رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة: د. أحمد عبدالحميد 8 أغسطس، 2016 0 تعليق

الحرب على الوهابية.. عداء تاريخي أم حرب على السلفية؟(1)

المعركة ضد الوهابية هي في الحقيقة حرب على السلفية تلك المدرسة النقية التي فهمت الإسلام بفهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم

لم تتوقف الحرب ضد الدعوة بالتشنيع والتدليس والاتهام بالباطل والرمي بتكفير المسلمين واستباحة أعراضهم وأموالهم فقط بل امتدت إلى الحرب العسكرية في عصر الدولة العثمانية

 

من وسط الظلام يولد النور، تكاد هذه الكلمة تنطبق تمامًا على دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله تعالى- التي انطلقت في أرض الجزيرة العربية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري الموافق القرن الثامن عشر الميلادي؛ ففي ظلمة حالكة طوقت واقع الأمة الإسلامية ظهرت هذه الدعوة التجديدية التي أرادت إعادة الأمة لطريق هدايتها وعزتها، واستلهمت حالة المسلمين الأولى في قرون الخيرية، وما كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم  وتابعهم من صحة المعتقد وسنية العمل.

     وهذه الدعوة المباركة هي طريقة الرشد التي أهلت من سار عليها لريادة أنارت الدنيا شرقاً وغرباً بنور الوحي، وبقدر حالة الانحراف الموجودة حينئذ وتعدد مستوياتها كانت هذه الحرب الشعواء على الشيخ -رحمه والله- وأتباعه حتى يومنا هذا؛ حيث اجتمع على حربه طيف واسع جداً من خصوم العقيدة والسياسة، يتنوعون بين الجهل الشديد بالإسلام والحقد الأسود عليه.

حالة من التضعضع

     ومن أبلغ من وصف هذه الحالة المستشرق الأمريكي (لوثروب ستودارد) في كتابه حاضر العالم الإسلامي الذي ترجمه عجاج نويهض، وعلق عليه شكيب أرسلان فقد قال: «في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، انتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم، وانقلبت الحكومات إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال..».

حرب على الوهابية أم على الإسلام؟

     والمعركة ضد الوهابية هي في الحقيقة حرب على السلفية، تلك المدرسة النقية التي فهمت الإسلام بفهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وهي في جوهرها بل ومظهرها حرب على الإسلام ذاته، وإنما التنويع في وسائل المعركة ومصطلحاتها يساهم في التمويه على أهدافها الحقيقية وإخفائها، بداية من صك المصطلحات المنفرة وانتهاء بالمواجهات المباشرة التي لا تخفي أغراض أصحابها.

مصطلح الوهابية

     ومنذ ظهور دعوة الإمام ابن عبدالوهاب، اصطلح خصومه على إطلاق لفظ الوهابية على دعوته استدعاء للنفور من هذا اللقب الذي أطلق على إحدى الحركات الإباضية الإجرامية في القرن الثاني الهجري، ومحاولة للابتعاد عن وصفها بالسلفية ليكتمل التدليس عليها بالإيحاء إلى كونها حركة خارجية أو طائفة مذهبية أو فرقة خارجة عن جادة أهل السنة، وظل استخدام هذا المصطلح الإزدرائي حتى يومنا هذا من كل المناوئين للسلفية، مع إلصاق بعض الأوصاف به لتعميق الكراهية تجاهه كربطه ببعض الجماعات المنحرفة كداعش أو وصفه بالإرهاب أو استدعائه في الخصومات السياسية مع بعض الدول أو الأحزاب، أو ربطه بالنفط في إشارة إلى دول الخليج خصوصاً السعودية، وإطلاق مصطلحات من نوعية (الإسلام النفطي – الوهابية البترودولارية).

أطياف شتى وخندق واحد

     قامت الدعوة على العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ومحاربة البدع العقدية والعملية ولاسيما مظاهر الشرك في الأولياء والقبور والحكم والولاء والبراء، وأسماء الله وصفاته والتعصب المذهبي؛ مما فتح عليها أبواباً لا حصر لها من الخصومات بدءاً من الأشاعرة والمعتزلة والرافضة مروراً بالمتصوفة القبوريين ومتعصبة المذاهب وانتهاء بالدولة العثمانية الغارقة في أنواع الانحرافات السلوكية والعقدية؛ مما جعل الجميع يتخندق في خندق واحد، ويرمونها عن قوس واحدة، ولم تتوقف صور الحرب على التشنيع والتدليس والاتهام بالباطل والرمي بتكفير المسلمين واستباحة أعراضهم وأموالهم، بل امتدت إلى الحرب العسكرية من قبل الدولة العثمانية ممثلة في الجيوش المتتالية لمحمد علي حاكم مصر الذي انتدبته الدولة العثمانية لهذه المهمة حينما رأت نصرة محمد بن سعود رحمه الله للإمام محمد بن عبدالوهاب وتحالفها لتوحيد الجزيرة على كلمة التوحيد.

من بريطانيا إلى أمريكا.. حرب قديمة جديدة

     سرعة انتشار دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب حركت مخاوف إنجلترا وفرنسا تجاه قدرة الدعوة على توحيد العرب والمسلمين وتكوينها لقوة حقيقية في مواجهة تحركاتهما التوسعية والاستعمارية؛ لذا قامتا بتحريض الدولة العثمانية ضد الإمام ودعوته والدولة السعودية الأولى، وهذا ما ورثته أمريكا القوة الاستعمارية الحديثة في حربها ضد الإسلام بصفة عامة، وضد الدولة السعودية الحديثة بصفة خاصة، مع الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام في إلصاق تهم الإرهاب والتطرف بها، وتجييش الضغوط الدولية في هذا الاتجاه على المستوى الإعلامي والمستوى السياسي الرسمي وعلى مستوى دعم الحركات الليبرالية التي توجه سهامها بالأساس للمعتقدات والشعائر الإسلامية خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة مع غير المسلمين، أو الحريات الجنسية وغيرها التي يدخلون لها من باب حرية التعبير وحقوق المرأة ومهاجمة الهيئات الشرعية الرسمية خصوصاً الرئاسة العامة للبحوث والإفتاء وهيئة كبار العلماء، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصفها بأنها شرطة دينية استدعاء لنفرة المجتمع الغربي وأذنابهم في بلادنا من الدين وحاكميته تحت مصطلحات الثيوقراطية ذات البعد الثقافي التاريخي في العقل الجمعي الغربي.

      ففي تقرير لمنظمة (فريدوم هاوس) للحريات في الولايات المتحدة فإن «المنشورات الوهابية في المساجد الأميركية تنصح المسلم بأن يعارض دائما الكفار في كل شيء، وأن ينكر عليهم دينهم، وأن الديمقراطية هي المسؤولة عن كل الحروب المروعة في القرن العشرين».

      وقد جاء الرد على ذلك في مقال صحفي للأمير سلمان بن عبدالعزيز – وقتها- اعتبرته أوساط داخلية بمثابة (رد رسمي صريح)، وحمل تحذيرا للكتاب والباحثين من الانسياق وراء من ينادي بالوقوع في فخ مصطلح (الوهابية)، أشار إلى أن هؤلاء يتناسون أن الهدف الحقيقي من وراء نشر هذا المصطلح هو «الإساءة لدعوة سلفية صحيحة ونقية ليس فيها مضامين تختلف عما جاء في القرآن الكريم وما أمر به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ».

خصومات سياسية تحت ستار العقيدة

      ولا يخفى علينا أن بعض الدول الطائفية جعلت نفسها في خصومة دائمة مع كل الاتجاهات السلفية في العالمين العربي والإسلامي خصوصاً المملكة العربية السعودية التي قامت على أساس دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، وظلت زماناً طويلاً حريصة على نشر السُنَّة في العالم؛ لذا كانت جهود تلك الدولة التوسعية مصحوبة دائماً بالهجوم على السلفية ورموزها خاصة من تتلمذ على دعوة الإمام بن عبدالوهاب في بلاد الحرمين، بل واللجوء إلى تشويهها بشتى الوسائل والأساليب غير الأخلاقية مستغلة في ذلك الإنفاق غير المحدود على القنوات الفضائية، واستقطاب الكثير من الإعلاميين والمثقفين والفنانين في كافة الدول، وإنشاء ودعم المراكز البحثية والجمعيات والأحزاب التي تساهم في خلخلة المجتمعات الموجودة بها، وهذا الاتجاه مدعوم من الدول الغربية التي تكثر مراكزها البحثية وهيئاتها الرسمية. وللحديث بقية إن شاء الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك