رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: جهاد العايش 9 مارس، 2017 0 تعليق

الأربعون الفلسطينية (الْحَديثُ الْخَامسُ وَالثَّلاثُون) – (يأجوج ومأجوج) يَشْرَبُونَ مِيَاهَ بِحَيْرَةِ طَبَرِيَّة فِي فِلَسْطِين

كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الخامس والثلاثون:

     عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال:  «...و يَبعثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ، وهُم من كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلونَ، فَيمُرُّ أَوائِلُهُمْ على بُحيرَةِ طَبريَّةَ، فَيشربونَ ما فيها (وفي رواية: فَيَنشِفونَ الماء)، ويمُرُّ آخِرُهُم فَيقُولونَ: لقد كانَ بهذِهِ مَرَّةً ماء، ثُمَّ يَسيرونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلى جَبَلِ الخَمَرِ، وهُو جَبَلُ بَيتِ المقدِسِ فَيقولونَ: لقد قَتلنا مَنْ في الأَرضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ في السَّماءِ، فَيرمُونَ بِنُشَّابِهِم إلى السَّماءِ، فَيَرُدُّ اللهُ عَلْيهِم نُشَّابَهُم مَخضُوبَةً دَمًا، (وفي رواية: فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مُحْمَرًّا دَمًا).

شرح الحديث

     هذا حديث طويل اقتصرنا على جزء منه للدلالة على ما يخدم مضمون متن الكتاب، وقد أجاز علماؤنا ذلك كما ذكر صاحب (التوضيح): «اختصار الحديث والاقتصار على بعضه، الصحيح جوازه، إذا كان ما فصله غير مرتبط الدلالة بالباقي؛ بحيث لا تختلف الدلالة، مفصلة كالحديثين المستقلين، ومنعه إن لم يكن كذلك. وأما تقطيع المصنف الحديث وتفريقه في أبواب فهو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد، وقد فعله مالك والبخاري وغير واحد من أئمة الحديث».

     قال ابن الحاجب في مختصره مسألة حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. حديثنا هذا يخبر عن فتنة أخرى من فتن آخر الزمان، قوم كثيرون في عددهم، يعيشون في ناحية من نواحي الأرض لكننا لا نراهم ولا نعرف مكانهم، لكنهم سيعيثون في الأرض الفساد، يهلكون الحرث والنسل عند خروجهم وانكشافهم على الناس.

     قوله: ويَبعثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ: أمتان من بني آدم،هما أكثر الأمم، وقيل: إن يأجوج رجل، ومأجوج كذلك، ابنا يافث بن نوح، كما ذكره عياض مشتقان من تأجج النار، وهي حرارتهما، سموا بذلك؛ لكثرتهم وشدتهم، قيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقان.وسيكون خروج يأجوج ومأجوج بعد خروج عيسى عليه السلام، ومجيئهم ثابت قطعي يجب الإيمان به، ويكون بعثهم بعد مقتل الدجال، وفتنتهم شبيهة إلى حد ما بفتنة الدجال؛ فكلاهما ادعى القدرة على ما لا يمكن إلا لله تعالى.

     قوله: وهُم من كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلونَ: الحدب: ما ارتفع من الأرض، وينسلون يمشون مسرعين. يقال: نسل ينسل نسلا وهو الإسراع في المشي. أي من كل مرتفع من الأرض يسرعون. وهو في قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} {الأنبياء: 96}.

قوله: فَيمُرُّ أَوائِلُهُمْ على بُحيرَةِ طَبريَّةَ: ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء.

بحيرة طبرية

تعد بحيرة طبرية مصدرًا طبيعيا مهما لفلسطين، فهي خزان طبيعي للمياه المتجمّعة في حوض البحيرة، ممتد على مساحة تربو على 165 كم2. والبحيرة مصدر مهم للثروة السمكية، وبيئة جاذبة للسياحة الداخلية والخارجية، وحدٌّ طبيعي بين سورية وفلسطين.

     وفي ربيع عام 1964م انتهى (الكيان الصهيوني) من تنفيذ مشروع نهر الأردن- النقب (المشروع المركزي) الذي تضخ المياه بموجبه من بحيرة طبرية في قنوات وأنابيب عبر الجليل والسهل الساحلي، إلى النقب. وبذلك أصبحت بحيرة طبرية منذ ذلك الوقت خزانًا طبيعيًا لتجمع المياه وتنظيم رفعها إلى خزان اصطناعي آخر، وتشتهر البحيرة منذ الأزمنة القديمة بكثرة أسماكها وتنوعها، وجاء في الأثر -كما نقل الطبري في تفسيره-: «وَبَلَغَنِي أَنَّ التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ».

مدينة طبرية

     أما مدينة طَـبَرِيّةُ القائمة على شاطئها الغربي: تقع في الشمال الشرقي من فلسطين، وتبعد مدينة طبرية مسافة 160 كم عن مدينة بيت المقدس؛ فقد بنيت المدينة في عهد (هيرودس أنتيباس) عام 22م، على موقع (رقّة) الكنعانية التي لم يتبق منها سوى مدافنها»، وقد سُمِّيت البحيرة بهذا الاسم بعد بناء مدينة طبرية على ساحلها الغربي. المدينة نسبة إلى اسم الإمبراطور الروماني (تايبريوس).

     وجاء في الموسوعة الفلسطينية أيضًا: أنها أسماء أعجمية، و(طبر) في العربية بمعنى قفز واختبأ، وفتحت طبرية على يد الصحابي الجليل شرحبيل ابن حسنة في سنة 13هــ صلحًا على أنصاف منازلهم وكنائسهم، وقيل: إنه حاصرها أيامًا ثم صالح أهلها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم إلا ما جلوا عنه وخلوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعًا، ثم نقضوا الصلح في خلافة عمر -رضي الله عنه - واجتمع إليهم قوم من شواذ الروم فسيَّر أبو عبيدة إليهم عمرو بن العاص في أربعة ألاف وفتحها على مثل صلح شرحبيل، وفتح جميع مدن الأردن على مثل هذا الصلح بغير قتال، وهي بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية وهي في طرف جبل، وجبل الطور مطل عليها، وهي من أعمال الأردن في طرف الغور، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وكذلك بينها وبين بيت المقدس. قال أبو القاسم: كان أول من بناها ملك من ملوك الروم يقال له: طبارا، وسميت باسمه، وفيها عيون ملحة حارة وقد بنيت عليها حمامات؛ فهي لا تحتاج إلى الوقود، تجري ليلًا ونهارًا حارة.

والنسبة إليها (طبراني) على غير قياس؛ فكأنه لما كثرت النسبة بالطبري إلى طبرستان أرادوا التفرقة بين النسبتين فقالوا: طبراني إلى طبرية.

     وبعد أن أحرق (تيطُس) الروماني القدس عام 70م، ومنع اليهود من سكناها سمح لهم بالإقامة في طبرية، فاستقرّ فيها أحبارهم، وأصبحت مركزًا دينيًا، زاد من أهمية مدينة طبرية أنها كانت تقع على طريق القوافل التجارية بين دمشق ومصر. وكان لطبرية شأن كبير في التاريخ العربي لوقوعها على تلك الطريق، فالدراهم الطبرانية العتيقة التي ضربت في المدينة كانت العملة النقدية التى تعامل بها عرب الجاهلية في تجارتهم مع الرومان، وفي السنة الخامسة عشرة للهجرة، وبعد أن فتح المسلمون طبرية، ضرب خالد بن الوليد الدراهم الإسلامية لتحل محل الدراهم الطبرانية، وأرسل الخليفة عثمان بن عفان إلى طبرية في عام 30 للهجرة مصحفًا منقولًا عن مصحف عثمان لكي يقرأ المسلمون فيه القرآن الكريم.

    وفي عام 1187م استرجع صلاح الدين الأيوبي طبرية من الصليبيين، قبل أن يهزمهم في معركة حطين التي جرت في العام نفسه، لكن الصالح إسماعيل الأيوبي، صاحب دمشق، سلّم طبرية إلى الصليبيين عام 1240م مع بيت المقدس وعسقلان. وفي عام 1247م استطاع الصالح أيوب صاحب مصر، وبقيادة الأمير فخر الدين بن الشيخ، استرداد طبرية وقلعتها من الصليبيين، وقد تمكن العثمانيون من بسط نفوذهم على طبرية في عام 1517م مع غيرها من بلاد الشام، وفي عام 1562م سمح السلطان سليمان القانوني لليهود بالإقامة في طبرية، ودراسة تعاليمهم الدينية.

     وفي أوائل القرن الثامن عشر نزلتها قبيلة الزيادنة، واستثمر أفرادها جزءًا من أراضيها في الزراعة.اندثرت أهمية طبرية مرة أخرى في القرن الثامن عشر، واستولى نابليون عليها عام 1799م. وقد هاجر معظم السكان العرب من هذه المنطقة المعمورة نتيجة لاستيلاء الصهاينة عليها. أما الجانب الشرقي للبحيرة فأصبح بعد عام 1984م منطقة منزوعة السلاح بين سورية ودولة الكيان الصهيوني.

     قوله: فَيشربونَ ما فيها، ويمُرُّ آخِرُهُم فَيقُولونَ: لقد كانَ بهذِهِ مَرَّةً ماءٌ ثُمَّ يَسيرونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلى جَبَلِ الخَمَرِ،وهُو جَبَلُ بَيتِ المقدِسِ: جبل الخمَر: بخاء معجمة وميم مفتوحتين، والخمر، الشجر الملتف الذي يستر من فيه،وقد فسره في الحديث بأنه جبل بيت المقدس، والشجر المُلْتَف سُمِّى به جبل بيت المقدس لكثرة شجره.

     قوله: فَيقولونَ: لقد قَتلنا مَنْ في الأَرضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ في السَّماءِ، فَيرمُونَ بِنُشَّابِهِم إلى السَّماءِ، فَيَرُدُّ اللهُ عَلْيهِم نُشَّابَهُم مَخضُوبَةً دَماً: النشاب: جمع النشابة وهي السهام، أي ترجع إليهم سهامهم بعد أن قذفوها باتجاه السماء وقد تلطخت بالدماء، وفي ذلك مزيد فتنة للناس أنهم في ظنهم أصابوا من في السماء بسهامهم، نعوذ بالله من فتنتهم.

من فوائد الحديث

-  تعاظم فتن وأشراط الساعة آخر الزمان وتتابعها في فلسطين.

- هذا الحديث من دلائل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم -.

- فيه دلالة واضحة أن بحيرة طبرية ستبقى إلى آخر الزمان ولن يقوى اليهود على تجفيف مياهها، كما فعلوا ذلك في بحيرة الحولة.

- في الحديث دلالة على كفر قوم يأجوج ومأجوج وظلمِهم.

- قول يأجوج ومأجوج «لقد قتلنا من في الأرض» فيه أنهم جابوا الأرض وجاسوا فيها كل موضع فأثخنوا في الناس قتلًا، وفي زمنهم تكون فتنتهم من أخطر أشراط الساعة الكبرى، والله أعلم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك