رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.عادل المطيرات 2 مايو، 2017 0 تعليق

من آداب طالب العلم: أدب السؤال

 

 

طلب العلم هو رأس مال الطالب ، وهو من أعظم العبادات التي تقرب إلى الله -سبحانه- ويكفي في فضل العلم وأهله قوله -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(المجادلة: 11)، وقولهصلى الله عليه وسلم  فيما رواه البخاري ومسلم : “«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وينبغي لطالب العلم أن يحرص على الأدب قبل العلم، قال عبد الله بن المبارك: لا ينبل الرجل بنوع من العلم ما لم يزين علمه بالأدب؛ ولذلك ألف أهل العلم كتبا كثيرة في أدب العلم، كابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)، وابن جماعة في كتابه (تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم)، والكتب في هذا الموضوع كثيرة .

 

وموضوعنا الذي نود الحديث حوله هو: أدب السّؤال الذي هو سؤال أهل العلم، والحاجة ماسّة إلى معرفة آداب سؤال أهل العلم، ما طريقة سؤالهم؟ وعمّ يُسألون؟ وكيف يكون السؤال؟  وكيف تتلقى الإجابة؟

ينبغي للسائل وهو يسأل أهل العلم أنْ يراعي آداب السؤال ، التي منها:

 

تبيّن المسألة قبل أن تسأل

     أولا: لابدّ للسائل أن يستحضر تفاصيل المسألة قبل أن يسأل؛ لأن السؤال عن الحكم الشرعي لابد أن يكون واضحا، والعالم الذي يسأل  لابد أن تكون المسألة عنده واضحة، وإلا فكيف يجيب عن شيء ليس بواضح، فإذا كانت المسألة واضحة كان الجواب واضحا، وتأمل في حديث جبريل الذي فيه: «أخبرني عن الإسلام (سؤال ملخص وواضح)، (أخبرني عن الإيمان)، (أخبرني عن الإحسان)؟ وعن أشراط الساعة قال:  «وما أمارتها»؟ فوضوح السؤال وقلة ألفاظه باستحضار تفاصيله،  ووضوح السؤال قبل أن تسأل هذا من الآداب التي ينبغي مراعاتها.

 

لا تسأل عن أمر تعلمه

     ثانيا: لا تسأل عن أمر تعلمه، بل اسأل عن أمر لا تعلمه تريد الجواب الشافي من العالم؛ ولذلك قال -سبحانه-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النحل: 43)، وليس من أدب السؤال أن تسأل العالم عن شيء تعلمه ثم تجادله فيه، وتقول مثلا: قال العالم الفلاني كذا، وهناك دليل كذا؛ لأن هذا المقام مقام سؤال وجواب وليس مقام مناظرة ومجادلة، أما إذا أراد طالب العلم البحث مع العالم فإنه يبين له ذلك أولا؛ فإن أذن له بالبحث وإلا لا يبدأ به.

 

اختر أطايب الكلام

     ثالثا: على السائل أن يختار أطايب الكلام عند حديثه مع العالم، فيقول مثلا: أحسن الله إليك شيخنا، أو عندي سؤال بارك الله فيك، أو نحو ذلك من الكلام؛ وذلك لأن العالم يحمل ميراث النبوة وهو العلم، فاحترام العالم من احترام العلم.

وهذا الكلام الطيب والتواضع للعالم عز للسائل، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة، ويقال: إن الشافعي -رحمه الله- عوتب على تواضعه للعلماء، فقال:

 

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها                        ولن تكرم النفس التي لا تهينها

 

     وأخذ ابن عباس -رضي الله عنهما- مع جلالته ومرتبته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، تذكرة السامع والمتكلم (41) . ونرى بعض الطلبة -هداهم الله- لا يحسن الكلام مع العالم، فقد يتكلم معه بغلظة أو شدة أو سوء أدب أحيانا، أو يرفع يديه في وجهه أثناء السؤال، أو يظهر بشدة على وجهه كراهيته للجواب، وكل هذه الأمور لا يليق أن يفعلها الإنسان مع عامة الناس فكيف يفعلها مع أهل العلم الذين يحملون ميراث النبوة.

 

لا تذكر قول عالم آخر

رابعا: لا يذكر عند السؤال قول عالم آخر؛ فهذا ليس من الأدب مع العالم، بل اسأل السؤال وخذ الجواب دون أن تذكر للعالم مخالفة العالم الآخر.

فبعض طلاب العلم إذا سأل العالم فأجابه قال له: ولكن العالم الفلاني يقول كذا وكذا؛ فهذا ليس من الأدب مع العالم .

والعالم بطبيعة الحال يتضايق إذا ذكر أثناء فتواه رأي عالم آخر خصوصا إذا كان من أقرانه، ومعروف عند العلماء كلام الأقران بعضهم في بعض؛ حيث قال بعضهم: كلام الأقران يطوى ولا يروى؛ ولذلك لا يجوز للسائل أن يكون سببا لوقوع الخلاف والتشاحن بين العلماء.

 

اسأل لنفسك

     خامسا: أن يسأل السائل لنفسه، ولا يسأل لغيره، فبعض السائلين يسأل لغيره قائلا: فلان أوصاني أن أسأل السؤال الفلاني، وهذا خطأ لأن العالم قد يريد الاستفصال في السؤال ، وهذا الناقل للسؤال لا يعرف التفاصيل، وقد يأخذ الجواب ناقصا، إلا أن العلماء استثنوا بعض الأمور مثل ما إذا كان  السائل يستحي من السؤال لوجود القرابة مثلا بينه وبين العالم، كما سأل المقداد] النبي[ نيابة عن علي]، قال علي: فاستحييت أن أسأل رسول الله[ لمكان ابنته مني.

 

لا تسجل إلا بإذن

     سادسا : إن السائل إذا سأل سؤالا للعالم عن طريق الهاتف فلا يجوز تسجيله إلا بإذن العالم، وهذا يفعله مع الأسف بعض الطلبة ، وقد يريد بهذا السؤال الرد على عالم آخر، فيقول للشيخ: ما رأيك بمن يقول كذا وكذا، ويقصد الشيخ الفلاني؛ فيسجل جواب العالم دون علمه، ثم ينشر هذا الشريط مسببا الفتن والمشكلات بين طلاب العلم؛ فعلى طالب العلم السائل أن يتقي الله في سؤاله للعالم، ولا يغش العالم ويضحك عليه بهذه الطريقة؛ فتحصل من ورائها الفتن والمشكلات.

 

أصغ إصغاء المستفيد

     سابعا : إن السائل إذا سمع الشيخ يذكر حكمًا في مسألة، أو فائدة مستغربة، أو يحكي حكاية، أو ينشد شعرًا، وهو يحفظ ذلك أصغ إليه إصغاء مستفيد له في الحال، متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط. قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئًا.  وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه ، ولقد سمعته قبل أن يولد. تذكرة السامع والمتكلم (48) .

 

التزم حدود العلاقة

ثامنا: إن السائلة إذا سألت العالم؛ فينبغي أن تسأله في حدود العلاقة الجائزة بين الرجل والمرأة، فلا تخضع في القول ، ولا تلين في الكلام، ولا تكثر من الكلام والتفاصيل التي لا داعي لها.

وإننا نرى بعض النساء -هداهن الله- تلاطف العالم بالكلام وتلين له في القول؛ مما قد يسبب الفتنة؛ فالعالم رجل وهو بشر، وقد قال -سبحانه-: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}(الأحزاب: 32).

 

اصبر على شيخك

تاسعا: أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وسؤاله، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل؛ فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.

جاء عن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة.

 

اصبر لدائك إن جفوت طبيبه                        واصبر لجهلك إن جفوت معلمًا

 

قال ابن عباس:


إن المعلم والطبيب كليهما              لا ينصحان إذا هما لم يكرما

 

وقال: ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا. تذكرة السامع والمتكلم (42) .

هذه بعض الآداب التي يحسن للسائل التأدب بها عند سؤاله لأهل العلم. أسأل الله -تعالى- أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح إنه سميع مجيب.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك