رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 22 أبريل، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْي عنْ بَيْعِ المُصَرَّاة

  • نهَى النَّبيُّ  - صلى الله عليه وسلم - عن المُعاملاتِ الَّتي يصاحبها الغِشُّ والخداعُ وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو بالمُشتري
  • كلّ مُحرّم فثمنه حَرَام لأنّه لا يُباح التوصّل إليه بأي طريق فالوسائل لها أحكام المقاصد وهذه قاعدة نافعة
 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً؛ فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَها، وإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، ورَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1158) باب: حكم بيع المُصراة، وأخرجه البخاري (2148) بنحوه, يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «مَنِ ابتاعَ» يعني: اشْتَرى، «شاةً مُصرَّاةً» هي: الشاة التي تُترَكُ أيامًا دون حَلْبٍ، حتَّى يَمتلِئَ ضَرعُها، فيَظُنَّ المُشتري أنَّها حَلوبٌ كثيرةُ اللَّبنِ؛ فيَزيدُ في ثَمَنِها، وبعدَ حلْبِها يطَّلِعُ على عَيبِها، فيكونُ قدِ اشْتَراها بأكثَرَ ممَّا تستحِقُّه، وبذلك يكونُ البائِعُ قد غرَّر بالمُشْتري وظَلَمَه.

        قال الحافظ النووي: «وهو رَبْط أخلافها، ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها، حتّى يَعظمَ فيظنُّ المُشْتري أنّ كثرةَ لبنها عادةٌ مُسْتمرّة، ومنه قول العرب: صريت الماء في الحوض إذا جمعته، وصرى الماء في ظهره إذا حبسه... قال: واعلم أنَّ التّصرية حَرامٌ سواءً تصريةُ النّاقة والبقرة والشاة والفرس والأتان وغيرها؛ لأنّه غشٌ وخداع، وبيعها صحيح مع أنّه حَرام، وللمشتري الخيار في إمساكها وردها.. قال: وفيه دليلٌ على تحريم التّدليس في كلّ شيء، وأنّ البيع مِنْ ذلك ينعقد، وأنّ التدليس بالفعلِ حرامٌ كالتدليس بالقول». اهـ من شرح مسلم بتصرف.

بالخِيارِ ثَلاثةَ أيامٍ

        لذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «فهو بالخِيارِ ثَلاثةَ أيامٍ»، يَعنِي: هو مُخيَّرٌ بينَ شَيئينِ: بين الإمساك بالشراء أو الرجوع فيه، خلالَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وهي مُدَّةٌ غالباً ما تَسمَحُ للمُشْتري بمعرِفَةِ عادتِها, ثمّ قال: «إنْ شاءَ أنْ يُمسِكَها أمْسَكَها» أي: أنْ يَقبَلَ بها ويُمضِيَ البَيعَ، «وإنْ شاءَ أنْ يَرُدَّها ردَّها وصاعاً من تَمرٍ» أي: يَرُدُّها على البائعِ الَّذي خَدَعَه مُبطِلًا للبيعِ، ومعها صاعٌ من تَمْرٍ بدلًا منَ اللَّبنِ الَّذي حَلَبَه منْها، ويَسترِدُّ مالَه. والصَاع: مكيال معروف في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يساوي أربعة أمداد، ومقداره الحديث يعادل حوالي 2.5 كيلوغرام من القمح أو ما يعادله. وفي لفظ لمسلم: «لا سَمْراء» والسَّمراءُ هي الحِنْطةُ، أي: لا يُعطي غيرَ التَّمرِ.

فوائد الحديث

  • نهَى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن المُعاملاتِ الَّتي يصاحبها الغِشُّ والخداعُ، وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو بالمُشتري.
  • فالغش مُحرّم في الإسلام، سواء في البيع أو الشراء أو أي معاملة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رواه مسلم.
  • في الحديث: حفظ حُقوق المتعاقدين، فالشريعة تحفظ حقوق البائع والمشتري، وتمنع الظلم والغبن.
  • مشروعية الخيار في البيع: فإذا ظهر عيبٌ أو غش للمشتري بعد العقد، فله الحقُّ في فسخ العقد أو إمْضائه.
  • التعويض عن المنافع: فإذا استفاد المشتري من السلعة خلال مدة الخيار (كحلب اللبن)، فيجب عليه تعويض البائع عن هذه المنفعة.
  • العدل والإنصاف: حتى عند الرجوع في البيع، فيجبُ العَدلُ وعدم أكل حق الآخرين، ولهذا أمر برد الصاع تعويضاً عن اللبن المستفاد.

باب: تَحْريمُ بَيْع ما حَرُمَ أكْلُه

  عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ؛ أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1207) باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، ورواه البخاري (2224)،

       قوله:» بَلَغَ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْراً» اختُلف في كيفيّة بيع سَمُرة للخمر على ثلاثة أقوال، أحدها: أنّه أخذها مِنْ أهلِ الكتابِ عن قيمة الجِزية، فبَاعَها منْهم، مُعتقداً جوازَ ذلك. والثاني: قال الخطّابي: يجوز أنْ يكون باعَ العَصير مِمّن يتّخذَه خَمراً، والعَصير يُسمّى خَمراً، كما قد يُسمّى العِنبُ به؛ لأنّه يَؤُول إليه، قال: ولا يُظنُّ بسَمُرة أنّه باع عَينَ الخَمر، بعد أنْ شاعَ تَحريمها، وإنّما باعَ العَصير. والثالث: أنْ يكون خلَّل الخَمْر وباعَها، وكان عُمر يعتقد أنّ ذلك لا يُحلّها، كما هو قولُ أكثرِ العُلماء، واعتقد سَمُرة الجَواز كما تأوله غيرُه أنّه يُحلّ التخليل. قال القرطبي: والأشبه الأول. قال الحافظ: ولا يتعيَّن على الوجْه الأول أخذُها عن الجِزْية، بل يحتملُ أنْ تكون حَصَلت له عن غنيمةٍ أو غيرها، وقد أبدى الإسماعيلي في المَدخل فيه احتمالاً آخر: وهو أنَّ سَمُرة عَلِمَ تَحريمَ الخَمْر، ولمْ يَعلم تحريمَ بيعها، ولذلك اقتصرَ عُمر على ذمِّه دُون عُقُوبته، وهذا هو الظّنّ به. قال: وفي الحديث: لعنُ العَاصي المُعيّن، ولكنْ يَحتملُ أنْ يقال: إنّ قول عمر رضي الله عنه : قاتلَ اللهُ سَمُرة، لمْ يُردْ به ظاهره، بل هي كلمةٌ تقولُها العرب عند إرادة الزَّجْر، فقالها في حقّه تَغليظاً عليه. قال: وفيه إقالة ذَوي الهيئات زَلّاتهم؛ لأنَّ عُمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبةٍ ونحوها. فتح الباري: (4/ 415).

لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ

         قوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» وفي لفظٍ: «قاتل الله اليهود» أي: أهلكهم ولعنهم، وهو إخبارٌ، أو دُعاءٌ عليهم. «حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ» وفي لفظ: «إنّ اللهَ حرّم عليهم الشحوم» أي: شحوم الغنم والبقر، قال الله -تعالى-: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} (الأنعام: 146). «فَجَمَلُوهَا» وفي لفظ: «فأجْمَلُوه» أي: أذابُوه، قال في النهاية: جَمَلتُ الشَّحْم وأجْملتُه: أذبته. وفي القاموس: جَمَل الشحم أذابه، كأجْمَله واجْتَمله؛ أي: أنّهم احْتالوا بذلك في تَحْليله؛ وذلك لأنّ الشّحْمَ المُذاب؛ لا يُطلقُ عليه لفظ «الشّحم» في العُرْف، بل يُقال: إنّه الوَدَك.

بطلان كلّ حِيلةٍ

       قوله: «فَبَاعُوهَا» وفي لفظ: «ثُمّ بَاعُوه فأكلُوا ثَمَنه» الضّمير المنصوب في هذه الجُمل الثلاث؛ راجعٌ إلى الشُّحوم، قال في «شرح السنة»: فيه دليلٌ على بطلان كلّ حِيلةٍ تُحتال للتوصّل إلى مُحرّم، وأنّه لا يتغيّر حُكمه بتغير هيئته، وتبديل اسمه. انتهى. فالحاصل: أنّ مَنْ باعَ الخَمْرَ؛ فقد شابَه اليهود الذين حُرّمت عليم الشُّحُوم، فأذابُوها وباعُوها، وأكلُوا ثَمَنَها، حيلةً ومُخَادعة، وإنّما حَرّم اللهُ -عز وجل- شحوم الغنم والبقر على اليهود؛ بسببِ بَغْيهم وظُلْمهم، وتعدّيهم حُدُود الله -تعالى-، كما قال الله -عز وجل-: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (الأنعام: 146)، وأمّا هذه الأمّة؛ فقد رَفع اللهُ -تعالى- عنها برحمته الآصَارَ والأغْلالَ التي كانت على مَنْ كان قبلها، فلا ريبَ في إباحة شُحُوم الغَنم والبقر لهذه الأمّة؛ كما يُباحُ لهم سائرَ أجزائها، وممّا يقال: أنّ سببَ تنفيرِ النّاس في العالم المُعاصر مِنْ أكلِ الشُّحُوم في طعامهم، واسْتبدالها بالزَّيُوت المُصنّعة الضارة؛ هم اليهود!

 من فوائد الحديث

  • تَحريمُ المُعاملة بالخَمْر، ببيعٍ، أو شِراء، أو عمل، أو إعانة بأيّ نوعٍ كان.
  • تحريمُ الحِيل، فإنّ الله -تعالى- لمّا حَرّم الخَمرَ، حَرّم ثَمنه الذي هو وسيلةٌ إليه.
  • مَنْ باعَ الخَمر؛ فقد شَابَه اليهودَ الذينَ حُرّمتْ عليم الشُّحوم، فأذابُوها وباعوها، وأكلُوا ثَمَنها، حِيلةً ومخادعة.
  • أنّ كلّ مُحرّم فثمنه حَرَام؛ لأنّه لا يُباح التوصّل إليه بأي طريق، فالوسائل لها أحكام المقاصد، وهذه قاعدة نافعة.
  • قال الحافظ: وفيه: إبطالُ الحِيل والوسائل إلى المُحرّم، وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابنُ المنذر وغيرُه في ذلك الإجماع، وشذَّ مَنْ قال: يجوز بيعها.
  • قال: وفيه دليلٌ على أنّ بيعَ المُسْلم الخَمْر مِنَ الذِّمّي لا يجوز، وكذا توكيل المُسْلم الذّمّي في بيع الخَمْر.
  • قال: وفيه استعمال القياس في الأشْبَاه والنَّظائر؛ انتهى. فتح الباري: (4/ 415).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك