المفهوم الإنساني في القرآن الكريم (5) غاية الخلق… العبادة الخالصة لله
- الله خالق كل شيء، وفق الكمال والتنوع الذي يظهر قدرته -سبحانه- وعظمته، فينقاد الإنسان مختارا إلى المهمة الأساسية التي خلق من أجلها وهي العبادة وفق ما يحبه الله ويرضاه.
- قال ابن القيم -رحمه الله- حول هذا التنوع والإبداع في الخلق: «ليرى عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء، فمنها المتشابه الخلقة المتناسب الأعضاء، ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة»، هذا في الحيوان من ناحية الشكل.
- أما أصل الخلقة فقد تنوع أيضا في إيجاد الانسان نفسه، يقول ابن القيم –رحمه الله-: «كما يرى عباده قدرته التامة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدالة على أنه مخلوق بقدرته ومشيئته، تابع لها، فمنه ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني، ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى، وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنه ما خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني، فيرى عباده آياته، ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» (مفتاح دار السعادة) (1 /242) .
- وفي الغاية من الخلق يقول سماحة الشيخ محمد صالح العثيمين –رحمه الله- : «إن الله -سبحانه وتعالى- خلق الجن والإنس لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهي عبادته -تبارك وتعالى- كما قال -سبحانه وتعالى-: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وقال -تعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون:115)، وقال -تعالى-: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (القيامة:36)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن لله -تعالى- حكمة بالغة من خلق الجن والإنس وهي عبادته.
- والعبادة لها مفهوم عام، ومفهوم خاص، فالمفهوم العام هو: «التذلل لله -عز وجل- محبة وتعظيماً، بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه»، قال الله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (البينة:5)، فهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس، وعلى هذا فمن تمرد على ربه واستكبر عن عبادته فإنه يكون نابذاً لهذه الحكمة التي خلق الله العباد من أجلها، وكأنه يقرر بأن الله خلق الخلق عبثاً وسدى، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن هذا هو مقتضى تمرده واستكباره عن طاعة ربه».
- والمفهوم الخاص هو: كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية هي: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف، والخشية، والتوكل والصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك من شرائع الإسلام».
- والعبادة إمّا عبادة كونية، أو عبادة شرعية، يعني أن الإنسان قد يكون متذللاً لله -سبحانه وتعالى- تذللاً كونياً وتذللاً شرعياً. فالعبادة الكونية: تشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، لقوله -تعالى-: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} (مريم:93)، فكل من في السماوات والأرض خاضع لله -سبحانه وتعالى- كوناً، فلا يمكن أبداً أن يضاد الله أو يعارضه فيما أراد -سبحانه وتعالى- بالإرادة الكونية. وأما العبادة الشرعية: فهي التذلل له -سبحانه وتعالى- شرعاً، فهذه خاصة بالمؤمنين بالله -سبحانه وتعالى- القائمين بأمره. (ابن عثيمين).
لاتوجد تعليقات