آل طالب:الحياة في ظل القرآن تبـارك العمـر وتسـعد القـلـب
القرآن الذي بين أيدِينا هو القرآن الذي قرأَه الأولون، لم يزَل غضًّا طريًّا، ولكن ليست القلوبُ هي القلوب
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (تأثير القرآن الكريم على القلوب)، التي تحدَّث فيها عن تأثير القرآن الكريم على القلوب، مُبيِّنًا أثرَه عندما سمِعَه المُشرِكون، وكيف كانت حالُ النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوته وسماعِه، كما بيَّن أثرُه على قلوب الصحابةِ وغيرهم؛ من الجن والملائكة، وختمَ بذكرِ بعض الأحاديث في فضلِ قراءة القرآن الكريم وفضل حمَلَته، وكان ما جاء في خطبته:
الحياةُ في ظلال القرآن نعمةٌ يعرِفُها من ذاقَها، نعمةٌ تُبارِكُ العُمر وتُزكِّيه، وتُسعِدُ القلبَ وتهدِيه. وأيُّ نعمةٍ على هذا العبدِ الضعيفِ أعظمُ من أن يُكلِّمه الربُّ -جلَّ جلالُه- بهذا القرآن؟! {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون}(العنكبوت: 51)، إنها لنعمةٌ ورحمةٌ وذِكرى، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون}(يونس: 58)، قال المُفسِّرون: “فضلُ الله الإسلام، ورحمتُه القرآن، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
الفرح بالقرآن
يجبُ أن تمتلِئَ النفوسُ فرحًا بهذا القرآن، ويفيضَ هذا الفرحُ والبُشرى على الوجوه، ويمتدَّ إلى البيوتِ والمُجتمعات. فرحٌ بهذا القرآن، وبهذه النعمة التي حمِدَ الله نفسَه عليها قبل أن يحمَده الحامِدون، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}(الكهف: 1).
هذا الكتابُ العظيمُ لهذه الأمة المُحمدية منهجُ حياة، وهو رسالةُ الإسلام يحمِلُها الداعية، وعِظةُ الواعِظ يُحرِّكُ به القلوبُ، ولسانُ الخطيب على أعواد منبَره، وقد كانت فيه الكِفايةُ والموعِظةُ والهدايةُ. وإنما تشرُفُ العلومُ بقدر قُربها من هذا القرآن.
مواقف مع القرآن
وللناس مع هذا القرآن مواقِفُ أثبتَها القرآنُ، وحوادِثُ سجَّلها التاريخ، وأخبارٌ تداولَتْها السِّيَر، فيها تأثيرُ القرآن على النفوس، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}(يوسف: 111).
روى ابنُ إسحاق وغيرُه في قصة عُتبة بن ربيعة: وذلك أن قُريشًا بعدما رأَت انتشارَ الإسلام، اختارَت أحسنَ رجالاتها ليُكلِّم النبيَّ[، فجاء أبو الوليد عُتبةُ بن ربيعة وكلَّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا وهو مُنصِتٌ إليه.
فلما فرغَ قال: «أفرَغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم. فقرأَ عليه أولَ سورة فصلت: بسم الله الرحمن الرحيم {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}(فصلت: 1- 4)، فمضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤُها عليه، فلما سمِعَها عُتبةُ ألقَى بيدِه خلفَ ظهره يستمِع، حتى بلغَ قولَه تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُود}(فصلت: 13)، فأمسكَ عُتبةُ على فمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وناشدَه اللهَ والرَّحِم.
وفي بعضِ الروايات: أنه جاء إلى قومِه فقال بعضُهم لبعضٍ: نُقسِمُ لقد جاءَكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهبَ به، فلما جلسَ إليهم قالوا: ما وراءَك؟ قال: ورائي أني سمعتُ قولاً والله ما سمعتُ مثلَه قطُّ، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكِهانة. يا معشر قُريش! أطيعُوني واجعَلوها لي، خلُّوا بين الرجلِ وبين ما هو فيه؛ فواللهِ ليكونَنَّ لقولِه الذي سمعتُ نبأً، فإن تُصِبه العربُ فقد كُفيتُموه بغيرِكم، وإن يظهَر عليهم فمُلكُه مُلكُكم، وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعدَ الناس به. قالوا: سحركَ يا أبا الوليد بلسانِه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنَعوا ما بدَا لكم.
التأثير العجيب للقرآن
ولما علِم المُشرِكون هذا التأثيرَ العجيبَ للقرآن العظيم، ورأَوا إسلامَ من أسلمَ بسماعِ آياتِه، فتواصَوا فيما بينَهم، كما أخبرَ الله عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(فصلت: 26).
وكان المُشرِكون يستعذِبون سماعَ القرآن من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ فكان أبو سُفيان وأبو جهلٍ وغيرُهما من رُؤساء قُريش يتسلَّلون ليلاً إلى بيتِ النبي صلى الله عليه وسلم ليسمَعوا القرآن، فخرجَ أبو سُفيان بن حربٍ، وأبو جهل،ٍ والأخنسُ بن شُريقٍ الثقفيُّ ليلةً ليستمِعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، يُصلِّي به من الليل في بيتِه. أخذَ كلُّ واحدٍ منهم مجلِسَه حولَ بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم ، كلُّ واحدٍ لا يعلمُ بمكانِ صاحبِه، باتُوا تلك الليلةَ يستمِعون القرآن.
أيُّ ليلةٍ تلك الليلة؛ ليلةٌ يُستمعُ فيها القرآن بقراءة النبيِّ صلى الله عليه وسلم . طلعَ عليهم الفجرُ فتفرَّقُوا، فجمعَهم الطريقُ، فتلاوَموا وقال كلٌّ منهم لصاحبِه: لا تعُودوا؛ فلو أن بعضَ سُفهائِكم رآكم لأحدثتُم في قلبِه شيئًا، وذهبُوا وقد تواصَوا على ذلك.
ولما جاءت الليلةُ الثانيةُ عادَ كلٌّ منهم إلى مجلسِه يستمعُ إلى القرآن، وفعلُوا مثلما فعلوا في الليلة التي قبلَها، وهكذا ثلاثُ ليالٍ؛ رواه ابنُ إسحاق وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ.
وفي (صحيح البخاري): عن جُبير بن مُطعِم بن عديٍّ]قال: قدِمتُ على النبيِّصلى الله عليه وسلم ، وذلك في وفد أُسارَى بدرٍ، وسمعتُه يقرأُ في المغرب بالطور، فلما بلغَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}(الطور: 35- 37) كاد قلبي أن يطير.
ومن التأثير العجيبِ: ما رواه مسلمٌ في (صحيحه)، عن قُطبة بن مالكٍ - رضي الله عنه - قال: صلَّيتُ وصلَّى بنا رسولُ الله[، فقرأَ: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد}(ق: 1)، حتى قرأ: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ}(ق: 10). قال: فجعلتُ أُردِّدُها ولا أدرِي ما قال.
كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمعه من غيره
ولقد كان نبيُّنا محمدصلى الله عليه وسلم الذي نزلَ عليه هذا القرآنُ يُحبُّ أن يسمعَه من غيرِه؛ يقولُ لابن مسعودٍ - رضي الله عنه -: «اقرَأ عليَّ القرآن»، فيقرأُ عليه من أول سورة النساء، حتى إذا بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}(النساء: 41)، قال: «حسبُك الآن»، فالتفَتَ ابنُ مسعودٍ، فإذا عيناه تذرِفان، وإذا عيونُه تسيل.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصِ - رضي الله عنهما -، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تلا قولَ الله - عزَّ وجلَّ - في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}(إبراهيم: 36)، وقال عيسى - عليه السلام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(المائدة: 118)، فرفعَ يدَيه وقال: «اللهم أُمَّتي أُمَّتي»، وبكَى. فقال الله - عزَّ وجل -: «يا جبريل! اذهَب إلى محمدٍ - وربُّك أعلمُ -، فسَلْه: ما يُبكِيك؟»، فأتاه جبريلُ -عليه السلام - فسألَه، فأخبرَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الله - عزَّ وجل -: «يا جبريل! اذهَب إلى محمدٍ، فقُل: إنا سنُرضِيك في أمَّتك ولا نسوؤُك»؛ رواه مسلم.
تأثير القرآن على النصارى والجن
وقد كان للقرآن تأثيرُه على أفئِدة قساوِسة النصارى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}(المائدة: 83).
بل تأثَّر مرَدَةُ الجانِّ الذين كانوا قبل نزوله يسترِقون السمعَ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}(الجن: 1- 2).
مفاتيح لأقفال القلوب
هذا القرآن الذي بين أيدِينا هو القرآن الذي قرأَه الأولون، لم يزَل غضًّا طريًّا، ولكن ليست القلوبُ هي القلوب، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد: 24)، وقد جعلَ الله لهذه الأقفال مفاتِح، فأولُ هذه المفاتِح: معرفةُ المُتكلِّم بهذا القرآن، وهو الله - جَّل جلاله -، ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين، وربُّ العالمين المُحيِي المُميت، الرزَّاقُ ذو القوَّة المتين، وشرفُ الكلام من شرفِ المُتكلِّم به. وكلُّ كلامٍ وإن عظُم وجلَّ فهو دون كلامِ الله -تعالى- ناهِيكم عمَّن يشتغِلُ عن كلامِ الله بكلام الباطِل واللهو. قال عُثمانُ رضي الله عنه : «لو طهُرَت قلوبُكم ما شبِعَت من كلامِ ربِّكم»؛ رواه أحمد.
وثاني مفاتِح الأقفال: معرفةُ بركاتِ القرآن العظيم، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}(ص: 29)، بركاتُ القرآن على النفوسِ والأُسر والمُجتمعات، بركاتٌ عامَّةٌ في الدنيا والآخرة، «من قرأَ حرفًا من كتابِ الله فله حسنة، والحسنةُ بعشر أمثالِها»؛ رواه الترمذي.
«اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامةِ شفيعًا لأصحابِه»، «اقرؤوا الزَّهراوَين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتِيان يوم القيامة كأنهما غمامَتان، أو كأنهما غيايَتان، أو كأنهما فِرقَان من طيرٍ صواف تُحاجَّان عن أصحابِهما».
«اقرؤوا سورةَ البقرة؛ فإن أخذَها بركة، وتركَها حسرة، ولا يستطيعُها البطَلة»؛ رواه مسلم، «سورةٌ في كتابِ الله ثلاثون آية شفعَت لرجلٍ حتى غُفِر له، وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}(الملك: 1)»؛ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. «يُقال لصاحبِ القرآن: اقرأ وارقَ ورتِّل كما كنتَ تُرتِّلُ في الدنيا؛ فإن منزلتَك عند آخر آيةٍ تقرؤُها»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي. «الماهِرُ بالقرآن مع السَّفَرة الكرامِ البرَرَة، والذي يقرأُ القرآن ويتتعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران»؛ رواه مسلم.
هذا بعضُ قولِ نبيِّكم[.
وثالثُ مفاتِح الأقفال: الدعاءُ؛ روى الإمام أحمد وغيرُه، عن ابن مسعود]، أن النبيَّ[ قال: «ما أصابَ أحدًا قطُّ همٌّ ولا حزَنَ فقال: اللهم إني عبدُك، ابنُ عبدِك، ابنُ أمَتِك، ناصِيَتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدرِي، وجلاءَ حُزني، وذَهابَ همِّي؛ إلا أذهبَ الله همَّه وحُزنَه، وأبدلَه مكانَه فرَحًا»، وفي بعضِ الروايات: «فرَجًا»، فقيل: يا رسولَ الله! ألا نتعلَّمُها؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمِعَها أن يتعلَّمَها».
لاتوجد تعليقات