رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. مصطفى إبراهيم 2 مايو، 2018 0 تعليق

مسلسل أرطغرل وتزييف حقيقة ابن عربي! – تزييف التاريخ تدليس على الأمة وطمس لهويتها (1)


الحياديَّة في كتابة التاريخ أصبحت في العصر الحديث من نصيب فئة قليلة من الكُتَّاب والمؤرخين، ممَّن اتقوا الله في كتاباتهم وراعوا ضميرهم، وعلموا أن الله سيُحاسبُهم عمَّا كتبت أيديهم، فعملوا لذلك اليوم، فلم يظهرْ في كتبهم إلا الصدق والنقل الصحيح للأحداث، ولكن نرى في الوجه الآخر من الكتابات التاريخيَّة ما سَادَه التزويرُ وطمسُ الحقائقِ؛ بل تزويرها.قال -تعالى-: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(يونس: 61).

     لقد عانت الأمة من المغالطات التاريخية والأدبية والعلمية؛ جراء المسلسلات التي تعرض حقباً تاريخية مرت بها أمتنا الإسلامية, عرضاً مغلوطاً لا يعبر عن الحقيقة، ومن أخطر وأشهر تلك الشخصيات التي تناولتها المسلسلات التاريخية بالمغالطة, ما تم تناوله في المسلسل التركي المشهور (قيامة أرطغرل) من عرض لشخصية (ابن عربي), تلك الشخصية الصوفية الفلسفية الغالية, التي صورها المسلسل بصورة مخالفة لحقيقة الحال.

     لذا وجب التنبيه والنصح للمسلمين حول حقيقة منهج ابن عربي, وبيان حقيقة ما كان يدعو إليه في كتبه ومؤلفاته؛ وذلك من خلال مقالات عدة سنتناولفيها -إن شاء الله- بيان حقيقته, عن طريق عرض علمي وصفي منصف لعقيدته وفكره, نلتزم فيها -إن شاء الله- بقواعد النقد العلمي الصحيح, ولن نذكر فيها معلومة إلا من كتبه ومؤلفاته, لاسيما كتابي: (الفتوحات المكيّة), و(فصوص الحكم), وهما الكتابان اللذان لا يختلف اثنان في نسبتهما إليه.

المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها ابن عربي

     ينتمي ابن عربي إلى المدرسة الصوفية الفلسفية الغالية, وقد كانت أفكاره وفلسفته وليدة البيئة التي نشأ فيها وتكوّن فيها وعيه الأول؛ حيث ولد ابن عربي في الأندلس, وعاش في الفترة من (560هـ وحتى 638هـ) تلك المرحلة التي تأثر فيها بالثقافات والفلسفات الأخرى والديانات المختلفة، وبالتالي فقد تأثر بكل هذه التيارات والأجواء التي كانت موجودة في عصره؛ لذلك تعد آراؤه وأفكاره وفلسفته الفكرية مزيجاً من ثقافات قديمة وديانات وثنية عدة, كما سيأتي بيانه بالتفصيل.

مصادر منهج ابن عربي

من الطبيعي أن نجد أن أول العوامل المؤثرة في سيرة كل عالم أو مصلح: القرآن ثم السنة ثم أقوال الصحابة -رضي الله عنهم- لكن الحال مع ابن عربي يختلف عن المعهود؛ فإليك أيها القاريء الكريم- المصادر التي استمد منها ابن عربي فكره ومنهجه.

التراث الهندي

- أولاً: التراث الهندي الوثني القديم.

فإن عدداً كبيراً من الأفكار التي دعا إليها  موروثة عن التراث الهندي الوثني القديم؛ (وقد ذكر ذلك الدكتور: محمد إبراهيم الفيومي, في كتابه: الشيخ الأكبر ابن عربي صاحب الفتوحات المكية ص:26).

الفلسفة الأفلاطونية

- ثانياً: الفلسفة الأفلاطونية القديمة؛ فإن أول خاصية تظهر لمن قرأ في كتبه هي: الأثر الأفلاطوني العميق المتغلغل في مذهبه كله, ولاسيما في تصوفه (انظر كتاب: ابن عربي حياته ومذهبه-كتاب مترجم-, آسين بلاثيوس ص:260)؛ لذا فقد سماه بعض الباحثين المتخصصين في التصوف (ابن أفلاطون) نظراً لتأثره الشديد بالفلسفة الأفلاطونية التي أثرت على عقيدته! (انظر كتاب: الشيخ الأكبر ابن عربي, للدكتور الفيومي ص:28).

النصرانية المحرّفة

- ثالثاً: تأثره الشديد بالديانة النصرانية المحرّفة، وتقارب ابن عربي الشديد مع العقيدة النصرانية المحرّفة -القائلة بتجسد الإله في البشر, وحلوله فيهم- هو بسبب التأثير الواسع الذي أحدثته الرهبانية في التصوف, (انظر: ابن عربي حياته ومذهبه, آسين بلاثيوس ص:257), بل لقد صرّح بأن التثليث النصراني هو عين التوحيد! (كما في كتابه: الفتوحات المكية 4/ 370), وسيأتي في مقالات قادمة مزيد بيان لذلك إن شاء الله.

بل لقد قال الأستاذ أبو العلا عفيفي -وهو من أبرز المهتمين بتحقيق كتب ابن عربي ونشرها-: تؤدي فكرة التثليث دوراً مهماً جداً في فلسفة ابن عربي، وغريب حقاً أن يكون لها هذا الشأن في تفكير صوفي مسلم! (انظر: المعجم الصوفي, سعاد الحكيم ص:248-249).

الفلسفة الهرمسية

- رابعًا: تأثره بالفلسفة الهرمسية: وهي: فلسفة قديمة تعتمد على الفلك والسحر والتنجيم والأساطير اليونانية, وعموماً فقد تجمعت العقائد الهرمسية في المعتقدات الصوفية بواسطة ابن عربي، وهذه ظاهرة في كتاباته!! (نقلاً عن: نظرية المعرفة الإشراقية وأثرها في النظرة إلى النبوة, د. إبراهيم هلال ص16).

- سادساً: الديانة البوذية؛ فعقيدة وحدة الوجود عند ابن عربي -وسيأتي بيانها وشرحها-, تشاكل عقيدة (النرفانا) عند البوذيين, (نقلاً عن كتاب: ظهر الإسلام, د. أحمد أمين 2/ 155).

إذاً أيها القارىء الكريم هذه بعض الروافد الفكرية التي استقى منها ابن عربي عقيدته!! وأشبع بها كتبه وأفكاره, وقد ولّدت تلك الروافد عقائد هي أبعد ما تكون عن القرآن والسنة؛ فتصوف ابن عربي ليس زهداً ولا تقشفاً, ولكنه اتجاه عقلي فلسفي خاص يرمي به إلى إثبات شخصية الإنسان في الوجود الإلهي.

مصادر التلقي عند ابن عربي

من المعلوم لدى كل مسلم ومسلمة أن مصادر تلقي الشريعة في الإسلام هي:

 أولاً: القرآن الكريم: كلام الله -سبحانه وتعالى- ثانياً: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم , ثالثاً: إجماع أهل العلم, رابعاً: القياس الصحيح المكتمل الشروط والأركان؛ فهذه هي المصادر الأصلية التي نعرفها جميعاً, ويرجع إليها المسلمون في معرفة دينهم, وهذا محل اتفاق وقبول بين جميع الأمة الإسلامية ولله الحمد.

والسؤال الآن: ما مصادر تلقي الدين عند ابن عربي؟

لاشك عندنا جميعاً أن وحي السماء إنما ينزل على الأنبياء والمرسلين, ثم يبلغه الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إلى أقوامهم وأممهم, قال الله -تعالى-: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}, ولكن ابن عربي كان له رأي آخر !!

التلقي عن الله مباشرة

     المصدر الأول عند ابن عربي: أنه يمكن للإنسان إذا كان من الأولياء الصالحين أن يتلقى عن الله -تعالى- مباشرة بلا حاجة للأنبياء والرسل؛ فيقول ابن عربي في أحد أبواب كتابه المشهور (فصوص الحكم): وأنا إن شاء الله أسرد في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري؛ فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب (انظر كتاب: فصوص الحكم, ابن عربي ص58).

ويقول أيضاً: فنحن لا نعتمد في كل ما نذكره إلا على ما يُلقي الله عندنا من ذلك, لا على ما تحتمله الألفاظ من الوجوه (الفتوحات المكية, ابن عربي 1/136), يعني:  لا يعتمد على ألفاظ الشرع, بل يعتمد على ما يوحيه الله إليه.

     بل يزعم -والعياذ بالله- أن رب العالمين -سبحانه- يتمثل له؛ فيأخذ عنه علماً ليس في الكتب؛ فيقول: ونحن قد أخذنا عن مثل هذه الصورة أموراً كثيرة من الأحكام الشرعية, لم نكن نعرفها من جهة العلماء ولا الكتب. (الفتوحات المكية, ابن عربي 3/70)؛ فالرجل في هذه النقولات وغيرها يدّعي أنه ينقل عن الله -تعالى- مباشرة بلا واسطة! بل يدّعي أنه تلقى عن الله -تعالى- عن طريق التكليم المباشر!

بل إن المفاجأة الكبرى، أنه زعم أن تلقيه عن الله -سبحانه وتعالى- أفضل وأعظم وأكمل من تلقي الأنبياء والرسل عن الله؛ فيزعم أن الرسل يتلقون عن الله بواسطة جبريل، ويسميه: -الخيال النفساني-, أما هو فيتلقى مباشرة من اللوح المحفوظ -ويسميه المعدن العقلي المحض الذي يأخذ منه جبريل!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك