قال الله عنها في القرآن الكريم: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة:120)، ومن المعلوم في اللغة أن كلمة (لن) تفيد النفي فلم يقل -سبحانه-: (ولا ترضى)؛ بل قال (ولن ترضى) وهذا يعني أن ذلك مبدأ مستمر عندهم أبداً. وقال -سبحانه-: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة:217)،  ففي هاتين الآيتين ما يدلل على أن بقاء الحرب مرتبط برفض التبعية أو قبولها، ولا ننكر أن حرب التبعية اليوم سجال، يفوزون في ميدان ونفوز في آخر، وقد اختطف فيها شباب وفتيات لم تعد تبعيتهم للوحي بقدر ما هم تابعون للأفكار التغريبية.

من مجالات التبعية الثقافية

     من أخطر المجالات التي تتسع فيها التبعية الثقافية: مجال القيم، فصراع القيم بين الفكر الإسلامي والفكر التغريبي عظيم وواسع، إذ تؤتى الأمة من قيمها وأخلاقها باسم المدنية والحضارة والتقدم والحرية والتعددية الثقافية، وباسم تغير التقاليد والعادات بحجة اختلاف الزمان، فظهرت تيارات تغريبية تدعو إلى استنساخ الصورة الغربية وتطبيقها دون أدنى انحراف في شوارعنا ومجتمعاتنا العربية. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعنن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟» أي إن لم يكونوا هؤلاء فمن يكونون؟

تغريب المناهج التعليمية

     لم يتأخر الفكر التغريبي في دراسة المناهج التعليمية التي يتم تدريسها في البلدان الإسلامية، فالإسلام الذي أمر أتباعه بالعلم والبحث عن كل ما هو جديد لم يترك عملية التعلم دون ضوابط خاصة بالتلقي أو بالموضوعات العلمية نفسها، ونحن هنا نؤكد على أن التعدي على مناهج دولة ما يعادل التعدي على حدودها لأن التعليم يرسم هوية المجتمع كما ترسم الحدود شكلها طولها وعرضها، ومن أول صور الاعتداء على المناهج العربية العبث بلغتنا الفصحى حيث يرى التغريبيون أن التأخر في المجال الصناعات والاختراعات هو الركون إلى اللغة العربية إلى الآن، وهذا يذكرنا بما قاله المهندي الانجليزي 1983 في محاضرة ألقاها بمصر قائلاً: إن سر تأخر المصريين – وبالتأكيد كل العرب- في استخدامهم اللغة العربية الفصحى، لغة للعلم والأدب وهي لا تصلح لهما.

التعليم في حملات التغريب

     تقوم فكرة تغريب المناهج التعليمية لتكون التبعية الثقافية في التعليم تابعة للغرب على ركنين أساسيين هما الاستشراق والتغريب. والاستشراق أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيطرة عليه، واستبناؤه أي: بناء ذلك الشرق طبقاً للمفاهيم الغربية، أما التغريب فهو نقل للحضارة الغربية بسلوكيّاتِها وأفكارِها إلى العالم الإسلامي لتنافس الحضارة الإسلامية، عقيدةً، وشريعةً، وسلوكاً في قلوب المسلمين وعقولهم، بل لكي تحلّ محلّها عند بعضهم، فالاستشراق لدراسة علوم الشرق ومعرفة ما فيها، والتغريب لتغيير هذه العلوم وإزاحتها كلها أو بعضها لتكون الثقافة الغربية هي البديل. قال -تعالى-: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} (التوبة)، وقال -تعالى-: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} (القصص:50).

التعليم أيسر طرق التغريب

     في إحدى المؤتمرات التي أقامها زويمر في مصر قديماً قال كلمته المشتهرة: «المدارس من أحسن الوسائل لترويج أغراض المبشرين»؛ ولذا فإن المستعمرين لبلد ما يقوموا بالسيطرة على المدارس أو بناء مدارس خاصة لم يكن الغرض منها يوماً من الأيام التكسب، وإنما تهدف إلى تخريج جيل مقتنع تمام الاقتناع بالفكر التغريبي، ومن أهم الوسائل التي استخدمت في هذا الشأن: البعثات التعليمية إلى الغرب، حيث يتم استقبال فئة من أبناء المسلمين لم ينهلوا القدر الكافي من الثقافة الإسلامية، ولم يقوى وازع الإيمان لديهم بما يحفظهم من التدليس والتضليل والانحراف. فيعلمونهم العلوم الاجتماعية التي تحمل الطابع الغربي، مع الآداب والفنون والعلوم التطبيقية والاقتصاد بما يتطابق مع المفهوم الغربي.

الحصار المعنوي للتعليم الديني

     يقوم الفكر التغريبي ابتداء بتشويه صورة التعليم الديني لاغتياله مادياً ومعنوياً، خلفاً لما كان يفعله الاستعمار قديماً، حيث قاموا باضطهاد التعليم الديني وحرمان خريجيه من الوظائف العامة، مما أدى إلى إعراض الناس عن هذا التعليم، ولا شك أن التعليم الديني من أعظم الفرائض التي افترضها الله على الأمة، إذ لا يمكن أن نعبد الله -تعالى- إلا بعد معرفة ما افترض علينا وكيفية أداء هذه الفرائض، قال - صلى الله عليه وسلم - «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

من آثار تغريب المناهج التعليمية

     ينتج عن تغريب المناهج التعليمية مجموعة من مظاهر التغريب منها 1- ما يسميه بعض المفكرين القابلية للاستعمار؛ حيث نجد أهم مظاهر تلك القابلية تتمثل في حب اللغة الإنجليزية، وتقديمها، وجعلها لغة ثابتة، والعمل على نشر ازدواجية اللغة الأجنبية في المجتمع بمزاحمتها للغة العربية.

2- يصل الأمر إلى عدم ثقة العربي في لغته، فيعتقد اعتقاداً جازما أنها لا تقوى على مسايرة التطورات وأنه لا يمكن تعريب العلوم الأجنبية.

3- ومن آثارها أيضاً تهميش دراسة الدين في المدارس العامة؛ بحيث ينشأ الطالب على غير اهتمام بمفهوم الدين والعبادة. ويصل الأمر إلى أسوأ من ذلك في مرحلة الجامعة إذ لا يوجد مع بعض التخصصات أي دراسة دينية فتكون آخر علاقة للطالب بالدراسة الدينية في مرحلة الطفولة، وهي لا تكفي لوقاية الشباب من دعوات التغريب.

هدم الثقة في المعلم بوابة من بوابات التغريب

     ساهم الإعلام التغريبي بشكل كبير في الحط من قدر المعلم – خاصة معلم اللغة العربية والتربية الدينية – في عملية ممنهجة لترسيخ هذه الصورة في أذهان الناس إلى حد بعيد، حتى صارت السخرية من هيئته وشكله وطريقة نطقه لحروف اللغة العربية أو الأجنبية نمطاً من أنماط شخصيته، ولم تكتف هذه الأعمال بالسخرية من المدرس فقط؛ بل سخرت من مفردات اللغة نفسها، حتى صار التحدث باللغة الفصحى: من أساليب الضحك والفكاهة داخل المجتمع، ويبقى السؤال: ماذا علينا لنواجه معاً حملة تغرب المناهج في مجتمعاتنا؟ هذا ما نجيب عليه في المقال القادم إن شاء الله -تعالى-، فإلى لقاء.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك