في إطار الرد على مركز (كارنيجي) للشرق الأوسط سلفية واحدة وادعاءات متعددة-2-
الهجوم على المنهج السلفي، ليس جديدًا بل هو قديم قدم نشوء البدع والافتراق في هذه الأمة، حيث كانت كل طائفة ترى في مذهبها الحق وتعادي من يخالفه، ولما كان السلف هم الوسط المخالفون لأهل الغلو والجفاء والإفراط والتفريط نالهم من الطوائف المنحرفة كافة ما نالهم، وصبت عليهم كل فئة حادت عن الطريق المستقيم غضبها.
لذلك جاء هذا الكتاب ليؤكد هذا المفهوم الذي تميزت به السلفية عن غيرها من المناهج المنحرفة، وهو مفهوم الوسطية، وهو دحض لشبه عدة أثارتها إحدى الدراسات الصادرة عن مركز (كارنيجي) في الشرق الأوسط للباحث (سلطان بال) بعنوان ( السلفية الكويتية ونفوذها المتنامي في بلاد الشام)، وحوت الكثير من المغالطات والأخطاء الفادحة والشبهات التي استوجب إعداد هذه الدراسة المختصرة والتي قام عليها عدد من المتخصصين في مركز ابن خلدون للدراسات محاولين فيها الحفاظ على نقاء هذه الدعوة المباركة من التشويه والعمل الخيري من الانتقاص والتشكيك.
بنى الباحث سلطان بال فكرة بحثه على مفهوم انقسام السلفيين في الكويت إلى أصوليين وحركيين، ونسج تبعا لها مواقف عدة تصورها دون دليل أو برهان
التيار الذي ينتمي إليه أعضاء جمعية إحياء التراث الإسلامي، هو التيار الوسطي الذي يقتدي بالمنهج العلمي الذي يسير عليه كبار العلماء
توهم الباحث بأن من أسباب قوة السلفيين في الكويت دعم الحكومة لهم، وإضعافها لغيرهم من الحركات الإسلامية، وهذا وهم كبير وهي شبهة العلمانيين لضرب التيار الديني وصد الناس عن إتباعه
بنى الباحث سلطان بال فكرة بحثه على مفهوم انقسام السلفيين في الكويت إلى أصوليين وحركيين، ونسج تبعا لها مواقف عدة تصورها دون دليل أو برهان، وقد تكون فكرة الأصولية والحركية لدى الباحث مستمدة من المفاهيم الكنسية التي تقسم أتباع الكنيسة إلى ثلاث كنائس: الارثوذكسية الشرقية، والكاثوليكية الغربية التي انقسمت بدورها وخرج منها البروتستانت دعاة الإصلاح بزعمهم!
تعريف السلفية
وقد عرف الباحث السلفية بأنها: «حركة إسلامية سنية أصولية ينصب اهتمامها الأساس على ممارسة المعتقدات والتقاليد الدينية للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأول ثلاثة أجيال من المسلمين، وأن السلفيين يتمسكون بالقراءة الحرفية للنصوص المقدسة، ويرفضون الفهم المنطقي أو المجازي أو أي فهم آخر لها». وفي هذا التعريف جهل واضح بمفهوم السلفية الحقيقي؛ إذ إن السلفيين يفرقون بين التمسك بالمبادئ الأساسية التي جاء بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وتمسكت بها القرون الأولى مما لا يقبل التأويل العقلي، وبين الاجتهاد في استخدام الوسائل والتعامل مع المستجدات.
انقسام التيار السلفي
والتيار السلفي قد انقسم إلى توجهات متعددة على مستوى العالم الإسلامي، وهذا واقع لا يكاد يجهله عاقل، ولكنه لا ينحصر في تياري الأصوليين والحركيين اللذين ذكرهما الكاتب فحسب، كما أن التيار الذي ينتمي إليه غالبية أعضاء جمعية إحياء التراث الإسلامي، هو التيار الوسطي الذي يقتدي بالمنهج العلمي الذي يسير عليه كبار العلماء، ولاسيما في المملكة العربية السعودية أمثال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وسماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، والعلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (في سوريا ثم الأردن)، وهؤلاء يتمسكون بالكتاب والسنة واتباع الدليل، دون أن يمنعهم ذلك من الانفتاح على الواقع، والمنهج الذي عليه الغالبية العظمى من أتباع جمعية إحياء التراث الإسلامي هو المنهج الوسطي الذي يقع ما بين من أسماهم الباحث بالمدخليين وما بين السروريين، ومما ذكره الباحث عن صفات الأصوليين الذين يؤمنون بضرورة الطاعة المطلقة للحاكم ويركزون على التفاصيل الدقيقة للعقيدة والعبادة قد ينطبق على المدخليين الذين يهاجمون من ينتقد الحاكم بزعمهم، ويشنون حربا لا هوادة فيها على كل من يتحدث عن استخدام الوسائل الحديثة لتغيير المنكر، وتعزيز الشريعة الإسلامية مثل الدخول في البرلمان والوزارة.
لذا هاجم المدخليون جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنهم انحرفوا عن الطريق، ثم تحولوا إلى السروريين لأنهم يسيرون على خطى الإخوان المسلمين، ثم رجعوا إلى السلفيين من أتباع المنهج الوسطي؛ (منهج العلماء الكبار) فهاجموهم أشد الهجوم واتهموهم بالانحراف عن منهج السلف الصالح والدخول في السياسة وتقليد الإخوان المسلمين.
خلط الأوراق
لاشك أن هذا الموضوع يتطلب تفصيلا أوسع، ولكن الباحث أراد خلط الأوراق وإيهام القارئ بأن التيار السلفي ينقسم إلى تيار أصولي «يتمسك بالقراءة الحرفية للنصوص المقدسة، ويرفض الفهم المنطقي أو المجازي أو أي فهم آخر»، وتيار آخر «حركي يمتلك وجهة نظر سياسية أوسع نطاقا، ويطمح إلى أسلمة المجتمع من خلال العمل الدعوي وتغيير مؤسسات الدولة، وذلك باستخدام العنف إذا لزم»، وأن السلفيين في الكويت قد تحولوا من النوع الأول إلى النوع الثاني!
1- مفهوم السلفية:
هل يخفى على باحث متخصص في الجماعات الإسلامية بأن مسمى السلفية هو مسمى واسع وفضفاض، وأن الكل يدعي السلفية؛ فمن جانب نجد ممن يتسمون بالسلفية من يتبنون (منهج الخوارج) ويكفرون الناس دون دليل، ويسعون في الأرض فسادا، ويشوهون صورة الدين الحنيف، ومن جانب آخر نجد من يضفون القدسية على ولاة الأمر بالحق وبالباطل، ولا يفهمون المقصود بالطاعة بالمعروف لأولي الأمر، وكيفية التعامل في النصح للحاكم المسلم.
وقد ذكر الباحث العديد من الأمثلة لبعض من شوهوا صورة السلفية وادعوها زورا وبهتانا، وحاول ربطها بمنهج جمعية إحياء التراث الإسلامي، وفي ذلك تجنٍّ واضح على أعضاء الجمعية الذين تربوا على منهج السلف الصالح منذ نعومة أظفارهم ورفضوا المناهج المنحرفة.
أما التيار السلفي الوسطي الذي يجمع ما بين التمسك بالأصول، والعض عليها بالنواجذ، ويرفض التقليد وممارسة العنف، والذي يمثل تيار جمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، فيبدو بأن الباحث قد أهمل الحديث عنه، بل إن الباحث قد خلط بين الحقائق وتوهم أمورا تخالف الواقع في حديثه عن الجمعية، نذكر منها:
- أولا: ذكر الباحث بأن «جمعية إحياء التراث الإسلامي كانت بمثابة هيئة شاملة للسلفيين في الكويت، ووفرت لهم إطارا مؤسسيا للمشاركة في العملية السياسية في العام 1981، وتم ترشيح سلفيين لخوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى في أي مكان في العالم»، والحقيقة أن جمعية إحياء التراث الإسلامي لم تكن هي من وفر الإطار المؤسسي للمشاركة في العملية السياسية بل هي نفسها كانت ثـمرة أتت بعد دخول السلفيين في الانتخابات البرلمانية عام 1981 حيث تأسست فعليا عام 1982، كما وأن قوانين الدولة لا تسمح لجمعيات النفع العام بالتدخل في السياسية.
- ثانيا: يرى الباحث بأن «الحركة السلفية كانت موحدة تماما حتى العام 1990تحت مظلة جمعية إحياء التراث الإسلامي وبزعامة الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، ثم حدث الانشقاق بعد الغزو العراقي بسبب المناقشات التي جرت داخل الحركة السلفية في المملكة العربية السعودية أثناء أزمة الخليج (1990 – 1991)، مما أدى إلى تفتيت الحركة على المستوى العالمي، وأن الجمعية قد تعرضت لعملية تحول جذري وفقدت صورتها التي يغلب عليها الطابع الحركي، وأصبحت تنظيما أصوليا».
أوهام الباحث
ولا شك أن هذا الكلام يعد من الأوهام التي تصورها الباحث ليصل إلى النتيجة التي أراد الوصول إليها فجمعية إحياء التراث الإسلامي كانت مظلة عامة لمعظم السلفيين في الكويت قبل الغزو العراقي للكويت، بسبب كونها الجمعية السلفية الوحيدة المشهرة في الكويت، ولكن ذلك لا يعني انضواء الجميع تحت عضويتها. وبعد أن تشكلت تجمعات أخرى حملت مسمى السلفية توجت لها مجموعات ممن يحملون أفكارها، دون أن يعني ذلك انشقاقا عن الجمعية كما توهم الباحث أو تحولا جذريا، وبقيت قيادات الجمعية كما كانت منذ تأسيسها، بل انضم إليها الكثير من الشباب السلفي الجدد الذي ساهموا في نشر رسالتها السلفية الواضحة والذب عن المنهج السلفي في وجه المغرضين، وقد كتبت الجمعية منهجها في بداية التسعينات ونشرته في كل مكان ردا على الذين حاولوا تشويه صورتها، وعرضته على كبار علماء الدعوة أمثال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، والشيخ صالح بن فوزان حفظه الله والذين زكوه جميعا وعدّوه موافقا لمنهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فمن أين أتى الباحث بفكرة أن الجمعية كان يغلب عليها الطابع الحركي ثم أصبحت تنظيما أصوليا؟!.
مسوغات واهية
- ثالثاً: وقد حاول الباحث تسويغ قوة التيار السلفي الوسطي في المجال الحركي والسياسي بمسوغات واهية منها «كون جماعة الإخوان المسلمين في الكويت التي كان لها تمثيل قوي في البرلمان – توفر منبرا مناسبا ممن تروق لهم السلفية الحركية، وبسبب تشابه خطاب الإخوان والسلفيين الحركيين»، وهذا جهل بالواقع، والحقيقة هي أن السلفيين الأصوليين كما يروق للباحث تسميتهم، أو التيار السلفي الوسطي هم من أسس العمل الحركي السلفي في الكويت، وهم من شارك في المجال السياسي منذ بدايته عام 1981، وقد كسبوا قاعدة شعبية كبيرة بفضل الله تعالى، واستطاعوا تحقيق الكثير من طموحات القاعدة الإسلامية في الكويت من خلال مشاركتهم في مجلس الأمة الكويتي، أو المجلس البلدي، أو الحكومات المتعاقبة، والمجالات السياسية المتعددة، وقد أيد مشاركتهم كثير من العلماء من خلال فتاوى كبار العلماء السلفيين أمثال الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله تعالى وغيرهم، وفي ذلك دلالة واضحة على بطلان ما ذهب إليه الباحث من تقسيم للسلفيين إلى إصلاحيين – لا شأن لهم بالسياسة- وحركيون.
وهم الدعم الحكومي
- رابعاً: توهم الباحث بأن من أسباب قوة السلفيين الأصوليين في الكويت دعم الحكومة لهم، وإضعافها للسلفيين الحركيين من جانب والإخوان المسلمين من جانب آخر، وهذا وهم كبير بل هي الشبهة التي يتعلق بها العلمانيون في الكويت لضرب التيار الديني وصد الناس عن اتباعه، ألا وهي اتهامه بأنه مدعوم من الحكومة بهدف إضعاف التيارات الأخرى، ولا شك أن الحكومة الكويتية تسعى لإقامة علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وأن دعمها للتيار السلفي إنما يأتي من باب الدعم الحكومي العام ومناخ الحريات الذي تتميز به الكويت، كما أن الحكومة قد دعمت التيارات الليبرالية أكثر بكثير من التيارات الإسلامية، إن لم تكن قد ضيقت على التيار السلفي في بعض المراحل، ولاشك أن ثقة الناس بالتيار السلفي وتبنيهم لأطروحاته المعتدلة كانت هي أكبر دعم لهذا التيار عبر الأعوام المختلفة.
لاتوجد تعليقات