جنون الاستهلاك سـمـة العصـر
هذا الكم الهائل من الأمراض العصرية تمثل نتائج حتمية للترف الاستهلاكي
معادلة الحياة على ظهر الأرض بسيطة: أنت خلقت لتعبد الله، وتنتظر في الجنة الجزاء والسعادة الكاملة
لكل عصر سمات مميزة، ولو أردت أن تصف هذا العصر فلن تجد أبلغ من وصفه بعصر (جنون الاستهلاك)، ربما تجد هذا الوصف يتردد على ألسنة كبار السن بأكثر من صيغة تؤدي في النهاية إلى هذا المعنى الكارثي، وربما لن تجد أكثر منه دقة بوصفه إجابة للسؤال المتردد على ألسنة المدققين في التاريخ الاجتماعي الإنساني: ماذا حدث للعالم؟!! هذا اللهاث المحموم الذي يلف قاطني هذا الكوكب، وهذا التغير الدرامي المتسارع في السلوك الإنساني، الكل يسعى بأقصى طاقته خلف تحقيق هدف (السعادة الكاملة)، ولا تكاد تجد من يدركه؛ لأن هناك من غير موضع الهدف وتعريفه وعلامات الطريق الموصلة إليه.
معادلة الحياة
معادلة الحياة على ظهر الأرض بسيطة: «أنت خلقت لتعبد الله، وتنتظر في الجنة الجزاء والسعادة الكاملة»، ولطالما وجد من يعبث في إدراك الناس لهذه المعادلة السهلة، ويرسم لهم أهدافًا أرضية يغريهم بها، معتمدًا على حب الإنسان للعاجلة وغفلته عن الآخرة، وهذه الغفلة بلاء يذوق الجميع مرارته إلا من هداه الله لمعرفة غايته من الوجود على ظهر الأرض، ومدة بقائه فيها، ومآل روحه وجسده في نهاية الأمر؛ فلا تتعجب حينئذ إذا وجدت مليارات البشر تلهث في مسار خطأ وراء سراب مخادع.
جذور الظاهرة
الباحث عن جذور ظاهرة (النهم الاستهلاكي) لا تخطئ عينه أثر الثورة الصناعية في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وكيف تحولت معها الدول الأوروبية الاستعمارية القديمة إلى نوع آخر من الاستعمار نتيجة تطوير قدراتها الصناعية على الإنتاج الكمي الهائل، وما واكب ذلك من تطوير قدراتها التسويقية داخل بلدانها وخارجها، ولعل ما عزز من ذلك أيضاً ثورة الاتصالات الكبيرة التي أتاحت لهذه الدول فرض أنماط جديدة من الاستهلاك الترفي على الدول الأدنى في سلم التطور الصناعي؛ ذلك أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل حجر الزاوية في تطور اقتصادات هذه الدول وإنعاشها، ومن ثم سيطرتها على الدول الأضعف التي تزداد ضعفاً نتيجة تأخرها وضعف إنتاجيتها الذي يجعلها عالة على غيرها في كل شيء.

الاحتلال الاقتصادي
يأتي هذا النمط الجديد من الاحتلال الاقتصادي ليحل محل الاحتلال العسكري باهظ الكلفة، الذي يوفر للدول الاستعمارية فرصاً محتملة للسطو على ثروات البلاد المحتلة، ليوفر الاحتلال الاقتصادي فرصاً محققة لـ(السرقة النظيفة) لموارد الدول وثرواتها؛ حيث تخرج الدول الأضعف ما بأيديها طواعية للمحتل حتى تغرق الدول في الديون الدولية؛ مما يجعل قرارتها غير مستقلة وإنما خاضعة لرغبات ومخططات الدول الأقوى اقتصادياً التي تجعل من السيطرة الاقتصادية بوابة سهلة لفرض ثقافتها وقيمها، وبالتالي تذوب المجتمعات الصلبة المتماسكة الهوية في قيم ثقافية وأخلاقية منحرفة؛ لذا لا عجب إن جندت هذه الدول الرأسمالية جيوشاً من الاقتصاديين والإعلاميين والخبراء النفسيين لتكريس ثقافة الاستهلاك عبر المؤسسات الإعلامية العابرة للقارات، اعتماداً على القوة المتصاعدة للإعلام وقدرته على التغلغل السريع في كافة المجتمعات من خلال السينما والتلفاز وغيرها لنشر الموضات والعلامات التجارية والأنماط الاستهلاكية في الملابس والأغذية والوسائل التكنولوجية المتطورة ولاسيما وسائل الاتصالات الحديثة كالهواتف المحمولة.
آثار الترف الاستهلاكي
ربما لم يسمع العالم من قبل بهذا الكم من الأمراض التي يطلق عليها الأمراض العصرية مثل: السمنة والسكري، وتصلب الشرايين وأنواع السرطانات، والاكتئاب والزهايمر وأمراض الجهاز الهضمي والعصبي والعضلي، التي تمثل نتائج حتمية للترف الاستهلاكي، وقلة المجهود العضلي المبذول في الإنتاج أو التريض، ونتيجة لشيوع وسائل الرفاهية الحديثة في الانتقالات والاتصالات، فضلاً عن الأمراض الجنسية نتيجة اختلال منظومة القيم في العالم، وهذه الأمراض العصرية باتت تهدد نمو المجتمعات لكونها تشكل عبئاً على المنظومة الصحية في أكثر دول العالم الواقعة تحت التأثير الاستهلاكي لكل ما هو غير صحي وآمن، حتى إن التدخين الذي يجمع عقلاء العالم على خطورته على صحة الإنسان تم الترويج له تحت كونه جالباً للسعادة وطارداً للهموم، يستوي في ذلك مع الاستهلاك المتزايد للمواد المخدرة التي تغيب الإنسان عن واقعه ومشكلاته الاجتماعية والنفسية.
الآثار الاجتماعية والنفسية
نتيجة اللهاث وراء إشباع الرغبات والملذات بكل طريق، بل واختراع أنواع جديدة من الملذات؛ صار الاكتئاب والانتحار أبرز الأمراض المميزة لهذا العصر، فاستهلاك الأحلام الكاذبة واللهاث وراءها يصيب الإنسان بالإحباط وضيق النفس بعد مشوار طويل من السعي في تحقيق السعادة الوهمية؛ مما ينعكس على الاتزان النفسي ومن ثم الاتزان الاجتماعي، الذي تم إتلافه من خلال شيوع الأنانية والانعزال وتقديم المتع القريبة العاجلة على الصالح العام، وشيوع السرقة والنصب والغش التجاري رغبة في تحقيق الثراء السريع والالتحاق بركب المستهلكين الكبار؛ الأمر الذي يجعل المجتمعات تتآكل بفعل الحقد والغل والحسد لذوي النعمة، وتتكون فيها طبقات اقتصادية أكثر ثراء، تقوم على طحن الطبقات الأفقر واستعبادها لتحقيق المزيد من الثروة، وما ينشأ عن ذلك من صور الحقد الطبقي الذي يدمر أكثر المجتمعات استقراراً لاسيما مع غياب الوازع الديني والقيام بحقوق الفقراء والضعفاء والمرضى والعاجزين عن الكسب؛ فمجتمعات الوفرة والثراء لا تعرف سوى السعي نحو المزيد من الازدياد والتكاثر بالأموال والتباهي بكثرة العرض، ولا تلقي بالاً لأهمية التوازن الاجتماعي ومراعاة المحتاجين، وتتحول المجتمعات في النهاية إلى طبقة مترفة أطغاها الغنى، وطبقة مطحونة يأكلها الفقر.
قتل الإبداع والاتزان النفسي
تحدث عن ذلك الفيلسوف الأمريكي (أوڤر ستريت) عن الرأسمالية في كتابه العقل الناضج، واستعرض مضار الإعلان التجاري وقال: إنه لا يكاد أن تمر علينا ساعة من حياتنا اليقظة، حتى يتم تنبيهنا بطريقة أو بأخرى إلى أنه ينبغى لنا أن ندفع المال لشراء هذه السلعة أو تلك، وهذا الإلحاح المستمر أضر بالبشرية وأسفر عن نتائج أربع :-
1- أننا نظل مهددين دائما بمشاعر السخط على المستوى المادى الذي نعيش فيه؛ بحيث لا يبعث الرضا في نفوسنا عن أى شيء نملكه.
٢- أننا نشجع أنفسنا دوماً على الإقبال على مايقدم إلينا جاهزاً ومعداً، والإحجام عما يمكننا نحن تجهيزه وإعداده؛ بحيث تجتاح لذة الامتلاك لذة الإبداع.
٣- أننا نشجع على الاستغناء عن الأشياء قبل الاستفادة منها، وقبل أن نألفها ونستمتع بصحبتها أيضاً.
٤- أننا نشجع على الاعتقاد بأن معظم مشكلاتنا النفسية والانفعالية والاجتماعية ناشئة عن افتقارنا إلى سلع مادية معينة.
وهكذا تتحول المجتمعات إلى مجتمعات كسولة تنتظر ما تلقيه إليها الدول الكبرى من فتات العلم والتقنية، فلا هي حافظت على قيمها وعناصر قوتها الاجتماعية، ولا حافظت على ثرواتها التي بددتها في اللهاث الاستهلاكي، ولا حتى امتلكت سلاحاً تدفع به عن نفسها كيد أعدائها، حتى السلاح الذي يتم شراؤه من الدول الأجنبية يكون بقايا ورواكد قديمة التقنية، وتبقى صيانته مرهونة بيد بائعه، فضلاً عن أن السلاح يحتاج إلى مجتمعات قوية متماسكة قادرة على الصمود في المعارك المستنزفة للأموال والموارد المادية والبشرية.

تدمير اقتصادات الدول
إن الدول التي تظل حبيسة مقاعد الاستهلاك، تتخلى طواعية عن دورها الريادي، فضلاً عن ثرواتها وتدمر حاضرها ومستقبلها، نتيجة الغرق في الديون ونضوب الموارد، حتى على مستوى الأفراد نتيجة شيوع أنماط استهلاكية قائمة على الاقتراض الربوي الاستهلاكي نتيجة السعي في تحصيل ما لا يستطيع الإنسان امتلاكه؛ وبالتالي يدور الفرد في هذه الدول في حلقة مفرغة من الاستهلاك والقروض لتسديد أقساط المساكن والملابس والسيارات والأغذية الترفيهية والرحلات، فتشيع في هذه الدول اقتصادات الترفيه والخدمات بدلاً من السعي نحو الزراعة والصناعة والتعليم وتحسين الصحة، ونتيجة لقلة الإنتاج مقابل زيادة الاستيراد تختل الموازين التجارية للدول، وتضعف عملتها المحلية؛ مما يعود إلى اقتصاداتها بالتآكل على المدى البعيد، ومن ثم وقوعها تحت طائلة الديون الخارجية وشروط الرأسمالية العالمية التي لا تتوقف عند حد السيطرة الاقتصادية بل تتجاوزه إلى فرض قيم أخلاقية جديدة وغريبة عن مجتمعاتنا المسلمة.
تدمير البيئة ونضوب الموارد الطبيعية
قيام أنواع كثيرة من الصناعات المدمرة للبيئة العامة وللصحة، والمستنزفة للموارد الطبيعية للأرض مثل الأشجار والنباتات والأسماك، فضلاً عن الاستهلاك الرهيب للمخزونات الأرضية من البترول والغاز الطبيعي وغيره من مصادر الطاقة، حتى إن الدول المتطورة اقتصاداً بدأت خططاً للتحول الصناعي نحو مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، كالطاقة الشمسية والرياح، واتجهت نحو صناعات أقل تلويثاً للبيئة، والمفارقة أنها في الوقت نفسه تنقل الصناعات المدمرة للصحة والبيئة إلى الدول النامية والأقل تطوراً؛ فكثير من الدول الصناعية أصبحت تطرد صناعات الأسمنت ومواد البناء والأسمدة والكيماويات والصناعات النووية خارج أراضيها؛ لما لمسته من آثار غاية في الخطورة على البيئة وعلى صحة الإنسان، وتقدم مغريات للدول الأفقر لاستضافة هذه الصناعات، بل وأحياناً كثيرة دفن المخلفات المدمرة لهذه الصناعات في أراضيها؛ مما ينذر بكوارث وشيكة في هذه البلاد، ولإدراك هذه المخاطر كانت معاهدة (كيوتو) لضبط المناخ العالمي، وإلزام الدول التي تنبعث الغازات السامة من مصانعها بتعديلها حماية لصحة المناخ العالمي وهذه المعاهدة وقعت عليها أكثر من 200 دولة بعدما ثبت يقيناً أنها الوسيلة الوحيدة لضمان استدامة الحياة على كوكب الأرض، في حين امتعنت دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية التي تنبعث من مصانعها أكبر معدلات الغازات الضارة عن التوقيع على هذه الاتفاقية لعلمها أنه بموجبها ستضطر لإنفاق المليارات على تعديل نمطها الصناعي؛ مما يؤثر على مركزها الاقتصادي العالمي.

الحلول العملية اللازمة
وأخيراً: فينبغي لحكومات الدول الإسلامية والمصلحين الانتباه إلى خطورة تنامي هذه النزعات المدمرة على مجتمعاتها واتخاذ التدابير اللازمة للخروج من هذه الدوامة المهلكة ومن ذلك:
1- توجيه الأفراد إلى تحصيل ما ينفعهم من علوم الدين والدنيا، وتربية الأطفال في البيوت والمدارس على القيم الأخلاقية والمنظور الشرعي للتمتع بالحياة دون الوقوع تحت طغيانها
2- توجيه الباحثين والدارسين في الجامعات إلى تطوير مجتمعاتهم وحل المشكلات الاجتماعية التي نشأت نتيجة لشيوع الثقافات الاستهلاكية لفترة طويلة
3- تعميق قيم الإنتاج وبذل المجهود لإصلاح الدنيا تحقيقاً لمقاصد الشريعة
4- محاربة محاولات تذويب هوية الشعوب والوقوع بها في فخ الأنماط الاستهلاكية المدمرة لمنظومة القيم الإسلامية، ولاسيما ما يتم طرحه في الإعلام من إعلانات تجارية مباشرة وغير مباشرة من خلال الفنون المتداولة في وسائل الإعلام
5- إشاعة روح البذل والتراحم ومراعاة مصالح الفقراء والعاجزين عن الكسب.
6- مراقبة الأنظمة التجارية التمويلية للسلع الاستهلاكية التي تأكل المدخرات الخاصة والعامة، وتقف حائلاً دون مشروعات التنمية المستدامة.
لاتوجد تعليقات