بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات- المخدرات وباء العصر (2)
يقع على عاتق الأسر دور كبير في تربية أبنائها تربية سليمة تمنعهم من الاختلاط برفقاء السوء الذين هم البوابة الرئيسة للوقوع في هذه المهالك السلوكية
مكافحة هذا الوباء ينبغي أن يتم على مستويات عدة أهمها المستوى الرسمي لحكومات الدول المنوط بها وضع التشريعات الصارمة لوقف هذه التجارة والحد من انتشارها
استخدام 20% من الأموال المتداولة بتجارة المخدرات يعمل على اختفاء الأمية من العالم و60% من تلك الأموال تقضي على الفقر في 27 دولة هي الأكثر فقرا من بين دول العالم
بعد أن تحدثنا في العدد السابق عن التقارير والإحصاءات التي سلطت الضوء على واقع المخدرات في بلداننا العربية، وكذلك واقع المخدرات عالميًا، نتناول اليوم جانبًا آخر من هذا الوباء الذي استشرى كالنار في الهشيم، ولا سيما أنه شهد تطورًا هائلاً، سواء في تنوع مصادره وأنواعه أم في سرعة انتشاره وتأثيره.
تطور أنواع المخدرات
يمكن تقسيم المخدرات وتصنيفها وفق الآتي:-
1-مخدرات طبيعية وأهمها وأكثرها انتشارا: (الحشيش) و(الأفيون) و(القات والكوكا).
2-المخدرات المصنعة وأهمها: (المورفين) و(الهيروين) و(الكودايين) و(السيدول) و(الديوكامفين) و(الكوكايين) و(الكراك).
3-المخدرات التخليقية وأهمها عقاقير الهلوسة والعقاقير المنشطة والمنبهات والعقاقير المهدئة.
4- وهناك نوع جديد من المخدرات يطلق عليه المخدرات الرقمية، وهي مجموعة من الألحان الموسيقية يتم شراؤها من الإنترنت وتداولها والاستماع إليها بأجهزة صوتية مناسبة تنقل الترددات الخاصة لهذه الألحان فتؤثر في مواقع دماغية معينة تأثيراتها تشبه تأثير المخدرات الكلاسيكية المعروفة.

وقد شهدت فترة الثمانينات والتسعينات نمواً خطيراً في تجارة المخدرات المعتمدة على مواد طبيعية مثل (القنب الهندي)، وتعد دول أفغانستان وباكستان وسهل البقاع بلبنان وكولومبيا ودول أمريكا اللاتينية البيئة الأخصب لنموه، ومع تزايد برامج مكافحة الجريمة في هذه الدول، ونتيجة لتناقص المخزون الطبيعي لهذه الدول، وكذلك نتيجة لتطور البحوث العلمية الشيطانية نشأت أنواع جديدة من المخدرات الكيميائية المخلقة مثل (الهيرويين) و(الكوكايين) و(عقاقير الهلوسة) والعقاقير المهدئة والعقاقير المنشطة مثل الأمفيتامينات، التي أصبحت أكثر انتشاراً نظراً لإمكانات التصنيع العالية والسريعة والسهولة النسبية لنقلها، كذلك الأرباح الخيالية للاتجار فيها؛ حيث بلغت كمية المواد (الإمفيتامينية) المضبوطة 10 أطنان في عام 2010 في منطقة الشرق الأوسط وحدها، وقد حذر (المركز الأوروبي لمراقبة المخدرات والإدمان) في تقريره الذي نشر في لشبونة من أن المخدرات غير المشروعة في أوروبا أكثر قوة أيضا وعلى درجة عالية من النقاء.
وفي العام الماضي فقط تم اكتشاف نوعين جديدين على الأقل من المخدرات في الاتحاد الأوروبي أسبوعيا، ليرتفع عدد مثل هذه المواد التي يراقبها المركز إلى 450 مادة، وارتفع العدد بسبب كم المخدرات التركيبية المطروحة.
وقال (جواو جولاو)، عضو مجلس إدارة المركز: «إن تعقيد مشكلة المخدرات أصبح الآن أكبر بكثير؛ حيث لم يكن الكثير من المواد الموجودة اليوم معروفا للمستهلكين قبل عقدين من الزمن»، والمؤسف أن بعض الدول الأوروبية كهولندا وبعض الولايات الأميريكية تبيح قوانينها تداول أنواع معينة من المخدرات كالحشيش و(الماريجوانا) ولا تجرمها.
الآثار الصحية للمخدرات
ليس مثل المخدرات مدمراً للصحة؛ حيث تدمر الجهاز العصبي والكبد والكلى والرئة، وتسبب أمراض الدم المتنوعة، وتمثل رافداً أساسياً للإصابة بأمراض السرطان المتنوعة، وكذلك أمراض الشيخوخة المبكرة للشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر في تعاطي المخدرات، وبسبب المعلومات المغلوطة حول بعض المخدرات؛ حيث يعتقد بعضهم بأثرها على زيادة القدرة الجنسية للرجال، فإن أكثر أمراض العجز الجنسي وتشوه الأجنة تأتي نتيجة لاستخدام هذه المواد، فضلاً عن العيوب الخلقية للمواليد، وظهور الأعراض الأنثوية على الرجال المدمنين، وكذلك انتشار أمراض نقص المناعة المكتسبة مثل الإيدز، والسل الرئوي وفيروسات الكبد بين المتعاطين للمخدرات من الرجال والنساء ولاسيما عن طريق الحقن الوريدية.
وإجمالاً فإن المخدرات - حتى تلك التي تنتمي إلى فئة المواد المنشطة مثل (الأمفيتامينات)- تؤدي إلى تدهور حاد وسريع في الصحة العامة، وتخلق مجتمعات عاجزة مدمرة تماماً.

الآثار النفسية والاجتماعية
تمثل (الماريجوانا) المخدر الأكثر شعبية وسط الأمريكان، ومعنى الكلمة (السجن أو العبودية)، وهكذا المخدرات تنتج إنساناً مستعبداً من قبل المخدرات وكافة الشهوات المحرمة، وبرغم أن بعض المخدرات يتم تعاطيها للشعور بالسعادة والصفاء النفسي إلا أن هذا الأثر لا يدوم طويلاً، وإنما يعقبه أنواع من الأمراض النفسية التي تؤدي بصاحبها إلى الاكتئاب ومن ثم الانتحار، وبرغم كون المخدرات يتم تعاطيها في كثير من الأحيان بسبب الضغوط الاجتماعية والأسرية وتكون مهرباً خادعاً لبعضهم من ضغط المشكلات اليومية إلا أنها سرعان ما تدخل الإنسان في دوامة لا تنقطع من العزلة الاجتماعية والتفكك الأسري، وتشرد الأطفال وتنشر الجريمة الفردية والمنظمة من أجل استمرار توفير المال اللازم لاستمرار التعاطي الإدماني، ومع تفكك المنظومة الاجتماعية التقليدية للأسرة الممثلة بالزواج في كثير من الدول التي تقع في دائرة التعاطي والاتجار تنشأ مجتمعات موازية عنوانها الإباحية والشذوذ الجنسي والجريمة والاغتصاب والتحرش الجنسي من قبل المغيبة عقولهم نتيجة المخدرات.
الآثار الاقتصادية والسياسية
لو استخدمت الإنسانية 20% من الأموال المتداولة بتجارة المخدرات الدولية لاختفت الأمية من العالم، أما 40% من تلك الأموال فهي كفيلة بمكافحة الجوع نتيجة (التصحر) في كل أرجاء العالم، و60% من تلك الأموال تقضي على الفقر في 27 دولة هي الأكثر فقرا من بين دول العالم.لكن منظمات تصنيع المخدرات وتجارتها لم تكن أبدا لتنتظر إلى حقائق إنسانية، بل كانت تحرص على جني المزيد من الأرباح والأموال الملوثة بدماء ضحاياها في كل مكان، والدول التي تقع في الدائرة الشيطانية لتجارة المخدرات يصيبها شؤم هذه التجارة السوداء؛ فتقع في الديون الدولية الربوية المتراكبة نتيجة تأخر قدراتها الإنتاجية؛ بسبب تدمير الخزان البشري الإنتاجي الممثل في الشباب؛ فالأموال التي تستخدم في تجارة المخدرات ومحاولات علاج المدمنين تعد خصماً مباشراً من المال العام للبلاد، فلو تكلمنا في تقرير سابق عن الترف الاستهلاكي وأثره في تدمير اقتصادات الدول، فإن استهلاك المخدرات يعد العامل الأكبر في تدمير دول بأكملها ووقوعها فريسة سهلة في يد أعدائها، ولا أدل على ذلك من تراجع نسب الصلاحية الطبية والبدنية بين الشباب في سن التجنيد الإجباري في العديد من الدول نتيجة وقوعهم في إدمان المخدرات والأمراض الجنسية.
مكافحة وباء المخدرات
إن مكافحة هذا الوباء الوبيل ينبغي أن يتم على مستويات عدة، وإن كان أهم هذه المستويات هو المستوى الرسمي لحكومات الدول المنوط بها وضع التشريعات الصارمة لوقف هذه التجارة والحد من انتشارها، فضلا عن تكثيف الرقابة الأمنية على بؤر انتشار المخدرات خصوصاً في الأوساط الشبابية مثل النوادي والمقاهي والجامعات وغيرها من التجمعات، فضلا عن تكثيف الرقابة على المنافذ الحدودية لمنع دخول المخدرات بأنواعها إلى الداخل، وكذلك تنظيم التداول الطبي للمواد ذات الاستخدام الطبي مثل بعض العقاقير ذات الأثر المخدر التي ينبغي إدراجها في جداول المخدرات؛ بحيث لايتم صرفها وتداولها إلا بإجراءات مشددة.
وهناك مستوى آخر وهو القيام بحملات توعية مكثفة للتحذير من خطورة المخدرات وآثارها المدمرة، فضلا عن توفير حواضن علاجية كافية وآمنة لمن وقع في التعاطي والإدمان؛ بحيث تشجع المدمنين وأسرهم على اللجوء للمصحات العلاجية دون خوف الفضيحة أو العار الذي يجعل الكثيرين يحجمون عن بدء البرامج العلاجية.

وكذلك على الدول توفير حواضن شبابية تهتم بتنمية الشباب وشغل أوقات فراغهم وتوظيفهم في مشاريع نافعة؛ حيث تعد البطالة والفراغ من أهم أسباب الوقوع في دوامة المخدرات.
وهذا الدور ينبغي أن تشارك فيه الجمعيات الخيرية والدينية من أجل رفع الوعي الديني للشباب الذي يعد من أهم عوامل العصمة من الوقوع في إدمان المخدرات والخمور.
ويقع على عاتق الأسر دور كبير في تربية أبنائها تربية سليمة، تمنعهم من الاختلاط برفقاء السوء الذين هم البوابة الرئيسة للوقوع في هذه المهالك السلوكية، مع ملاحظة التغيرات السلوكية التي قد تطرأ على الأبناء خصوصاً في سن المراهقة التي تشير إلى وقوع أبنائهم في دائرة تجريب المخدرات وتعاطيها، وكذلك التعرف على الطريقة السليمة للتعامل مع مَنْ وقع في ذلك ومساعدته في مختلف مراحل العلاج، ولاسيما في مرحلة التعافي؛ لمعاونتهم على الاستمرار ومنع انتكاستهم مرة أخرى؛ إذ تعد من أخطر المراحل في مرحلة العلاج، وبسبب سوء إدارة هذه المرحلة يقع الكثيرون فريسة سهلة للإدمان مرة أخرى، حفظ الله بلادنا وأبناءنا ووقاهم شر كل ذي شر.
لاتوجد تعليقات