رسائل الأمل – الأمل في الله شعار المصلحين
قال الله -تعالى-: {حتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}(يوسف: 110)، فينبغي على المسلم أن يوطن نفسه على التفاؤل وحسن الظن بالله، مهما بلغ به من شدة أو كرب؛ فإن عليه أن يعلم أن لهذا الكرب حكمة، وأن له نهاية، له حكمة؛ لأن الله -تعالى- لا يبتلي عبده المؤمن ليعذبه، ولكن ليقومه، أو ليرفع درجته، وله نهاية؛ لأنه امتحان، وزمن الامتحان مهما طال؛ فهو إلى نهاية؛ لذلك علينا أن نتحلى بالصبر، وألا نفقد الأمل في الله.
الأنبياء يتمسكون بالأمل في الله
لقد ظلت شعلة الأمل متقدة في قلب يعقوب -عليه السلام- بعد أن تكالبت عليه الابتلاءات، تلو الابتلاءات؛ فإنه فَقَدَ يوسف، ثم بنيامين، ثم فَقَدَ بصره، ثم هو بعد ذلك كله يحث أولاده على الأمل، ويرشدهم إلى التفاؤل؛ فيقول: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف: 87). كان من المتوقع أن تنهار همته كما انهارت قوته، وأن تذوب عزيمته كما ذابت مقلتاه، لكن الواقع أن المحنة ما زادته -عليه السلام- إلا مزيداً من التعلق بالله، والرجاء فيه. روى الطبراني في تفسيره عن الحسن قال: «كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه حتى عمي، وما على وجه الأرض يومئذ عبد أحب إلى الله منه» (جامع البيان، ج16، ص273، برقم:19922). ثمانون سنة ولم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه مع أنه أحب عبد إلى الله على الأرض يومئذ.
الحزن مشروع واليأس ممنوع
فالحزن مهما بلغ، فلا ينبغي أن يصل بالعبد إلى حد اليأس والقنوط؛ فالحزن يجري على القلب من فرط شفقته، أو لقوة تألمه على فقد محبوب، أو لقوة رغبته في تحقيق مرغوب، أما اليأس فهو استسلام النفس إلى خيبة الأمل والإحباط وانقطاع الرجاء، وشتان ما بين الحالين والشعورين؛ لذلك جرى الحزن على قلوب الأنبياء، وحذر الله في كتابه من اليأس وانقطاع الرجاء، فقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع عدة، منها عند فقده لولده إبراهيم عليه السلام ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم -عليه السلام-؛ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فقبله، وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه؛ فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان؛ فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (رواه البخاري، رقم:1303).
التمني وتجاهل الإخفاقات
إذا كان الحزن لا يعني الهزيمة النفسية، ولا الاستسلام لليأس والقنوط؛ فإنه لا يعني أيضاً تبلد المشاعر، أو تجاهل الإخفاقات، أو انتظار الفرج من غير سعي، إنما الأمل قوة في الرجاء، مع اجتهاد وبذل؛ فالأمل يجب أن يكون مبنياً على أسس صحيحة، وأسباب واقعية، لا تنتمي إلى عالم الأحلام والخيالات؛ ولذلك ينعي الله -تعالى- على بني إسرائيل طلبهم للمغفرة، مع كونهم لم يسلكوا مسلكها، ولم يسعوا لها سعيها، وإنما جاءت أفعالهم دائماً في اتجاه مخالف تماماً لتحصيل هذا المقصود، فقال -تعالى-: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا}(الآعراف: 196)؛ فهم يحرفون كلام الله، مقابل الرشا، فقد ورثوا كتاب الله وعلموا ما فيه، ولكن ضيعوا العمل به، ثم هم يزعمون أن الله سيغفر لهم؛ فهذا لا يقال له أمل في الله، ولا حسن ظن بالله، ولكنه من الأماني الكاذبة، التي هي درب من العجز والحمق.
الأمل بذل وعمل
فليس من شأن المؤمن أن يطلب تحقيق ما يرجوه من خير وهو قاعد عما يجب القيام به، أو نائم عما ينبغي الانتباه له؛ فلكل غاية وسيلة، ولكل نتيجة سبب، وقد أرشدنا الله -تعالى- إلى أن ما أفاء به من التمكين، والملك العظيم، والقوة المحكمة، على عبد من عباده الصالحين، وهو ذو القرنين إنما كان بتوفيق الله له في الأخذ بالأسباب؛ حيث يسرها الله له فأخذ بها، فقال -تعالى-: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا}(الكهف:: 85-84).
الإنجاز تخطيط وتوفيق
فإذا كان مرور عشرات السنوات على فقد يعقوب ليوسف -عليهما السلام- لم يعنِ لحظة تسرب اليأس إلى قلبه، أو تمكن الإحباط منه، أو التعلق بالأوهام التي لا يؤيدها الواقع، فإنه قد أثمر في نهاية المطاف لدى يعقوب -عليه السلام- خطة في حركته، حين أرشد أولاده بأنه لكي يعود التئام الشمل لهم، لابد من: (الذهاب) و(التحسس) و(الأمل) قال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87)؛ فقوله: {اذْهَبُوا} يعني أن المراد لن يتحقق بمعجزة، ولكن بكد وتعب، وقوله: {فَتَحَسَّسُوا} يعني أنه لا نتيجة إلا بعمل، ولا عمل منتج بغير دقة؛ فالتحسس هو التلطف في البحث، (أيسر التفاسير، ج2، ص640)، وإذا كان هو شأن الأنبياء وأبناء الأنبياء؛ فماذا يظن من دونهم؟
لاتوجد تعليقات