رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. هاني البرعي 2 مايو، 2017 0 تعليق

من المحبرة إلى المقبرة.. مسيرة عالم من علماء البحرين- الشيخ: خالد بن سالم المنصوري في ذمة الله

 ودعت الأمَّة الإسلامية -قبل أيام- علماً من أعلامها، وفخراً من مفاخرها، ودعت قامة شامخة في العلم والزهد والتقى والسمت، ذلك حينما: انتقل إلى -رحمة الله تعالى- عصر يوم الاثنين ١٣ رجب ١٤٣٨هـ، عالم البحرين وفخرها، شيخها ونجمها، الشيخ الفاضل، والمحدث المسند، والحافظ النحوي: خالد بن سالم المنصوري أثناء إجراء عملية جراحية في قلبه إثر جلطة أصابته، لينتقل العلم والأدب والإسناد إلى مقبرة (الحنينية) بالرفاع بعد صلاة المغرب مباشرة.

اسمه ونسبه

هو الشيخ المسند المحدث الفقيه الحافظ: أبو أسامة خالد بن سالم بن خميس بن خميس بن زايد، المنصوري من قبيلة المناصير، البحريني بلداً، الحنبلي مذهباً، ولد -رحمه الله- بمدينة المحرق، بحي المري، عام: 1966م.

حياته العلمية، ورحلاته

اتجه الشيخ إلى طلب العلوم الشرعية في سن مبكرة، فبدأ يطلبها بجد واجتهاد، بدأ ذلك بتجويد القرآن على يد الشيخ الكبير مقرئ البحرين: محمد سعيد الحسيني، وختمه، وحفظ عليه نظم الجزرية ثم أخذ عليه شيئاً من الحديث والنحو، وكان – آنذاك - يحفظ ألفية بن مالك، ملازماً للمسجد، معتكفاً فيه.

     ثم قرأ الشيخ بعض مبادئ العلوم على يد الشيخ الحسيني، وبدأ رحلته في طلب العلم فرحل إلى مكة عام 1986م؛ حيث التزم الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، وتتلمذ على يديه، وكان الشيخ العثيمين يدنيه، ويحبه، وينيبه مكانه في درس النحو إذا غاب؛ ومما كنا نتحدث به فيما بيننا أن العثيمين هو الذي زوجه، وقد تنقل بين مدن المملكة العربية السعودية ينهل من علمائها، وربما انتقل بين بعض مدنها مشياً على الأقدام.

     كما رحل الشيخ خالد – في طلبه للعلم - إلى كثير من البلدان منها: ليبيا، وتونس، والمغرب، ومصر، وبنغلاديش، وباكستان، والتقى بالعلامة بديع الدين السندي بالسند، وقرأ عليه بعض العلم، ورحل إلى اليمن ثلاث مرات منها رحلة مشياً على الأقدام، وقد حدثنا مرة أنه ذهب إلى الشيخ مقبل -رحمه الله- كان ذلك في عام: 1403هـ، وزار علماء زبيد.

تدريسه

     أما تعليمه -رحمه الله- فقد بدأه بتدريس القرآن الكريم لصغار الطلاب، بمسجد (عبد الله بن جبر الدوسري) بحي القضيبية بالمنامة، بالبحرين، ولما طوف البلاد ورجع إلى البحرين فرغ نفسه للعلم والتعليم حتى شرح فيها الكثير من الكتب، فمنها: في التفسير: سورة البقرة، وجزء عم، وفي العقيدة: كتاب مجمل عقيدة أهل السنة، وكتاب التوحيد، وفي الأصول: الورقات للجويني، وتسهيل الطرقات للعمريطي، وفي الفقه: العمدة لابن قدامة، ومنهج السالكين للسعدي، وفي الحديث: منظومة البيقوني، وأجزاء من صحيح البخاري، وكتاب الحج من صحيح مسلم، والأربعين النووية، وأبواباً من سبل السلام، وغيره، وفي النحو: التحفة السنية، ومتممة الآجرومية، وملحة الإعراب، وقطر الندى، وغير ذلك. بل وغير ذلك من الدورات.

صفاته

     كان الشيخ– رحمه الله – رجلاً فذاً جامعاً بين العلم والعمل، محباً للخير، باذلاً للعلم، محباً لنشره، جم التواضع، لين الجانب، زاهداً، قانعاً، ورعاً، بعيداً عن زخارف الدنيا، وكان متمسكاً بالسنة، مجتهداً في طلب العلم، واجتهاده فيه منقطع النظير، لا يكاد أحد يساميه في ذلك، على أنه كان عفيف اللسان، عصم الله لسانه مما ابتلي به كثير من أقرانه من الخب في أعراض العلماء والدعاة، وكان ذا سمت حسن، ونظافة باهية، تعلوه الهيبة والوقار مع دعابة وفكاهة، إذا تكلم لا يكاد سامعه يمل من حديثه، وكان باذلاً لساعات عمره لطلاب العلم، وماله لأعمال الخير، حتى إنه ليحج معه أناس فقراء على نفقته، وقد كان في بداية أمره في البحرين قليل ذات اليد، فقد كنت أنظر إلى أكمام ثوبه وهي مشقوقة تتجاوز الشبر من جهة مرفقه، مع نظافة وأناقة، ووالله ما كنت أتذكر ذلك الشق في ثوبه إلا يزيدني إعجاباً واعتزازاً بترفع الشيخ عن الدنيا، وعزوفه عنها، بل أتت على الشيخ فترات من الزمن -ولاسيما بعد رجوعه إلى البحرين- اضطر فيها إلى توصيل طلاب المدارس؛ ليكسب فيها عيشه بكل عصامية واعتزاز.

     وأما صفات نفسه فقد كان -رحمه الله- صبوراً لاسيما في مرضه؛ حيث اجتمعت عليه مجموعة من الأمراض: مرض السكري، والفشل الكلوى، والقلب، وثقل السمع، وغيرها، بل والله لقد كان يدرسنا ثم يكاد يغمى عليه من شدة مرض السكري فنسارع إليه بتميرات حتى تهدأ نفسه؛ فيكمل درسه، ومع كثرة أمراضه -ولاسيما وكليتاه تغسلان كل يومين- فما تكاد تراه إلا مبتسماً مازحاً، طيب النفس، ولم يشكُ لأحد، ولم يظهر عليه ذلك أبداً حتى توفي، وكأن المصائب لا تنال منه، حاله كما قال الأول:

إن كان عندك يا زمانُ بقية                     مما يضامُ بها الكرام فهاتها

ورحلاته العلمية، ومشيه في بعضها على الأقدام لدلائل صارخات على شدة صبره، وعظيم جلده.

ومن صفاته النبيلة: قلة كلامه إلا إذا تكلم بدواعي الكتاب والسنة والعلم، كما يقول الشاعر:

فصيحاً إذا ما كان في ذكر ربــه                      وفيما سواه في الورى كان أعجما

     فضلا عن أن الشيخ كان مربياً ومعلماً وناصحاً، ومحباً للخير، بعيداً عن الحرام منذ نعومة أظفاره، يقول الشيخ إبراهيم النصف: كان -رحمه الله- لا يحب الحرام ويبتعد عنه، وكان ملازماً للمسجد، ومن الغريب أنه اشترى مسجلاً وضبطه على إذاعة القرآن الكريم، ثم ربطه بلاصق، فسألته عن ذلك فقال: حتى لا يغير أحدهم تردد إذاعة القرآن الكريم.

وكان من لطيف تواضعه، أنه لا يحب ذكر شيء عنه، ولا يحب أن تسجل دروسه في زمن يسجل لمن هو دونه بمراحل؛ ولما سئل عن محفوظاته أجاب؛ ولما حضر الشيخ السدحان إلى البحرين أوقف الشيخ خالد دروسه؛ ليتسنى للطلاب حضور درس الشيخ السدحان، في صورة من الحث على العلم، والبعد عن أغوار النفس والدعوة إليها.

مشايخه:

تنقل الشيخ من أجل العلم وتحصيله بين كثير من البلدان؛ مما أتاح له الالتقاء بكثير من العلماء والمشايخ والأخذ عنهم، وهم كثير؛ فمنهم: الشيخ الإمام: عبد العزيز بن باز، والشيخ العلامة: ومحمد بن صالح العثيمين، الفقيه الكبير: وعبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، محدث الديار اليمنية: ومقبل بن هادي الوادعي، المسند: وبديع الدين شاه الراشدي السندي، والشيخ: علي بن محمد الهندي الحنبلي، والشيخ العالم الكبير: أبو بكر الجزائري، والشيخ المقرئ: محمد سعيد الحسيني، والشيخ العلامة: عبدالله الجبرين، عبيد الله الرحماني المباركفوري، والشيخ العلامة: الفقيه عبدالله بن عقيل، والشيخ الشهير المحقق: صبحي بن جاسم السامرائي.

عقيدته ومذهبه

كان الشيخ الفقيد سلفي العقيدة، متبعاً مقتدياً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعت عليه الصحابة وأتباعهم، وكان يعنى بالعقيدة، ويوليها اهتمامه، وكان من أوائل الكتب التي درسها في البحرين: كتب مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة.

وأما في الفروع فقد كان حنبلي المذهب، مع عناية فائقة بالحديث، يسير مع الدليل الشرعي ولو خالف مذهبه.

ولذلك كان يدرسنا (منهج السالكين)، و(الأربعين النووية)، مازجاً بذلك بين الدليل والتعليل (طريقة الفقهاء والمحدثين)، وقد كان يرجح - كثيراً - أقوالاً تخالف المذهب الحنبلي بحسب ما يترجح عنده بدليله.

وفاته

     في يوم الاثنين 13 رجب سنة: 1438هـ أراد الله لهذه السيرة العطرة أن تنطوي، ولهذا العلم أن يختم رصيده، وذلك بعد معاناة كبيرة مع الأمراض، التي ختمت بجلطة نقل على إثرها للمشفى، وكانت رسالته الأخيرة لابنته دليلاً كبيراً على رقة مشاعره، وعظيم جلده، ومتانة يقينه، ليدخل بعد ذلك إلى غرفة العميلة، ويسدل الستار عن تفاصيل حياة إنسان، لا تكاد يدي تطاوعني وأنا أختم رواية المقطع الأخير منها.

وحينها نعت إدارة الأوقاف السنية: الشيخ المحدث الزاهد خالد بن سالم المنصوري الذي انتقل إلى -رحمة الله تعالى- بعد حياة حافلة قضاها بين تعلم العلم ونشره وتعليمه وبثه بين الناس.

     كما أرسل ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة – وفقه الله -رسالة يعزي فيها أسرة الشيخ خالد المنصوري -رحمه الله- جاء فيها: السادة الأفاضل عائلة المغفور له -بإذن الله تعالى- فضيلة الشيخ العلامة خالد بن سالم المنصوري المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره نبعث لكم بخالص تعازينا ومواساتنا بوفاة المغفور له بإذن الله -تعالى- فقيدكم يرحمه الله، ضارعين إلى المولى القدير أن يتغمده بواسع رحمته ورضوانه.

     وكانت جنازته مشهودة كبيرة، حضرها القريب والبعيد، والمحب والمخالف، تقاطر الناس فيها من كل حدب. رغم عدم اشتهار موت الشيخ إلا قبل دفنه بأقل من ساعة، وكان ذلك في غير وقت معهود (بعد المغرب)، وقد أخبرني بعض إخواني من طلبته بأن الجنازة كانت مهيبة اختلط فيها البكاء والنشيج بالحزن والأسى؛ ومما يؤلم في هذا الصدد ما قاله الشيخ عبدالعزيز العويد: يا أهل البحرين أمركم غريب لا نعرف عن علمائكم وفضلائكم إلا بعد موتهم.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك