رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ/ صالح بن فوزان الفوزان 3 أبريل، 2017 0 تعليق

محاضرة ألقيت في كلية الشريعة – الوسطية في الإسلام

(الوسيطة في الإسلام)، مأخوذة من قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، قال المفسرون الوسط هو العدل الخيار، وهذه الأمة -ولله الحمد- عدول وخيار، كما شهد الله لها بذلك؛ لأن هذه الأمة ستشهد على الأمم يوم القيامة، والشاهد يشترط فيه أن يكون عدلاً.

     فهذه الأمة تحملت هذه الشهادة؛ لما منَّ الله عليها به من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم  يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، كما قال تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، فهي تشهد على الأمم يوم القيامة، إذا جاء الله -جل وعلا- بالأمم وأنبيائها يوم القيامة فإنه يسأل الأنبياء هل بلغتم فيقولون: يا ربنا بلغنا ما أرسلتنا به إليهم، ثم يسأل الأمم: هل بلغوكم؟ فيقولون: لا! قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}، فينكرون فيقول الله -جل وعلا- للرسل: مَن يشهد لكم أنكم بلغتم فيقولون يشهد لنا محمد صلى الله عليه وسلم  وأمته، فيسأل الله -جل وعلا- أمة محمد صلى الله عليه وسلم  فيشهدون أن الرسل بلغوا أممهم، وكيف عرفوا ذلك؟ عرفوه مما أنزل الله عليهم في الكتاب من قصص الأنبياء من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، هذا موجود في القرآن ومدون كل ما جرى بين الأنبياء وأممهم، كأنك تشاهد وكأنك حاضر؛ فيشهدون بما علمهم الله، يشهدون عن علم؛ لأن الشهادة إنما تكون عن علم كما قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فيشهدون عن علم أورثهم الله إياه في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

فهذه الأمة وسط وستشهد على الأمم، الرسول صلى الله عليه وسلم  يشهد لهذه الأمم ويزكيها كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}.

الأمة بين طرفين

     والوسط ما كان بين طرفين، فهذه الأمة بين طرفين من الأمم طرف الغلو الذي في النصارى، وطرف التساهل الذي كان باليهود؛ فهذه الأمة وسط غلو النصارى وتساهل اليهود وانفلاتهم، وهكذا يكون كل فرد من أفراد هذه الأمة، كما أن الأمة بمجموعها وسط معتدلة بين الإفراط والتفريط؛ فكل فرد من هذه الأمة كذلك -ولله الحمد- هو وسط بين الغلو وبين التساهل وبين الإفراط والتفريط في دينه؛ فلا يغلو غلو المتطرفين والخوارج، ولا يتساهل تساهل المرجئة والمنحلين والمضيعين.

بين الغلو والتساهل

     ويجب علينا إذا أنكرنا التطرف والغلو يجب علينا أن ننكر أيضا التساهل والتفريط، أما أن نركز على جانب ونهمل الجانب الآخر وقد يكون أخطر فهذا لا ينبغي، فالآن أنا أرى أنا الإنكار كله على الغلو والتطرف وهذا صحيح، نعم ننكر التطرف والغلو، لكن يجب ألا ننسى التساهل والانحلال والإلحاد، يجب أن نركز على الجانبين وأن نحذر من هذا وهذا، وذاك ما تتضمنه مقرراتنا الدراسية -ولله الحمد- فهي تحذر من الإفراط وتحذر من التفريط، وتأمر بالاعتدال عملا بقوله -سبحانه وتعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}.

صراط الله واحد

     فصراط الله واحد، وطريقه واحد، وأما ما عداه من المذاهب والنحل فهي متعددة وكثيرة ولا تحصى، وهي تكون في إفراط أو في تفريط، فالإفراط يكون في الغلو، والتفريط يكون في التساهل، وهذه السبل التي حذرنا الله منها هي من الجانبين سبل الغلو والتطرف والزيادة، وسبل التساهل والضياع، والله -جل وعلا- قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا}.

استقيموا ولن تحصوا

     والنبي صلى الله عليه وسلم  قال: «استقيموا ولن تحصوا» أي تحصوا كل ما أمر الله به، بل يحصل تقصير فتجبره بالاستغفار، وقال «سددوا وقاربوا» سددوا التسديد معناه إصابة الحق، والمقاربة أن تكون مقارباً للتسديد، فإذا كان الخطأ يسيرًا، فهذه مقاربة تجبر بالاستغفار والتوبة إلى الله عزوجل.

دين السماحة

     وديننا دين السماحة ورفع الحرج {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}؛ فالله -جل وعلا- جعل هذا الدين سمحًا ولم يجعل فيه حرجًا، ولم يكلفنا ما لا نطيق؛ ولذلك فإن من يخرج عن هذه الجادة جادة الوسط فإنه يقع في أحد الجانبين إما الإفراط وإما التفريط، وكلاهما مذموم، ولا يسلم إلا من كان على طريق الوسط الذي أمر الله به، كما في أخر سورة الفاتحة أمرنا الله أن نقرأها في كل ركعة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي المعتدل الوسط: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}, وهم الذين ذكرهم الله في قوله: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقا}، أمرنا الله أن نكون معهم وأن نسير في ركابهم، وإذا كنت معهم فلن تستوحش أبدا وحسن أولئك رفيقا.

دعاوى الحث على التسامح

     ونحن نسمع الآن كثيرًا عبارة التسامح، والحث على التسامح، والترغيب في التسامح، وهذا الكلام فيه إجمال؛ لأن التسامح إن كان يعني أنك تتسامح في حقوقك بأن تعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك فهو التسامح المحمود والمطلوب، أما أن تتسامح في شيء من حقوق الله فهذا لا يجوز.

والنبي صلى الله عليه وسلم  كان يؤذى في حقه صلى الله عليه وسلم  وكان يعفو ويسمح، لكن إذا انتهكت حرمات الله فإنه يغضب لله عزوجل، ولا يتسامح في شيء من ذلك؛ لأن التسامح لا يكون في حقوق الله -جل وعلا- وإنما يكون في حق المخلوق.

     فلا يتنازل المسلم عن شيء من حقوق الله جل وعلا؛ ولذلك شرع الله الجهاد في سبيله، وشرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشرع الحدود على الجرائم، ولم يأمر بالتسامح فيها والنبي صلى الله عليه وسلم  قال «إنما أهلك من كان من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» ثم قال صلى الله عليه وسلم : «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقة لقطعت يدها»، فلا تسامح في حدود الله.

الدين سمح في تشريعاته

     الدين سمح في تشريعاته؛ لأن الله -جل وعلا- شرع لنا أحسن الشرائع وأكملها، ولم يجعل فيها حرجًا علينا، وشرع لنا الرخص عند الحاجة؛ فشرع لنا الإفطار في رمضان في السفر، وشرع لنا الإفطار في رمضان للمرض الذي يستدعي الإفطار بشرط أن نقضيه من أيام أخر، وشرع لنا قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، هذه هي السهولة والرخص الشرعية، أما الرخص التي يريدها كثير من الجهال أو المغرضين اليوم فمعناها أنك تترك أوامر الله ونواهيه وتأخذ هواك وتتبع شهواتك، أو تجاري الناس لئلا تغضب الناس؛ فهذا يجب التنبه له.

الشيطان وابن آدم

     الشيطان -لعنه الله- ينظر في ابن آدم فإن رأى فيه حبًا للخير ورغبةً فيه حمله على التشدد والزيادة ليخرجه عن الطريق السوي وعن الوسطية، وإن رأى منه محبة للشهوات، والكسل زاده من الشهوات والكسل ومن الضياع من تضييع الواجبات حتى يخرجه إلى جانب السلبية؛ فهو حريص على أن يخرج المؤمنين من الطريقين: طريق الزيادة والتشدد، وطريق التساهل والتسيب إلا من رحم الله واعتصم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  وبما عليه سلف هذه الأمة؛ فإن هذا هو الذي يُعجز الشيطان ويدحره، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء من أهل الوسط في دين الله عزوجل.

مبدأ الوسطية

     من هنا فإن مبدأ الوسطية أمر مهم وجانب عظيم، ويجب أن يلقن الطلاب منذ الصغر هذا المبدأ مبدأ الوسطية في دينهم، والحمد لله المقررات والكتب التي ندرسها كلها تحمل هذا المنهج منهج الوسطية، لكن الشأن فيمن يفهمها ومن يوصلها إلى أذهان الطلاب، ويبينها لهم ويحثهم عليها، هذا هو الشأن وإلا وجود الكتب من دون أن تقرأ ومن دون أن تشرح وتبين لا يجدي شيئا، وهذا هو شأنكم في هذه الكلية المباركة أن تعلموا الطلاب الطريق الوسط؛ لأننا الآن في أشد الحاجة إليه لكثرة الأصوات المنادية للإخراج منه إما إلى الغلو والتطرف وسفك الدماء والتخريب، وإما إلى التساهل والضياع وتعطيل الحدود وتعطيل الشريعة وتنحية الشريعة عن الحكم، والحث على العري والسفور وإخراج المرأة عن مسارها الصحيح إلى مسارات أهل الضلال وأهل الضياع

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك