دورة شرح الورقات في أصول الفقه – المباحات.. أحد أحكام التكليف الشرعي
في سلسلة حلقاتنا المتتابعة لدورة الشيخ فتحي الموصلي حول شرح الورقات في أصول الفقه التي نظمتها جمعية إحياء التراث الإسلامي فرع محافظة الجهراء ولمدة يومين متتاليين يسرنا استكمال هذه السلسلة وهي الأخيرة بالتعاون مع فرع الجهراء تناول فيها الشيخ مفهوم المباحات الذي يعد أحد أحكام القسم التكليفي الشرعي وكذلك الأسباب والشروط والموانع، وتطرق أيضا إلى منهجية التعامل الشرعي لطالب العلم.
الإباحة في اللغة
ذكر الشيخ الموصلي أن الإباحة في اللغة ترجع إلى مفهوم الإعلان كأن نقول: أباح السر وأعلنه، وكذلك يعني في اللغة التوسعة؛ ولذا نسمي الساحة في البيت باحة الدار فيطلق على المكان الواسع، أما في الاصطلاح فالمباح هو ما خيّر فيه الشرع المكلّف بين فعله وبين تركه فإن شئت فعلته وإن شئت تركته، ولا يكون المباح مباحاً إلا اذا استوى التخيير استواءً مطلقا يعني ولا بد أن يكون عدم الفعل كالفعل، فأنت مخيّر بين فعله وبين تركه لكن إذا تقدم أو تفاضل أحد الطرفين لا يكون مباحا؛ ولهذا قال العلماء المباح هو: «الذي لا يترتب عليه لذاته أمر ولا نهي» أي إن الشريعة السمحة لم تأمرك ولم تنهاك عن فعله وتركتك تختار بين فعله وبين تركه كالسفر أو الذهاب للسوق أو الاغتسال من أجل التبرد، وكثيرة هي المباحات في شريعتنا السمحة فأكثر أفعال المكلفين في شريعتنا مبنية على الإباحة وهذا من التيسيير؛ فإذاً لا ثواب على فاعل ما هو مباح ولا عقاب على تاركه.
هل يتحول المباح إلى مكروه أو واجب؟
وتسائل الموصلي في هذا الإطار: هل من الممكن أن يتحول المباح إلى واجب أو مكروه؟، ثم أجاب قائلا: بالتأكيد نعم فيتحول إما بالنية الحسنة إلى عبادة وبالنية السيئة إلى معصية فأنت مثلا تذهب إلى السوق وهذا من المباح وتنوي النفقة على الأولاد فتكون طاعة وصدقة، وآخر ينوي الذهاب إلى السوق طلبا للمعصية فيتحول المباح هنا إلى معصية وهذا ما يقوله العلماء المباح بالنية الحسنة طاعة وبالنية السيئة معصية، وهذه فائدة تربوية هي أن على المسلم أن يحوّل أفعاله اليومية إلى طاعات وحسنات؛ لذلك فإن أكثر فئة في الأمة كانت تحتسب في أفعالها الجيل الأول من المسلمين، وقد قال معاذ - رضي الله عنه -: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» مع أن النوم مباح للراحة لكن احتسابه طاعة لله.
الاحتساب والضغوط اليومية
وأشار الموصلي إلى جانب مهم في حياتنا وهو ما يعيش فيه الإنسان اليوم مما يسمى بظاهرة الضغوط اليومية التي لا يخفف منها سوى الاحتساب فتتحول هذه الضغوط والمعاناة والمتاعب إلى طاعات وحسنات فتكون سببا في انشراح الصدر والإعانة على تحمل تلك المتاعب.
أما الطريق الثاني الذي يتحول فيه المباح إلى واجب فهو إذا صار الواجب متوقفا عليه فإذا صار المباح إلى الواجب أصبح حلالا، وإذا تحول إلى طريق للحرام أصبح محرما؛ ولهذا الشريعة رتّبت في ثواب الصلاة فليس على حضورها بل على من خرج من بيته فتوضأ فهذا من باب إدراك الطريق فرتبت الشريعة الثواب على الفعل وعلى لوازم الفعل من المباحات.
وأشار الموصلي في معرض حديثه عن المباح إلى قاعدة بأن من تركه تديّنا وقع في البدعة؛ أي اعتقد بأن ترك هذا المباح يقرّبه إلى الله ولهذا يقول الله عز وجل عن ذم بعض الأمم التي اتخذت من ترك المباح تدينا في قوله -تعالى-: {ورهبانية ابتدعوها} فهم لم يتركوا المباح لأن النفوس لا تشتهيها بل لأنهم اعتقدوا أن هذا من دين الله.
الأحكام التكليفية والوضعية
وتناول الموصلي في باب آخر الأحكام التكليفية والوضعية بأن الله جعل لها علامات تدل عليها فشرعها -سبحانه وتعالى- وبها يتوصل المكلف إلى معرفة الحكم وهذه العلامات هي السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان والعزيمة والرخصة بعضهم يدخل مع هذا العلّة، وضرب الموصلي مثالات للسبب أن مغيب الشمس علامة لوجوب صلاة المغرب ثم بعد ذلك نبحث عن شرط الصلاة وموانعها وبطلانها وما الصلاة العزيمة التي يجب أن تؤدّى الفريضة فيها؟ ومتى يرخّص الجمع والقصر في الصلاة مثلا؟ فما ذكرته آنفا دلالات على الحكم التكليفي فلا يُتصوّر وجود حكم شرعي كامل ما لم يتصوّر فيه الحكم التكليفي والحكم الشرعي، فخطاب الشارع هو الذي يحدد متى يكون الفعل صحيحا، والعبادة تكون صحيحة إذا توفرت أسبابها وتحققت شروطها وانتفت موانعها.
العبادة الصحيحة
وبيّن أن العبادة عندما تكون صحيحة فإن هذا يعني أمرين الأول أن ذمة المكلّف أصبحت بريئة والثاني سقوط الطلب عنه وكذلك عندما تكون العبادة باطلة أو غير صحيحة فهي لا يعتد بها تخلفت بعض شروطها أو وجدت بعض موانعها وكذلك الذمة ما زالت مشغولة بها والعبد يطالب بإعادتها، وضرب مثالا لذلك فلو صلت المرأة الحائض فلا يعتد بصلاتها لوجود المانع وكذلك لو صلى إنسان ناسيا من غير وضوء فصلاته باطلة ويطالب بالإعادة، وحتى يعيد الصلاة تبقى ذمته مشغولة بالعبادة وهذا معنى الصحيح والباطل في العبادة؛ فهما يتعلقان بقضية الأسباب والشروط والموانع وكذلك في المعاملات عندما أقول أن عقد البيع وعقد النكاح صحيح مثلا أي أن العقدين صارا نافذين وتترتب عليهما الآثار وتوفرت فيهما الشروط والأسباب وانتفت الموانع.
الفعل الصحيح
وأشار الموصلي أن الفعل قد يوصف بالصحة من غير ثواب أو البطلان لا علاقة له بالثواب والعقاب؛ لأن الثواب والعقاب يرجعان إلى أمور أخرى ومنها النية والطاعة، ووصف الشيء بالصحة أو البطلان هو حكم شرعي يتعلق بالاعتداد بالفعل أو عدم الاعتداد به نعم إن الأصل بطاعات العباد حسنات ويثاب عليها فقد تكون صحيحة من غير ثواب، وقد تكون باطلة من غير إثم.
الأسباب
وعرج على الأسباب وذكر بأنه وصف إذا وجد، وجد الشيء، وإذا انعدم، انعدم الشيء كما عبر عنه الأصوليين هو وصف يحتاج له في الوجود والعدم، وهو يؤثر بهما كدخول الصلاة في وقتها فإذا سألك أحدهم سؤالا فقيها عن الصلاة والشمس لا يعلم بمغيبها هل يصلي؟ لأن مغيب الشمس سبب إذا وُجد وجد الحكم وإذا انعدم انعدم الحكم. أما الشرط فهو وصف لا بد منه في تحقيق الحكم، وهو يؤثر عند الفقد بمعنى قد تتوضأ ولا تصلي لكن إذا صليت من غير وضوء فصلاتك باطلة فالشرط يؤثر إذا فُقد أما المانع فيؤثر إذا وجد.
الحكم الشرعي
ونبّه الموصلي إلى نقطة مهمة تتعلق بالنظر في الحكم الشرعي بأسبابه وشروطه وموانعه بأنه يطال حتـى الأحكام الكونية، فهذا الفقه أدركه الصحابة -رضي الله عنهم- ومنه فقه التمكين في الأرض، فنظروا في أسباب هذا التمكين وشروطه وموانعه الذي يعد بمفهوم الصحابة -رضي الله عنهم- حكم قدري وشرعي فالله -عز وجل- يقدّره ويشرّع أسبابه فلو استقرأت من كتاب الله -عز وجل- الآيات تتحدث عن النصر والتمكين لوجدتها تتحدث عن أسباب النصر وآُخر تتحدث عن شروط النصر في قوله -تعالى-: {إن تنصروا الله ينصركم}، وقوله: {ولينصرن الله من ينصره}، وآية أخرى تتحدث عن موانع النصر، ومن موانعه المعصية والتعلق بالحياة الدنيا والاختلاف وغيرها، ومن أسباب النصر الإيمان التام قال -تعالى-: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، هنا وصفهم بالإيمان وهو سبب لهذا النصر فإذا فُقد هذا الإيمان فُقد النصر.
فهذه المعايير يجب وضعها في الاعتبار في النظر سواء للحكم الشرعي أم حتى في المعاملات بين الناس في هذا العصر التي أحيانا تؤخذ فقط لوجود سبب دون النظر في الشروط والموانع، فمثلا رجل مسلم عامي جاء بالكفر جهلا لا نحكم عليه بهذه الحال دون النظر في تحقق الشروط بكاملها وانتفاء الموانع بكاملها حتى يكون الحكم عليه صحيحا بل حتى لو توافرت الأسباب واكتملت الشروط وانتفت الموانع الموجبة لذلك فإن الأمر لا يُحسم بل يحتاط المرء لأن الحكم على الناس مبني على الاحتياط وكذلك يُنظر إلى هذا الحكم بما يترتب عليه من مفسدة؟ فهذه التراتبية في الانتقال من الحكم الجزئي لدى الأصوليين إلى الحكم الكلي المقاصدي الذي تعتني به شريعتنا السمحة هو ما يهدف له ديننا الحنيف من تطبيق الأحكام الشرعية.
الشروط السبعة
وأشار الموصلي في منعطف آخر من الدورة عن الشروط السبعة المتعلقة بتكليف المرء المسلم، فلا يكون المكلّف مكلّفا إلا إذا توافرت الشروط جميعها الإسلام وهو أن يُكلّف المرء المسلم بمجرد دخوله الإسلام ثم البلوغ وجعل له علامات فسن البلوغ مظنة أن الإنسان صار مستعدا للقيام بالتكليف أما قبل البلوغ فهو غير مستعد وهذا من -رحمة الله- أما العقل فهو مناط التكليف فإذا فقد العقل لا يكون مهيأ ومستعدا للتكليف، وأما العلم فمنافٍ للجهل فإذا جهل المكلف الحكم الشرعي عذرته الشريعة؛ إذ لا تكليف على الجاهل، والجهل مانع من موانع التكليف، وكذلك في القدرة والاستطاعة فلا تكليف على العاجز؛ ولهذا جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلِّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا» فالعبد لا يُقدم على عمل ما هو عالة عليه.
لاتوجد تعليقات