رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 18 نوفمبر، 2017 0 تعليق

باختصار- مفهوم (التمتين) وحاجة مؤسساتنا الدعوية إليه

التمتين؛ يُعدُّ من المفاهيم الإدارية الحديثة التي باتت تحظى بالاهتمام من خبراء التنمية البشرية؛ نظرًا لما يتميز به من فهم إداري جديد، يُركّز على تمتين نقاط القوة لدى الفرد، ويهمّش أو يتغافل عن تقوية نقاط الضعف، وهو بذلك يخالف الكثير من المفاهيم الإدارية التقليدية التي سادت لفترة طويلة، التي تعتمد التركيز على تقوية نقاط الضعف وإعطائها الأولوية في عملية التطوير الإداري، بدلاً عن التركيز على دعم نقاط القوة وتقويتها، والعمل على تمتينها وتقويتها حتى تضمحل وتتلاشى نقاط الضعف التي لديه.

      والمتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم - يجدها زاخرة بالعديد من المواقف التي سطَّر فيها النبي -صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في تحقيق هذا المفهوم على أرض الواقع، ومن ذلك ما حدث مع أبي ذرٍ -رضي الله عنه- حين قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها». (متفق عليه). قال بعض المحدثين: يعني ضعيف التصريف؛ لأن بعض الأتقياء لا يصلح في الإدارة، وبعض الناس فيه قليل من التقوى لكنه يجيد الولاية، لذلك سئل الإمام أحمد - والسؤال هذا ذكره ابن تيمية في كتاب الجهاد من الفتاوى - أيولى على المسلمين القوي الفاجر، أم التقي الضعيف؟ قال:»بل يولى عليهم القوي الفاجر»، لأن قوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الضعيف التقي فضعفه على المسلمين وتقواه لنفسه.

      وهنا نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم - تغافل عن علاج نقطة الضعف في شخصية أبي ذر -رضي الله عنه- وهي عدم قدرته على القيام بمهام الولاية، وركز على تدعيم الجوانب الإيجابية الأخرى في شخصيته -رضي الله عنه- التي كان أبرزها الصدق والزهد وحب الوحدة والتفرد، ولقد دفع الصدق أبا ذر لأن يكون من أكثر الصحابة مجاهرة بالحق مهما عرَّضه ذلك للأذى؛ فكان من القلائل الذين أعلنوا إسلامهم في قريش، أما الوحدة والتفرد فقد قال عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده». وقد كان ذلك منهج النبي -صلى الله عليه وسلم - في تعامله مع أصحابه؛ حيث ركَّز -صلى الله عليه وسلم - على استثمار مميزات كل صحابي بما يناسبه، فوجّه -صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد للقتال والجهاد ولقبه بسيف الله المسلول، ولم يوجهه أو يكلفه -صلى الله عليه وسلم - لشيء لا يتميز به، وهذا هو الحال مع أبيّ بن كعب حين قال عنه -صلى الله عليه وسلم - «أقرؤكم أبيّ»؛ ولذلك كان بمثابة المرجعية العليا للجنة جمع المصحف في زمن الصديق -رضي الله عن الجميع-، من هنا فإن مراعاة نقاط القوة وتقويتها (تمتينها) في الناس أو المؤسسات تؤدى لتعاظم القوة والإبداع والتقدم، هذا جوهر نظرية (التمتين) ولبها.  ومن تأمل تاريخ الإسلام في بدايته سيجد أن فتح المجال للمتميزين للتميز في مجالهم جلب الخير الكثير للأمة، وفي قصة ابن عباس -رضي الله عنه - نموذج لذلك، فهو فتى صغير يتيم لكن فتح له المجال للعلم والفقه الذي دعا له به النبي -صلى الله عليه وسلم -، فكان الفاروق عمر -رضي الله عنه - يجلسه مع كبار الصحابة، ويشاوره بحضورهم حتى أصبح ابن عباس حبر الأمة. من مقال: (تمتين نقطة القوة يعظم القوة - أسامة شحادة).

      ومن الأمثلة أيضًا: بلال بن رباح -رضي الله عنه- ذلك الذي أصبح موهوبًا بسبب توظيف الموهبة التي تميز بها وهي الصوت الندي، حينما قال النبي -صلى الله عليه وسلم - لصاحب الرؤيا علمها بلالاً.

- أخيرًا: دعوا الأرانب تركض، هذا هو خلاصة مفهوم التمتين، وتحت هذا العنوان تروى قصة رمزية توضح هذا المفهوم، وهي باختصار توجهنا إلى أننا لو بذلنا جهدًا في تعليم الأرانب السباحة، لن يكون له أي أثر بقدر الأثر الذي يتحقق من بذل الجهد نفسه في تقوية جانب الجري وتمتينه عندها، ونخلص مما سبق إلى فوائد عدة أهمها:

- تقوية نقاط الضعف، تسمى: (تقوية)؛ أما تقوية مواطن القوة فتسمى: (تمتين).

- تكمن أعظم فرص نمو الأفراد في مواطن قوتهم لا نقاط ضعفهم.

- عندما نقوي الضعيف ونترك القوي، فإننا نعمل بالمفقود ونهمل الموجود.

- عش على نقاط قوتك وعظمها، دع نقاط ضعفك تذبل وتموت من قلة الاهتمام.

- النجاح يتحقق بتعظيم مواطن القوة لا بإلغاء نقاط الضعف.

- لا تكمن العظمة في امتلاك القوة بل في الاستخدام الصحيح لهذه القوة.

- تقوية نقاط الضعف دومًا تتم على حساب مواطن القوة؛ حيث تصعد المهارات الضعيفة إلى مستوى متوسط، وتهبط الملكات القوية إلى مستوى متوسط أيضًا مما يحولك إلى إنسان عادي، فهل هذا ما تريده؟

- لندع الأرانب تركض فهي تجيد الركض والقفز فلماذا نعلمها السباحة والطيران!

- ليس مقصودًا أن تتجاهل نقاط ضعفك بالكلية بل المقصود أن تلتف حولها وتديرها، كأن تفوضها أو تبحث عن متخصص ليؤديها، باختصار لابد أن نمتن مواطن قوتنا، وندير نقاط ضعفنا.

- وأخيرًا: نجاحنا يكمن في معرفة نقاط القوة لدى الأفراد، والتركيز عليها وتعظيمها وتمتينها، وثقلها بالتدريب والممارسة، وجعل الموهوبين منهم ينطلقون، وأصحاب المزايا يتقدمون، ففي ذلك فلاح لهم وهو في الوقت نفسه فلاح للأمة، لأن الأمة ما هي إلا أفراد، فإذا كانوا متميزين كانت الأمة كلها متميزة، وسادت وتقدمت.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك