الأربعون الفلسطينية (الْحَديثُ الرَّابعُ وَالثَّلاثُون) الدَّجَالُ لا يَدْخَل الْمَسْجِدَ الأقْصَى
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم - التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الرابع والثلاثون:
عن جُنادَةَ بن أبي أُميّة، عـن رجـل مـن أصـحـاب النـبـي -صلى الله عليه وسلم - قال: سـمعت رسـول اللـه -صلى الله عليه وسلم - يقــول: «أَنـذرتُـكـُم فـِتـنـةَ الدجــال, فَليسَ مـن نبيِّ إلا أَنـذَرهُ قَــومَـهُ أو أُمتهُ، وإنَّهُ آدمُ، جَعدٌ أعورُ عَينِه اليسرى، وإنه يُمطرُ ولا يُنبتُ الشجَرَة، وإنه يُسلَّطُ على نَفْسٍ فَيقُتُلها، ثم يُحييها، ولا يُسلَّطَ على غيرها، وإنه معه جنة ونار، وماء ونهر،وجبلُ خُبْزٍ، وإن جنَّته نارٌ، وناره جنة, وإنه يلبث فيكم أربعين صباحاً يَرِدُ فيها كل مَنهلٍ؛ إلاّ أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، (وفي رواية: وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْبٍ مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلْتَةً) والطور, ومسجد الأقصى، وإن شَكَلَ عليكم أو شُبِّه، فإنَّ الله ليس بِأَعورَ».
شرح الحديث
هذا الحديث هو من جملة الأحاديث التي حذر النبي -صلى الله عليه وسلم - فيها من الدجال الذي سيخرج في أمته وفيه بيّن أوصافه، غير أن هذا الحديث بين المواضع الشريفة التي يحرم على الدجال دخولها.
قوله: أَنـذرتُـكـُم فـِتـنـةَ الدجــال: بتشديد الجيم بوزن فعال من أبنية المبالغة الكثير الكذب وهو من الدجل وهو الخلط والتلبيس والتمويه.
أمر الدجال آخر الزمان خبر يقيني جاء بأحاديث صحيحة صريحة غير أن خبره لم يذكر صراحة في كتاب الله -عزوجل- سوى إشارة في قوله -تعالى-: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} (158) الأنعام
قوله: فَليسَ مـن نبيِّ إلا أَنـذَرهُ قَــومَـهُ أو أُمتهُ: وهو مبالغة في التحذير, وأن الأنبياء قبله حذروا أقوامهم من الدجال وقتنته.
قوله: وإنَّهُ آدمُ: الأسمر.
قوله: جَعدٌ: قال الهروي الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا ويكون ذمًا فإذا كان ذمًا فله معنيان: أحدهما: القصير المتردد، والآخر البخيل يقال رجل اليدين وجعد الأصابع أي بخيل، وإذا كان مدحًا فله أيضًا معنيان: أحدهما: أن يكون معناه شديد الخلق، والآخر يكون شعره جعدًا غير سبط، فيكون مدحًا لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم وقال الجعد في صفة الدجال ذم وفي صفة عيسى -عليه السلام- مدح.
قوله: أعورُ عَينِه اليسرى: وفي رواية (كأنها عنبة طافية) أي: بارزة، وهي التي خرجت عن نظائرها في العنقود، ومن همزها جعلها فاعلة من طفئت كما يُطفأ السراج: أي: ذهب نورها. وقد ورد فيه كلمات متنافرة، ورد: أنه أعور، وفي رواية: أنها طافية، وفي أخرى: أنه جاحظ العين كأنها كوكب، وفي أخرى: أنها ليست بباقية، وفي أخرى: أنه أعور العين اليمنى، وفي حديث حذيفة: أَنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر فيها أن إِحدى عينيه ذاهبة، والأخرى معيبة، فيصح أن يقال: لكل واحدة عوراء؛ إِذ الأصل في العور العيب.
قوله: وإنه يُمطرُ ولا يُنبتُ الشجَرَة: عدم مقدرته على إنبات الشجر، مع ما زعمه من إمطار فيما يراه الناس أنه مطر.
قوله: وإنه يُسلَّطُ على نَفْسٍ فَيقُتُلها، ثم يُحييها، ولا يُسلَّطَ على غيرها: ولا يعود لها بعد ذلك مرة أخرى، ولا يصنع ذلك بنفس غيرها.
قوله: وإنه معه جنة ونار، وماء ونهر وجبلُ خُبْزٍ، وإن جنَّته نارٌ، وناره جنة: أي مثال الجنة والنار فيما يرى ويظن الناس ويبدو ذلك للرائي من غير أهل الإيمان, وكل ما سبق من خوارق في نظر الناس ما هي إلا نظير أفعال سحرة فرعون.
قوله: وإنه يلبث فيكم أربعين صباحًا: يلبث: من لبث: أي مكث، أي مدة مكثه في الأرض أربعون يومًا يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كسائر الأيام.
قوله: يَرِدُ فيها كل مَنهلٍ: وفي رواية: «وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه» أي: ظهر عليه أو ورد عليه وحضره.
والمنهل: المورد، وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي، وتُسمَّى المنازل التي في المفاوز على طرق الأسفار مناهل ؛ لأن فيها ماء ينهل منها.
قوله: إلاّ أربعة مساجد: مسجد الحرام: هي أربعة مساجد جاء ذكرها على التحديد دون سواها من مساجد الدنيا، وهي فضيلة أخرى من فضائل هذه المساجد وأنها مصانة من دنس الدجال وأعوانه من يهود وسائر الكفار آخر الزمان.وقد سبق التعريف بالمسجد الحرام مكانا ومكانة.
والمسجد الحرام بدليل قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى..} ( الإسراء: 1).
حرم مكة وحدّها
وكما مرّ معنا في مواطن كثيرة من هذا الكتاب حرمة مكة وأن إبراهيم -عليه السلام- قد حرمها كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم إن إبراهيم حَرَّمَ مكة، فجعلها حرمًا، وإني حرمت المدينة، حرامًا ما بين مأزميها ألا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين...» الحديث.
وإن مكة صارت حرامًا شرعًا وقدرًا بتحريم الله لها، وإبراهيم -عليه السلام- لا يحرم ولا يحلل إلا بإذن الله وتوجيهه؛ فإبراهيم حرمها لتحريم الله لها، والنبي -صلى الله عليه وسلم - حرم المدينة بأمر الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3-4). أما حدها فهي من طريق المدينة، على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة، تسعة أميال، ومن طريق عرفة، سبعة أميال، ومن طريق جدة، عشرة أميال.
قوله: ومسجد المدينة: وفي رواية: «ولا يأتي مكة والمدينة من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتةً»، وهو المسجد النبوي المعروف ممنوع على الدجال دخوله.
قوله: والطور: وهو جبل ممتد ما بين مصر وأيلة، سُمِّي بطور إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهو طور سيناء، وطور سينين، وهو الذي نودي منه موسى -عليه السلام- قال تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ} (التين: 2). قال صاحب التغليق: (الطور): الجبل، وسينين: المبارك، ومسجد الطور لا تشد الرحال إليه، وهناك مواضع من فلسطين متعددة باسم (الطور) وهي ليست التي جاء ذكرها في القرآن والسنة، أهمها:
في الناصرة: وهو جبل صغير المساحة (6كم2)، منعزل، يبعد 8 كم إلى الشرق من الناصرة.
في القدس: جبل الطور أو جبل المشارف (نحو 3000 قدم فوق سطح البحر) دُعِيَ بذلك؛ لأنه يشرف على القدس. يقع في شمالي بيت المقدس بانحراف قليل إلى الشرق، ويقال له أيضًا (جبل المشهد) و (جبل الصوانة)، كثير من الفاتحين كانوا يقيمون معسكراتهم عليه، ويمتِّعون أنظارهم بمشاهدة المدينة المقدسة؛ فالناظر إليها من هذا الجبل يرى لها منظرًا جميلًا جدًا كما يشاهد الغور والبحر الميت وبلاد الكرك وغيرها، ويطلق الغربيون عليه اسم (جبل سكوبس).
وقد أقام اليهود عليه جامعتهم العبرية، على أرض اشتروها من (جون غراي) الإنكليزي وبوشر التدريس فيها عام 1925م.
جبل الزيتون: ويدعى أيضا جبل الطور، يقع للشرق من القدس وللجنوب من المشارف 826 مترًا: 2710 أقدام عن سطح البحر، يكشف المدينة المقدسة قديمها وحديثها، اسمه مأخوذ من شجر الزيتون الذي كان موجوداً فيه بكثرة، ذكره المؤرخون العرب باسم (طور زيتا). والطور الجبل، ويفصل جبل الطور عن القدس (وادي ستنا مريم) المعروف أيضًا بــ (وادي جهنم) و(وادي النار) ووادي سلوان، ويذكره الغربيون باسم (وادي قِدْرون)، وعلى هذا الجبل تقوم القرية التي تحمل اسمه: الطور.
قوله: ومسجد الأقصى: سبق التعريف به مكانًا ومكانة .
قوله: وإن شَكَلَ عليكم أو شُبِّه، فإنَّ الله ليس بِأَعورَ: شَكَلَ: أشكل الأمر و التبس أي إن التبس عليكم أمره فاعلموا أن الله -تعالى جل في علاه وسبحانه- من النقص والشبه ليس بأعور, وأن من ترونه هو الدجال بعينه فاجتنبوه.
من فوائد الحديث
1- ألا ينخدع الإنسان بظواهر الأمور؛ فالدجال جُلُّ ما عنده هي أمور ظاهرة لا حقيقة لها، ومع هذا ينخدع بها من لا إيمان له.
2- أن من سنة أهل الباطل تزيين باطلهم؛ لِيحاولوا إخفاء الحقيقة الناصعة ويدلِّسُوها.
3- ومن غريب غفلة أتباع الدجال وانخداعهم بقدراته وتسليمهم لها أنهم نسوا أن الدجال عجز رغم ما يملك من قدرة خارقة أن يشفي ما بعينه العوراء الطافية!
4- على المؤمن أن ينأى بنفسه عن الفتن مهما بلغ من علم وإيمان؛ فقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم - أمته من التصدر للفتن واستشرافها فقال -صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَسْتَشْرِفُ مَن اسْتَشْرَفَ لَهَا»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» من سمع بالدجال وأمثاله ممن خرجوا قبل زمانه أن يتجنبوهم وما دعوا إليه.
5- قصة الدجال فيها دلالة واضحة على أهمية العلم، ولاسيما علم الحديث وما أخبر عنه المصطفى آخر الزمان كالدجال وصفاته وأتباعه ليحذره المؤمن.
6- الإيمان بصيرة، فكلمة (كافر) على جبين الدجال لا يقرؤها إلا أهل الإيمان وإن جهلوا الكتابة والقراءة.
7- ومن عظيم فتنته أنه يجول ويصول الأرض كلها بسرعة خارقة تفوق عقل البشر وما توصلوا إليه من مراكب سريعة.
8- إن الأوصاف التفصيلية التي وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم - للدجال؛ هي من باب إقامة الحجة الكافية والتعريف الوافي به، لمزيد تحذير منه وللتأكيد على خطره.
9- مشروعية التحذير من الدجال وأمثاله وجواز ذكر أوصافهم حتى لا يلتبس أمرهم على الناس.
10- امتاز حديث الباب عن سائر الأحاديث الأخرى التي ذَكرت الدجال بذكر مسجدي الطور والأقصى.
11-جاء هذا الحديث بذكر فضيلة جديدة امتاز بها دون غيره من الأحاديث التي أوضحت فضل مسجد الطور، وأنه سيكون معلوم المكان آخر الزمان.
12- خروج الدجال في أمة محمد فيه دلالة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم -، وأنه يخبر عن أمر غيبي آخر الزمان.
لاتوجد تعليقات