رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 22 أبريل، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق .. التغـافـل..

- من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة، لكن استعمالها محمود أحيانا؛ وإنما ذلك لأن من هو مطبوع على الغفلة يستعملها في غير موضعها، وفيما يجب التحفظ، وهو مغيب عن فهم الحقيقة، فدخلت تحت الجهل  فذمت لذلك، وأما المتيقظ الطبع، فإنه لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل، فهما للحقيقة، وإضرابا عن الطيش، واستعمالا للحلم، وتسكينا للمكروه؛ فلذلك حمدت حال التغافل وذمت الغفلة. - عبارة جميلة، من أين اقتبستها؟! - من كتاب الأخلاق والسير، لابن حزم الأندلسي. - (ابن حزم)، شيخ الأندلس، ومذهب الظاهرية، قرأت له كتاب (طْوق الحمامة) و(الفصل في الملل والنحل)، و(درّ القواعد في فقه الظاهرية). كنت وصاحبي في مكتبة المسجد، بعد صلاة ظهر الخميس، صيامًا. - كل هذه الكتب التي تزيد على ألف كتاب، ثم جمعها في قرص أصغر من البنصر. - هذه نعمة  من رب العالمين، جعلت البحث أسهل والوصول إلى المعلومة أسرع وأدق. - ماذا عن التغافل؟ أظن أن أحتاج أن أدرب نفسي عليه، أشعر أني دقيق في كل شيء، وأحب أن أجد تفسيرا منطقيا لكل تصرف. - لم أكن أعلم أنك كذلك. - نعم، لدي هذا الطبع، معظم الأوقات. - التغافل، يريح النفس، ويبقي المودة، ويسهل التعامل مع الآخرين، وهو مطلوب وبشدة، مع الأقرب، الزوجة، والإخوان، وغيرهم. - روى البيهقي في شعب الإيمان في مناقب الإمام  أحمد بن عثمان بن زائدة قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة  منها في التغافل؛ فحدثت به أحمد بن حنبل فقال العافية عشرة أجزاء كلها في (التغافل). ينبغي على المرء أن يغض الطرف، ويتجاهل، الزلات، والأخطاء، والعيوب، وألا يدقق، ويتابع، ويحاسب على كل شيء، (فيمرر) الأمور التي قد تضايقه، كأنها لم تُقل، ولم تقع، ويقبل الغدر، ويقيل العثرة، ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: «شرط الصحبة، إقالة العثرة ومسامحة العشرة، والمواساة في العُسرة». شاركنا المجلس مؤذن مسجدنا (أبو حفص)، دخل في الحوار مباشرة. - ألم يرد في البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن المشركين كانوا يسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد», وكذلك في حادثة سلام اليهود عليه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «جاء أناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- فقالوا : السَّامُ عليك يا أبا القاسمِ. فقلتُ : السَّامُ عليكم ، وفَعَلَ اللهُ بكم وفعل. فقال عليه السلامُ : مَهْ يا عائشةُ! فإنَّ اللهَ لا يُحبُّ الفحشَ ولا التفحشَ. فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، ألستَ ترى ما يقولون؟! فقال : ألستِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عليهم ما يقولون ، أقولُ : وعليكم؛ فنزلتْ هذه الآيةُ : {بما لم يُحَيِّكَ به اللهُ}؛ أي : إنَّ اللهَ سلَّم عليْكَ ، وهم يقولون : السَّامُ عليك » (متفق عليه). عقب صاحبي: وهل يكون التغافل مع الأعداء أيضا؟! قالها مستغربًا: نعم، إن كانت هناك مصلحة، ولا يقع أذى من فعلهم! - قال النووي في شرح هذا الحديث، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مهلا يا عائشة، استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم يترتب عليه مفسدة. - يقول الإمام ابن القيم في التغافل: «من أساء إليك ثم جاء ليعتذر من إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كان أو باطلا وتكل سريرته إلى الله» (مدارج السالكين)، وذلك أن قبول الأعذار من التغافل. عقب أبو حفص: وفي كتاب الله -تعالى- في وصف عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان:63)، وكذلك: {إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص:55). وفي قصة يوسف -عليه السلام- عندما قال إخوته: {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} (يوسف:77). وفي وصف ابن الاثير لصلاح الدين الأيوبي: «كان -رحمه الله- حليما حسن الأخلاق متواضعا صبورا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحاب يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه» وكانت العرب تردد: ليس الذكي بسيد في قومه              لكن سيد قومه المتغابي أي المتغافل عن زلاتهم! - نعم، إن حسن الخلق، يتطلب الفطنة والتغافل. - لعل معظم  مشكلات المتزوجين حديثا،- ولاسيما الشباب- ناتجة عن  تتبع الزلات والمحاسبة، والتدقيق، مع أن الحياة الزوجية أحوج ما تكون إلى التغافل، الكل يقع منه التقصير- ولا سيما المرأة حديثة الزواج- فإن لم يتغافل الزوج عن تقصيرها لا تدوم العشرة! حتى وإن طالت العشرة، ينبغي على الزوج أن يكون حليما، رفيقا، متغافلاً، مقيلاً للعثرات، وإن لم تعتذر الزوجة! في الحديث «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -عِندَ بَعضِ نِسائِه، فأرسَلَت إحدى أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ بصَحفةٍ فيها طَعامٌ، فضَرَبَتِ التي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِها يَدَ الخادِمِ، فسَقَطَتِ الصَّحفةُ فانفَلَقَت، فجَمَع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِلَقَ الصَّحفةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجمَعُ فيها الطَّعامَ الذي كان في الصَّحفةِ، ويقولُ: غارَت أُمُّكُم. ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أُتيَ بصَحفةٍ مِن عِندِ التي هو في بَيتِها، فدَفَعَ الصَّحفةَ الصَّحيحةَ إلى التي كُسِرَت صَحفَتُها، وأمسَكَ المَكسورةَ في بَيتِ التي كَسَرَت». ولأحمد وأبي داود والنسائي من حديث عائشة -رضي الله عنها-: « قالت : ما رأيتُ صانعةً طعامًا مثلَ صفيةَ ، أهدتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إناءً فيه طعام ٌ، فما ملكْتُ نفسي أن كسرتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ما كفَّارتُه ؟ قال : إناءٌ كإناءٍ وطعامٌ كطعامٍ ». ولو حصلت هذه الحادثة عند أحد شباب اليوم لطلق زوجته في حينها! - إليكم بعض الأقوال في التغافل: قال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل، وقال أكثم بن صيفي: من شدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف في التغافل. وقال شبيب بن شيبة الأديب: العاقل هو الفطن المتغافل. وقيل لبعض العارفين: ما المروءة؟ قال التغافل عن زلة الإخوان.    

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك