كَثُرَ خيرُ الله وطاب
من أسماء الله -سبحانه- الرحمن والرحيم، كما أن الرحمة هي صفة من صفاته الجليلة، قال -تعالى-: {بسم الله الرحمن الرحيم} (الفاتحة)، وقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} (البقرة). فـ(الرحمن والرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، وهو داخل على الصفة القائمة بالذات، ولم يسمَّ به أحد غيره -سبحانه- كالرزاق والخالق والله. والرحيم: داخل على تعلقها بالمرحوم.
المعطلة: يؤولون الرحمة بإرادته الإحسان، ففسروا الصفة بلازمها وهذا انحراف عن منهج السلف الصالح -رضوان الله عليهم.
رحمة الله واسعة
قال -سبحانه-: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} (الأعراف: 156-157)؛ فعلى المسلم أن يأخذ السبب الموصل لها من إيمان وزكاة وتقوى واتباع لإمام المرسلين - صلى الله عليه وسلم .
والله -سبحانه- أرحم بالعباد من أمهاتهم، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيها في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها. (الفتح 13/36) أخرجه البخاري.
الرحمة مئة جزء
وجعل الله الرحمة مئة جزء: إن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «جعل الله الرحمة في مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». (الفتح 13/38) أخرجه البخاري.
وفي الحديث الحث على الإيمان واتساع الرجاء في رحمات الله المدخرة كما فيه إدخال السرور على المؤمنين.
اليأس من رحمة الله حرام
قال -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} (الزمر)؛ ففي الآية دعوة للعصاة والكفار بالتوبة الصادقة والرجوع إليه -سبحانه.
لا يحل أن تحجر نعمة الله -تعالى
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: الله ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فلما سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعا» يريد رحمة الله. (الفتح 13/46 أخرجه البخاري).
التراحم بين المسلمين
أوصانا الدين بأن يرحم بعضنا بعضا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (متفق عليه)
قال - صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (اخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمرو). وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه). وقال -سبحانه-: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} (البلد)، أي من المؤمنين العاملين الصالحات، المتواصين بالصبر على أذى الناس والمتواصين بالرحمة لهم.
نبي الرحمة
ووصف الله محمدا وصحبه بالرحمة والشفقة بينهم: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ} (الفتح:29).
سبب لدخول الجنة
رحمة الأبناء والضعفاء سبب دخول الجنة: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها؛ فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، واستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «قد أوجب لها بهما الجنة أو أعتقها بهما من النار» (مسلم- الترغيب 3/66).
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: «إني لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم». وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتقبلون الصبيان؟! فما نقبلهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة» متفق عليه.
من جمال الإسلام
ومن جمال الإسلام وكماله أنه دعا إلى الرحمة بالبهائم، فهي سبب لمغفرة الذنوب: عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر».
لاتوجد تعليقات