المرأة العربية والغزو الفكري
مهما بلغ مكر الأعداء وكيدهم بالإسلام والمسلمين فهو مردود عليهم ببشارة الله -تعالى- للمؤمنين {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ}(إبراهيم:46). أَيْ: لَيْسَ مَكْرُهُمْ بِمُتَجَاوِزِ مَكْرِ أَمْثَالِهِمْ، وَمَا هُوَ بِالَّذِي تَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ، والإسلام ثابت ثبوت الجبال، ولا شك أن من أعظم الكيد بالمسلمين الكيد بالمرأة المسلمة؛ حيث يعدها الغرب من أهم النوافذ في عملية التغريب والغزو والفكري، وقد سعى الغرب للوصول إليه من خلال مدخلين أساسيين: الأول الدعوة إلى المساواة بينها وبين الرجل في جميع الواجبات والحقوق ومعاداة ما يسمى بالتمييز ضدها، والثاني: كونها يتعلق بها أحكام الفضيلة والعفة من حرمة الاختلاط والافتتان بها وغير ذلك.
التدليس الغربي
وأعظم ذلك التدليس هو الربط بين لباس المرأة وطبيعة عملها وعلاقتها بزوجها وبالآخرين، وبين التقدم الحضاري التي تنشده المجتمعات المسلمة؛ فمن يرجو التقدم، عليه أن يتخلى عن لباس المرأة المسلمة وهو الحجاب، وعليه أن يحررها من وظيفتها المنزلية، وأن يلزم الرجل معها بهذه الوظيفة، وأن يتيح للمرأة الاشتغال بالحياة السياسية والاجتماعية. من هنا فإن النظرة الغربية إلى المرأة الملتزمة بدينها لا تخرج عن اثنتين: إما أنها امرأة متخلفة رجعية؛ لأنها تلتزم بدينها، أو أنها امرأة مضطهدة من مجتمع متخلف رجعي؛ لأنه ملتزم بدينه، وكلا النوعين في نظر التغريبيين عائق أمام التقدم والحضارةّ.
الاهتمام بالمرأة المسلمة
دائماً تكون قضية المرأة من أهم القضايا لدى دول الاحتلال العسكري والاحتلال الفكري؛ لأنها من أهم القضايا الاجتماعية؛ ولذا يقول (كرومر): إن لفشل الإسلام بوصفه نظاما اجتماعيا أسباباً منها أنه جعل المرأة في مركز منحط كثيراً عن الرجل، وكما ينادي المستشرقون دائماً بضرورة مساواة المرأة بالرجل في الدول الإسلامية بعد تصويرها بأدنى مما عليه المرأة الغربية، عندئذ تطالب المرأة العربية بالمساواة، وأكثر من ذلك أن الدول المتقدمة -من وجهة نظر الفكر الغربي- هي التي تكثر فيها مراكز تهتم بقضايا المرأة، بل إن المنظمات الدولية لا تكاد تخلو من هذه المراكز.
المراكز الغربية
كثرت المراكز الغربية المعنية بشؤون المرأة، والأبحاث والمؤتمرات الصادرة عن هذه المراكز أيضا كثيرة جداً، منها: (مركز مساواة المرأة)، وهو مركز منبثق عن موقع الحوار المتمدن، مؤسسة مجتمع مدني تطوعي غير حكومية، وغير نفعية، وغير ربحية، تعنى بقضايا الثقافة والإعلام ونشر الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي للإنسان التقدمي الحديث وشعارها: من أجل مجتمع مدني علماني ديمقراطي يضمن الحرية ومركز (نظرة للدراسات النسوية) للجميع، ولجنة (مركز المرأة) التابع للأمم المتحدة، وصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، والمعهد الدولي للبحث والتدريب من أجل النهوض بالمرأة، ومعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية واللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة.
المؤتمرات التغريبية
ومن أهم المؤتمرات التي عقدت في ذلك: المؤتمر العالمي الأول للسكان المنعقد في (بوخارست / رومانيا)، عام 1394ه/ 1974م، والمؤتمر العالمي للسنة الدولية للمرأة، المنعقد في (مكسيكو) عام 1395م، 1975م، ، ومؤتمر الأمم المتحدة لحفظ حقوق الإنسان، والمنعقد في فيينا عام 1413هـ، 1993م، والمؤتمر الدولي الرابع المعني بالمرأة، المنعقد في (بكين)، عام 1416هـ، 1995م، والمؤتمر الدولي للسكان الذى انعقد في مصر سنة 1994م.
المرأة في المؤتمرات
للوقوف على مثال لهذه القضايا، نجد أوضحها ما جاء في مؤتمر القاهرة 1994م معالجاً بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية، مثل: مشكلة تكاثر السكان في مقابل قلة الموارد، داعياً من خلال ذلك إلى تحديد النسل وضمان الحرية لذلك، كما تبنى البرنامج قضية المساواة بين المرأة والرجل وإزالة الفوارق الموجودة بينهما، و عرض أيضا حق المرأة في العمل والتكسب والمساواة في الأعمال المنزلية بما لا يدع مجالاً لظهور أي فوارق بين الجنسين، وقد عقدت الوثيقة لذلك فصلاً كاملاً هو الفصل الرابع بعنوان (المساواة بين الجنسين والإنصاف وتمكين المرأة).
المساواة والانفلات
المطالبة بالمساواة من أهم ما تتحدث عنه المؤتمرات؛ فالمساواة في الحقوق السياسية، والمساواة في الميراث، والحياة الوظيفية والعملية، فضلا عن اتفاقيات التمييز ضد المرأة بما يتعارض بنسبة كبيرة مع قواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها، وكل ذلك بما لا يتناسب أيضاً مع الطبيعة التي خلق الله المرأة عليها، أو المطالبات المادية والأسرية التي وضعها الله -عز وجل- على كل من الرجل والمرأة، ودائماً ما تأتي الدعوات الرامية إلى المساواة وغيرها وهي لا تستهدف حرية المرأة، بل تستهدف انفلاتها وحرية الوصول إليها.
التمييز ضد المرأة
ففي عام 1997م: كانت اتفاقية القضاء على أنواع التمييز ضد المرأة، وهي المعروفة دولياً باتفاقية (السيداو)، اتفق المؤتمرون على ضرورة تطبيق ثلاثين مادة، وردت في ستة أجزاء، للقضاء على أنواع التمييز ضد المرأة، على أن يبدأ نفاذها في 3 سبتمبر 1981م. وجاءت هذه الاتفاقية لأول مرة بصيغة ملزمة قانونياً للدول التي توافق عليها، إما بتصديقها أو بالانضمام إليها، وحددت الأمم المتحدة العام2000م موعداً نهائياً لتوقيع جميع الدول عليها، ومن العجيب أن تكون الدول الداعية إلى هذه الاتفاقية، من أكبر الدول تمييزاً ضد المرأة؛ ففي أمريكا مثلا نجد أن إحصاءات مرتكبي الاعتداءات على النساء في أمريكا: ثلاثة من بين أربعة معتدين هم من الأزواج، 9% أزواج سابقين، 35% أصدقاء، و32% أصدقاء سابقين، وإحصائية أخرى تدرس نسبة المعتدين، وتبين أن الأزواج المطلقين أو المنفصلين عن زوجاتهم ارتكبوا 79% من الاعتداءات، بينما ارتكب الأزواج 21%.
تعليم المرأة
وفي هذه القضية يتم الاستفادة من حالة الفقر التي تعيشها كثير من البلدان الإسلامية التي لا يهتم فيها كثيرون أيضاً بقضايا التعليم من أجل أن يتم بث الأفكار المنحرفة الخاصة بالمرأة من خلال البرامج التعليمية والتثقيفية الموجهة إليها، وعقدت مؤتمرات أخرى للأمم المتحدة نوقشت فيها بعض قضايا المرأة، ومنها:
المؤتمر العالمي لتوفير التعليم للجميع في (جومتيان- تايلند)، 1990، الذي أصدروا الإعلان العالمي لتوفير التعليم للجميع، وأشار هذا المؤتمر إلى أن هناك 60 مليون بنت (من بين 100مليون) محرومة من التعليم الابتدائي، كما أن ما يزيد على ثلثي الأميين بين البالغين في العالم (وعددهم 960 مليون) من النساء، وهن من سكان الدول النامية، ولاسيما في أفريقيا، وبعض الدول العربية.
الحرية والتحرر
هذا المصطلح الذي لا يكاد ينعدم على ألسنة التغريبيين وفي مؤتمراتهم، ومؤلفاتهم يسعى إجمالاً إلى انفلات المرأة، وحرية المرأة في نظرهم يتضمن: إقامة العلاقات، والتحرر من التقاليد الاجتماعية، ومن الملابس الشرعية و عدم الاختلاط، ولا يحق عندئذ لأحد أن يمنعها من ذلك، وحتى القوامة التي جعلها الله -تعالى- للرجل على المرأة لينظم بها حياة المرأة، هي في نظرهم عائق أمام الحرية التي يزعمونها لها، في حين أن الإحصائيات الدولية تؤكد أن هذه المجتمعات الغربية، هي التي ترتفع فيها نسب الاغتصاب والتحرش، وهي التي تزيد فيها نسب قضايا النساء ضد الرجال؛ مما يدعونا إلى إدراك أن الهدف من اهتمامهم بالمرأة ليس المرأة، وإنما ما سيحدث بعد ذلك في ثقافتنا وهويتنا.
النظريات الدولية
إذ لم يدْع روَّاد العملية التغريبة إلى مجموعة من النظريات الخاصة بالمرأة وفقط، بل روّجوا أن النظريات الدولية التي يتم دعمها فيما يخص المرأة، إنما هي فوارق بين الاعتدال والتطرف؛ فمن لم يعتنق هذه المبادئ ويعمل على نشرها ودعمها وتشريع الأحكام وفقها فهو متطرف، فرداً كان أم جماعة أم دولة؛ وذلك مدون في التقارير المعلنة لمراكز الفكر الغربية الموجهة التي تعتني بهذه القضايا، وتجعلها فارقاً بين الحداثة والأصولية وبين التطرف والاعتدال، وهو ما أشار إليه تقرير لأحد المراكز 2004م (الإسلام المدني الديمقراطي)، وتقرير المؤسسة لعام 2007م بناء شبكات مسلمة معتدلة؛ وبهذا يمكن استخدام هذه النظريات لاتهام الأفراد والتيارات والدول بالإرهاب، من أجل التضييق عليها أو إلزامهم بالتنازلات الدينية والانسلاخ منها في محاولة لإثبات الوسطية المزعومة والاعتدال أمام منظمات المجتمع الدولي.
لاتوجد تعليقات