رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 20 يونيو، 2016 0 تعليق

فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس: رمضان صفقـةُ ربَّانـيَّـةُ رابِحة للتزوُّد بالتقوي

إنه لجديرٌ بنا أن نُترجِمَ مقاصِدَ هذا الشهر العظيم بإخلاصِ العبادةِ لله وحدَه وأن تجتمِعَ كلمتُنا وتتوحَّدَ صفوفُنا وتتآلَفَ قلوبُنا، لنتجاوُز الأزمَات والتحديَات

يا رجال الإعلام هلمُّوا إلى عقدِ ميثاقٍ أخلاقيٍّ مهنيٍّ، يصُونُ المبادئَ والقيَم، ويُعلِي صرحَ الفضيلَة ويصُونُ هيبَة أيام الصيام وليالِيه العِظام

 ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (رمضان وتحصيل التقوى)، التي تحدَّث فيها عن شهر رمضان والهدفُ من تشريعه، وهو: تحصيلُ تقوى الله -تعالى- وحثَّ فيها على اغتِنام أوقاتِه وساعاته في كل ما يُرضِي الله -تعالى- من أعمالٍ صالحاتٍ، واجتِنابِ الآثامِ والمُوبِقات؛ وكان مما جاء في خطبته:

هذا موسِمُ الصوم قد أشرقَت ولادتُه، وتألَّقَت بين الأنام إطلالتُه، وقد كانت الأعناق ترقُبُه، وأشواقُ أهل الإيمان تستشرِفُه، كيف لا وهو شهرُ رمضان دُرَّة الأزمان.

الشهر الخالد

وها هي ذي أمَّتُنا الإسلاميةُ تنعَمُ بعبَقِ شهرها الخالِد، وأيامِها الفيحَاءِ التوالِد، وتتفيَّأ خيرَه الوارِف المُزدانِ بأسنَى المطارِف، وترشُفُ رحيقَه، وتنهَلُ ريَّاه، وتستلِي أنوارَه، وتتملَّى بديعَ مُحيَّاه.

فهو شهرٌ تبلَّجَ بيُمنِه الصباح، وتأرَّجَت الأمصارُ بعبَقِه الفوَّاح، ربيعُ الذاكرين، وأُنسُ العابِدين، وروضةُ القاصِدين،معينٌ ثرَّارٌ للمُتنافِسين، ومنهَلٌ بالتُّقَى عذبٌ يرِدُه العُبَّادُ المُتسابِقُون، تفيضُ أيامُه بالقُرُبات والسُّرور، وتُنيرُ ليالِيه بالآيات المتلُوَّات والنور.

الفرصة السانحة

     ضيفُكم الكريمُ هو الفرصةُ السانِحة، والصفقةُ الربَّانيَّةُ الرابِحة للتزوُّد للدار الآخرة بالأعمال الصالِحة، وليس إلى مرضاةِ الرحمن كبيرُ مشقَّةٍ واقتِحامُ عناءٍ، إن راقبَ المُسلمُ نفسَه وأولاها الحزمَ والاعتِناء، وبادرَ إلى الطاعة دون تلكُّؤ أو وَناء، مُعتبِرًا بمن كانوا بيننا في العام الماضِي وقد سرَت بهم المنايا القواضِي.

      فالبِدارَ البِدارَ إلى فضلِ الله الممنُوح، قبل فواتِ الرُّوح. أجهِدوا أنفسَكم أن يكون عهدُ التوانِي منسُوخًا، وزمنُ التسويفِ مفسُوخًا؛ فمن أخلدَ للتوانِي حصَدَ الأوهامَ والأماني، وخيرُ الدُّرَر ما صحَّ عن سيِّد البشر - عليه الصلاة والسلام -، عن أم المُؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  يجتهِدُ في رمضان ما لا يجتهِدُ في غيرِه»؛ رواه مسلم، فصيامُ نهاره، وقيامُ ليلِه طريقُ السعادة والسُّرور، والبهجَة والحُبُور.

في (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «للصائِمِ فرحتَانِ يفرحُهما: إذا أفطرَ فرِحَ، وإذا لقِيَ ربَّه فرِحَ بصومِه»، وما دعا عبدٌ ربَّه إلا أجابَه، ولم يُوصِد دونَه بابَه.

يقول صلى الله عليه وسلم : «إن للصائِمِ عند فِطرِه لدعوةً ما تُردُّ»؛ أخرجه ابنُ ماجَه.

فيا باغِيَ الخيرِ، أقبِل، يا باغِيَ الخيرِ، أقبِل، حيَّهلاً بمن اختارَ الخيرَ من نواحِيه وأطرافِه، ولزِمَ المعروفَ من قواصِيه وأكنافِه، وكان ديدَنُه الذكرَى والترتيلَ والصدقةَ، والاستغفارَ والتوبةَ والنفقةَ.

- أمة الإسلام: ألا فلتجعَلوا لجوارِحكم زِمامًا من العقل والنُّهَى، ورقيبًا من الورَع والتُّقَى، حِفظًا للصيام عن النقصِ والانثِلام، فأيُّ غناءٍ في أن يدَعَ بعضُ المسلمين طعامَه وشرابه، ثم يركَبُ الصعبَ والذَّلُولَ للآثام والمُوبِقات، والمعاصِي والمُنكَرات، لا يرُدُّه من الدينِ وازِع، ولا ينزِعُ به من حُرمةِ الشهر نازِع، وتحذيرًا للوالِغين في هذا المكرَع الآسِنِ وتنبيهًا: يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم : «رُبَّ صائِمٍ ليس له من صيامِه إلا الجوعُ والعطَش، ورُبَّ قائِمٍ ليس له من قيامِه إلا السهرُ والتعَب»؛ أخرجه النسائي وابن ماجه.

مقاصد الصيام

     وهل مقاصِد الصيام العِظام - يا أمة خير الأنام صلى الله عليه وسلم إلا تهذيبُ النفوس وترقِيَتُها، وزمُّها عن أدرانِها وتزكِيَتُها؟! وذلك هو المُرادُ الأسمَى، والهدفُ الأسنَى من شِرعَة الصيام، ألا وهو: التقوى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).

     يقول الإمام ابن القيِّم - رحمه الله -: «الصيامُ لِجامُ المُتقين، وجُنَّةُ المُحارِبين، ورياضةُ الأبرار والمُقرَّبين»، فالصيامُ تُرسٌ للمُسلم من الخطايا والأوزار، ولأَمَةٌ دون التلطُّخ بالأدران والأكدار، وجُنَّةٌ واقِيةٌ من لهيبِ النار، يقول صلى الله عليه وسلم : «الصيامُ جُنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النار»؛ أخرجه الإمام أحمد في مسنده.

     ولكن مع شديدِ الأسَى والأسَف، ضلَّ أقوامٌ عن مسالِكِ الرشاد، في هذه الأيام الغُرِّ المُبارَكة، فصامُوا عن الطعام والشرابِ، وما صامُوا عن فضائيات الفسقِ والمُجُونِ، ومُشاهَدة فُنون الفُتُون، ومجالسِ الغِيبَة والنميمةِ والبُهتان، ومُنتديَات ومواقِعِ الشائِعات، والطُّعون والاتهامات.

آثار الصيام

     أين آثارُ الصيام الهَتُون؟! أين أنوارُ القيام في مُقَل العيُون؟! أما حلَّقَت بكم أشواقُ الأرواح إلى سِماكِ الإخباتِ والسَّكينة، وقُنَنِ الطُّهر والطُّمأنينة؟! أين اغتِنامُ الشهر بأيامهِ وليالِيه؛ بل بدقائقِه وثوانِيه؟! إنكم لن تبلُغُوا من رمضان مُرامَكم إلا إن أولَيتُم فضائلَه ومقاصِدَه اهتمامَكم، إنها مُناشَدةٌ جهيرَة في مطلَع هذا الشهر العظيم، أن يتنادَى المُسلمون جميعًا إلى التواصِي بالحقِّ والخيرِ والتعاوُن على البرِّ والتقوَى.

نداء إلى العقلاء

     يا حملَة الأقلام، ورجال الإعلام! هلمُّوا إلى عقدِ ميثاقٍ أخلاقيٍّ مهنيٍّ، يصُونُ المبادئَ والقيَم، ويحرُسُ المُثُل والشِّيَم، ويُعلِي صرحَ الفضيلَة التي انتحَبَت من الوأد غِيلَة، ويصُونُ هيبَة أيام الصيام وليالِيه العِظام. هلُمُّوا إلى التصدِّي للحملات الإعلاميَّة المُغرِضَة ضدَّ دينِكم وبلادِكم، وضدَّ الإسلام ونبيِّه وكتابِه وبلادِه، ورموزِه ورجالاتِه، وأن يُفعَّلَ الإعلامُ الإسلاميُّ من حيِّز التنظيرِ والنجوَى إلى واقعِ الحِراكِ والجدوَى.

     والتوجيهُ موصولٌ إلى الآباء والأمهات كرامِ الأصول أن يتَّقوا الله في تربيةِ البنين والبنات؛ فيُجلُّوا عن صفَحات عقولِهم ومرائِي قلوبِهم الانهِزاميَّةَ والتبَعيَّة، ولوثَات المشارِبِ الفكريَّة، والمآربِ الأخلاقيَّة والسلُوكيَّة، والإرهابِ والأعمال التطرُّفيَّة. ويغرِسُوا فيهم الفضائل الدينية، والآداب الإسلاميَّة، والسُّنَّة السنيَّة، وأن يصُونوهم عن تمزيقِ الأوقاتِ المُبارَكات في ذَرعِ الأسواقِ والطُّرُقات، والتسمُّر أمامَ القنوات والفضائيَّات.

الوعي بمكائد الأعداء

     ولئن كان شهرُ الصيام رافِدًا أساسيًّا لصدقِ الانتِماء، وحقيقةِ الالتِزام؛ فإن أمَّتَنا لا تزالُ عطشَى إلى الوعيِ النافِذِ بمكائِدِ الأعداء، وتحديَات الألِدَّاء، الذين يتقحَّمون الزُّورَ والبَهيتَة، والفِرَى العفِنَةَ المقيتَة، ولا يتورَّعُون عن الأكاذِيب العِظام، ولو كانت في حقِّ صفوَة الأنام.

     لذلك فإنه يجدُرُ بكل مُسلمٍ غيُورٍ - ونحن في شهر الصيام - ألا ينساقَ خلفَ الشائِعات، ولاسيما ممن ألِفَها وجعلَها من العادات، وأن يعملَ ليلَ نهار على زرعِ الإرهابِ والطائفيَّة في الأمة الإسلاميَّة، ويستغِلَّ الشعائِرَ الدينية لتحقيقِ أطماعٍ سياسيَّة، ومآرِبَ دُنيويَّة.

يا أمة المليار

     وإنه لجديرٌ بنا أن نُترجِمَ مقاصِدَ هذا الشهر العظيم بإخلاصِ العبادةِ لله وحدَه لا شريكَ له، وتحقيقِه في كلِّ عباداتنا وشعائِرِنا، وأن تجتمِعَ كلمتُنا، وتتوحَّدَ صفوفُنا، وتتآلَفَ قلوبُنا، وأن ننبُذَ الفُرقةَ والاختلافات والانقِسامات لتحقيقِ الأُمنِيات، وتجاوُز الأزمَات والتحديَات.

     فيا أمةَ المِليار! يا من تجمعُها شِرعةُ الإمساكِ والإفطار! إنه لحَرِيٌّ بنا أن نحُلَّ قضايا أمَّتنا، ونُعالِجَ آلامَنا، وأن نستشرِفَ مصائِرَنا وآمالَنا، في عزَّةٍ وإباء، وشُموخٍ وإعلاء؛ فرمضانُ شهرُ النصر والعزَّة والتمكين، لاسيَّما قضيَّة فلسطين والمسجِدِ الأقصَى الحزين، والحدُّ من استِمرار العُدوان الصهيونيِّ الغاشِمِ على الأرض المُبارَكة وأكنافِها. وكذا ضرورةُ إحلالِ الأمن والوَحدَة في بلاد الرافِدَين وبلاد الشامِ التي زادَ التقتيلُ فيها والإجرام، والحِصارُ والرَّزايا العِظام، من قِبَل جحافِلِ البطشِ والاستِبداد، وكواسرِ الطُّغيان والإفساد، في أبشَع انتِهاكٍ للحقوق الإنسانيَّة، وأوضَع انتِهاكٍ للأعرافِ الدوليَّة.

وفي اليمن السعيد وما أدراك ما اليمنُ السعيدُ الذي يتجرَّعُ أهلُه مُرَّ المذاق، وأحوالُه تُهيجُ عبَرَاتِ الأحداق، فإلى دروبِ التحريرِ والنصر والعِزِّ، يا أهلَ اليمن وتعَزّ!

وأين نحن من مُسلمِي بُورما وأراكان الذين استقبَلُوا شهرَ القرآن بالإبادة والتشريد، والطُّغيان والتهجيرِ ومزيدِ الوعيد.

وإخوةُ الدينِ في الأمصارِ يمحَقُهم

                                           بطشُ الطُّغاةِ على مرأَى من الأُمَمِ

والمُسلمون على شُعَبٍ مُمزَّقةٍ    

                                           الله أكبرُ كم في النفسِ من ألَمِ

     ولكنَّ الله ناصِرٌ أولياءَه، ومُتبِّرٌ أعداءَه، وإن طالَ الدُّجَى زمنًا فارفَعوا أكُفَّ الضراعَةِ لكم ولأهلِيكم وأمَّتِكم، وألِحُّوا عليه -سبحانه- بالدعاء، وارفَعوا إليه الشكوَى والنداء أن ينصُرَ إخوانَكم المُستضعَفين والمُشرَّدين والمنكُوبين والمُحاصَرين والمأسُورين والمُضطهَدين في كل مكان، وأن يُفرِّج كروبَهم وهُمومَهم، ويكشِفَ شدائِدَهم وغُمومَهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك