تُجَّـــار اللجـــوء- عصابات تكسب المليارات من تهريب اللاجئين
فرضت الظروف السياسية والأمنية المعقدة في سوريا بروز هذه الجماعات المنتشرة على الحدود مع تركيا، وبعض السواحل الأوروبية، حتى باتت المئات من الأرواح تحصد برًا وبحرًا خلال عمليات التهريب
تتعدد طرائق التهريب للاجئين؛ إذ يتجمعون في صناديق السيارات، أو داخل حجرات سرية، داخل الشاحنات والباصات، ثم ينقلون عبر طرق التهريب غير الشرعية برًا، فيما يتم تهريب آخرين عبر الطرق البحرية
يتقاضى المهربون من كل شخص ما بين 400 إلى 700 جنيه إسترليني، وسط شروط بعدم السماح باصطحاب الكثير من الأمتعة والطعام والشراب
مهربو البشر إلى أوروبا، حَصّلوا ستة مليارات دولا خلال عام 2015، بعد أن دخل نحو مليون مهاجر إلى الاتحاد الأوروبي، دفع أغلبهم ما بين ثلاثة إلى ستة آلاف يورو
تتوالى العديد من قصص اللاجئين (المهرَّبين) ضمن تجارة باتت اليوم الأكثر رواجًا في منطقة الشرق الأوسط، متفوقة على المخدرات والسلاح، ليجني أصحابها، أو ما يطلق عليهم (عصابات تهريب البشر)، مئات الملايين من الدولارات، ممن يغامرون باجتياز الحدود البرية والبحرية لبلادهم، هربًا من قسوة الظروف.
أفراد، وأسر كاملة، أو جماعات قادمة من مناطق نزاع، تشتد فيها عمليات القتال، تكون ضحايا ابتزاز (جماعة تهريب البشر)، من خلال الدفع المسبق لها، مقابل الخروج الآمن عبر طرق مختلفة، تكون في معظم الأحيان محفوفة بالمخاطر.
أسباب رئيسة
تفاقم الأوضاع الأمنية والسياسية، وحتى الاقتصادية، في الدول التي تشهد اضطرابات، فتحت شهية هذه الجماعات للتربص بالمهاجرين، وجمع أكبر قدر من الأموال في الأماكن التي تشهد زحفًا لهم من أوطانهم، حتى إن الظروف العصيبة منحتها فرصًا أكثر لتنظيم عمليات الهاربين إلى دول أكثر أمنًا وحماية، فأصبحت تجارة رابحة انتعش منها العديد من الدول الأوروبية، تتشاركها أطراف عديدة، منها ممثلو الهيئات الأمنية، ومصالح الجمارك الذين يتلقون الرشاوى؛ مقابل السماح بعبور السيارات عبر المخافر الحدودية، وغيرهم.

حرب سوريا تُنشّط تجارة اللجوء
مع جماعات تهريب البشر، بدأ اللاجئون من ليبيا، والعراق، وسوريا، وبعض دول أفريقيا، في دفع مبلغ لا يقل عن 500 دولار للفرد الواحد، وصولًا إلى ستة آلاف دولار وأكثر، للفرد في بعض المناطق والدول الأخرى، لكن المدهش في الأمر أن (تجارة تهريب اللاجئين)، أضحت منظمة، ويديرها أشخاص باتوا على دراية بتفاصيل عملياتها.
ففي سوريا وحدها، فرضت الظروف السياسية والأمنية المعقدة، منذ خمس سنوات متواصلة، بروز هذه الجماعات المنتشرة على الحدود مع تركيا، وبعض السواحل الأوروبية، حتى باتت المئات من الأرواح تحصد برًا وبحرًا خلال عمليات التهريب.
ويوميا تخرج مئات من القوارب المطاطية من السواحل التركية من (أزمير)، و(بودروم)، و(مرمريس) إلى اليونان، ضمن قوارب يطلق عليها (الموت) كونها مهترئة؛ وتتسبب في غرق المئات من المهاجرين، فيما ينجو من الموت بأعجوبة من يحالفهم الحظ.
يُعِدُّ اللاجئ السوري وصوله إلى إحدى الجزر اليونانية العديدة في البحر المتوسط بداية موطئ قدم له ولعائلته في أوروبا؛ إذ تقدر الأمم المتحدة في تقريرها مؤخرًا أن عدد المهاجرين واللاجئين السوريين، الذين يعبرون (مقدونيا) باتجاه شمال غرب أوروبا، بثلاثة آلاف فرد يوميًا.
عند وصول اللاجئين إلى السواحل الإيطالية، تبدأ إجراءات السلطات لهم، والحصول على صورهم، وأسمائهم، دون القيام بإجراء البصمة لأغلب اللاجئين، لكن على نقاط عدة تقف (عصابات التهريب)، التي تتفق مع اللاجئين على إخراجهم وإرسالهم إلى المناطق التي يرغبون بها.
تجري المفاوضات على العائد المادي بين المهرب واللاجئ، ففي بعض الأحيان تصل كلفة الرحلة إلى ثلاثة آلاف يورو، حينما يقطع البحر المتوسط من ليبيا إلى إيطاليا، ومنها إلى وجهته النهائية.
فيما تصل الكلفة إلى 3500 يورو؛ لمن يريد العبور من تركيا إلى اليونان، ثم مقدونيا فصربيا، ومن ثم المجر؛ ليصل بعدها إلى الوجهة التي يريد، وهكذا تنتعش سوق (جماعات التهريب وتجارة اللاجئين).

الأزمة الليبية
لا يختلف الحال كثيرًا في ليبيا؛ كونها تعيش ظروفًا مشابهة لما يحدث في سوريا؛ إذ نشطت تجارة اللاجئين أكثر؛ عقب الإطاحة بنظام الرئيس الليبي الراحل (معمر القذافي) عام 2011، فباتت البلاد ممرًا للقادمين من دول الصراع في إفريقيا وآسيا متجهين إلى إيطاليا ومالطة، ودول أوروبا الجنوبية.
جماعات التهريب المنتشرة داخل ليبيا، وعلى حدودها، تدر ملايين الدولارات سنويًا من وراء تجارة اللجوء؛ إذ تبعد أقرب الشواطئ الإيطالية عن ليبيا 180 ميلًا فقط (290 كيلومتر)، فيما تنطلق يوميا من هناك قوارب باتجاه السواحل الإيطالية ليلًا، وسط مخاطر كبيرة.
ويتقاضى المهربون من كل شخص ما بين 400 إلى 700 جنيه إسترليني (ما بين 650 و1100 دولار فقط)، وسط شروط بعدم السماح للركاب باصطحاب الكثير من الأمتعة والطعام والشراب، خوفًا من أن تتأثر المراكب والقوارب المهترئة، فتوقع ضحايا.
وعلى الرغم من تقاضيهم مبالغ عالية للفرد الواحد، إلا أن القوارب والسفن التي يسافرون عبرها تكون غير مؤهلة لعبور مسافات طويلة إلى البر أو البحر، فضلًا عن أنها قوارب صغيرة لا تتسع للأعداد الكبيرة التي يضعها المهربون فيها، وهو ما يجعل اللاجئين أكثر عرضة لخطر الموت أو الغرق.
مجاعات إفريقيا وحروبها الأهلية
المجاعات، والفقر، والبطالة، والحروب الأهلية التي عصفت بالعديد من الدول الإفريقية، حتى أصبح السودان بحكم موقعه الجغرافي معبرًا وهدفًا للهجرة غير الشرعية، ولاسيما من الدول الإفريقية.
إلى جانب كونه أيضًا مصدرًا آخر للهجرات غير الشرعية، للمواطنين السودانيين إلى أوروبا وإسرائيل ودول الخليج؛ إذ ألقت السلطات السودانية بولاية البحر الأحمر، القبض على المتهم الرئيس في قضية تهريب البشر عام 2011، التي راح ضحيتها عدد من الأشخاص، بعد أن غرقوا في البحر الأحمر جنوب مدينة (سواكن) الساحلية، وعمليات أخرى عبر التسلل إلى حدود دول الجوار.
ويعد السودان أيضًا بالنسبة لأغلب (الإريتريين)، الذين يستهدفون الوصول إلى أوروبا، أول محطة كبرى لهم، وأحد طرق الوصول إلى هناك، عبر مخيمات اللاجئين في شمال (إثيوبيا)؛ إذ يدفع المسافرون ما يصل إلى 1600 دولار للوصول إلى العاصمة السودانية الخرطوم، هربًا من الظروف الأمنية والسياسية.
انتعاش اقتصادي
تجزم التقارير الوافدة من القارة الأوروبية تحديدًا أن آلاف اللاجئين الذين وصلوا إليها بطرق شرعية، وأخرى غير شرعية، ساهمت في توظيف العديد من الشباب العاملين، ضمن جماعات تهريب اللاجئين، وانتعاشهم اقتصاديًا، بعد جني أموال طائلة من عمليات التهريب.
وفي أحدث تقرير للشرطة الدولية (الإنتربول)، والأوروبية (يوروبول)، ذُكر أن مهربي البشر إلى أوروبا، حَصّلوا ستة مليارات دولا خلال عام 2015، بعد أن دخل نحو مليون مهاجر إلى الاتحاد الأوروبي، دفع أغلبهم ما بين ثلاثة إلى ستة آلاف يورو.
الهروب إلى الموت
وفي أغلب الأحيان، يُخاطر اللاجئون بحياتهم أكثر من أموالهم؛ إذ اكتشفت السلطات النمساوية خلال العام الماضي جثث 71 مهاجرًا ما بين 10 أشهر من العمر، وحتى 56 عامًا قضوا اختناقًا، داخل شاحنة نقل محكمة الإغلاق وعازلة للهواء، كانت قد غادرت صربيا، بعدما قطعت المجر، حتى وصلت النمسا.
ووفقًا للمكتب الأوروبي للشرطة، فإن 90% من أصل 1.1 مليون لاجئ، الذين وصلوا أوروبا العام الماضي، كانوا قد استعانوا بالمهربين لقطع أجزاء من رحلتهم، وأصبحت تركيا في الوقت الحالي أنشط وأخصب مكان لتجارتهم، ضمن رحلات خطرة بالقوارب عبر بحر (إيجه) إلى اليونان.

من يدير هذه الجماعات؟
ليس بالضرورة أن يكون المهرب من الدولة نفسها التي يسعى بعض سكانها الهروب من ظروفها المتفاقمة، فالعديد منهم يحملون جنسيات مختلفة، أفغانية وعراقية، وأريترية، وأخرى سورية وليبية؛ إذ يوجدون باستمرار عند نقاط العبور إلى الدول الأخرى، والحدود فيما بينهما وغيرها.
ومع انتشار شبكات المهربين، التي تضم في تشكيلتها البسيطة قادة الشبكات الذين ينسقون النشاط، وطريق التهريب، ومنظمين يشرفون على العمل محليًا، من خلال اتصالاتهم الشخصية، ومسهلين بسطاء يساعدون المنظمين في البحث عن الراغبين في الهجرة، باتت عمليات التهريب أكثر تنظيمًا من ذي قبل.
نقاط التهريب
أما بالنسبة لنقاط التهريب للفارين من بلدانهم، فهي غالبًا ما تكون محطات قطارات أو مطارات أو محطات حافلات، 170 منها داخل الاتحاد الأوروبي، و80 خارجها، وسط انتشار مكثف لجماعات التهريب.
بيد أن الأموال التي يحصلون عليها من اللاجئين، يتم نقلها عبر الحدود، وغسلها وإدخالها في الاقتصاد القانوني، في شركات بيع السيارات والمتاجر والمطاعم وشركات نقل المسافرين، وهو ما ساهم في انتعاش التجارة لديهم، وارتفاع مدخراتهم.
وغالبًا ما يكون المهربون من بلد المهاجرين، ولكنهم يحملون حق الإقامة في الاتحاد الأوروبي أو جواز سفر من دول الاتحاد، في المقابل فإن ظهور شبكات كبرى من أصحاب التهريب خلال السنوات القليلة الماضية، عملت على احتكار نشاط التجارة والتهريب على حسابات أخرى صغيرة.
أبرز أساليب التهريب وأسعارها
فرَض انتشار عصابات التهريب، في مناطق النزاع وحدود الجوار مع الدول الأوروبية تحديدًا، كونها الأكثر احتضانًا لها؛ وضع إجراءات مشددة للحد منها، بعد الأرباح التي يجنيها أفرادها؛ إذ عادت تجارة تهريب البشر إلى الرواج في العاصمة الصربية، وغيرها، داخل ممر هجرة البلقان.
لذلك تتعدد طرائق التهريب للاجئين؛ إذ يتجمعون في صناديق السيارات، أو داخل حجرات سرية، داخل الشاحنات والباصات، ثم ينقلون عبر طرق التهريب غير الشرعية برًا، فيما يتم تهريب آخرين عبر الطرق البحرية.
ومؤخرًا، باتت شبكات التواصل الاجتماعي تستخدم على نطاق واسع لتسويق خدمات المهرّبين، الذين ينشرون إعلانات مرفقة بصور معالم أوروبية شهيرة على (تويتر)، فضلًا عن إتاحتها فرصة إيجاد أفضل المهربين، مع تبادل أرقام الهاتف، ومقارنة الأسعار، التي تتراوح ما بين أربعة آلاف إلى ستة آلاف دولار للشخص.
على اللاجئ الواحد دفع تكلفة تبلغ ألف يورو؛ مقابل قطع مسافة 600 كيلو متر من الحدود اليونانية مع مقدونيا، وحتى العاصمة الصربية، وتزداد التكلفة من ألف إلى ثلاثة آلاف يورو أخرى لقطع 600 كيلومتر أخرى، نحو العاصمة النمساوية فيينا.
وبهذا تكون شبكات التهريب التي تعمل بين تركيا واليونان قد حصلت على دخل وقدره 150 مليون دولار أميركي، كما يترتب على اللاجئين دفع مبلغ وقدره ألف دولار، بغية عبور الحدود الصربية المجرية، ووصولاً للنمسا، عبر سيارات خاصة يديرها المهربون.

لاتوجد تعليقات