رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد آل رحيم 17 مايو، 2016 0 تعليق

فقه المآلات وأهميته في واقع الأمة

باب عظيم من أبواب الفقه له أهمية جليلة في واقع الأمة الإسلامية التى تتقاذفها الأمواج، وتتخبطها الفتن، واختلط  فيها الحابل بالنابل، وصار العالم عميلاً والسفيه مقدماً، والرويبضة يتكلمون في أمر العامة؛  وما ذاك إلا بسبب الجهل بالقواعد الشرعية وبمقاصد الشريعة وتنحية الدليل جانباً فآل الوضع إلي ما آل إليه من مفاسد كبيرة، وتعدٍّ على الدين والأنفس والأعراض والأموال والعقول، وهذا في الأصل تعد على ضروريات الشريعة الخمس.

     قال الشيخ ياسر برهامي: ففي زمن الفتنة يكثر التأويل واختلاف الناس في ميزان المصالح والمفاسد مع قلة العلم الشرعي وضعف الحس الذي يكون في القلب بموازين الشريعة العظيمة فيما يُقدم وفيما يُؤخر، فيما يُعظم وفيما يكون أقل من ذلك؛ فينبغي على من ليس عنده هذا العلم وهذه الموازين ألا يترك له الأمر.

تجرؤ الصغار

     والعجيب في زماننا أن الصغار -وعلى أحسن الأحوال المبتدئين في العلم- هم الذين يرون ويختارون الآراء، وقد بين النبي صلى الله علي وسلم أن من علامات الساعة وأمارتها التماس العلم عند الأصاغر, أي أهل البدع والأهواء ومن كانوا على قلة في الفقه وضعف في العلم، أو اتخذوا شيوخهم من الأصاغر، وعندها يتفرق الناس وتتعدد المذاهب، وتكثر الأحزاب والأهواء، ويُعجب كل ذي رأي برأيه، ويتشبث به ويناصره، ويبغض ويعادي من أجل الانتصار لرأيه وما هو عليه، ويبغض ويعادي مخالفيه، ويعتقد أنه على الحق وغيره على الباطل، وعندها تكون الهلكة, وهم يضغطون بآرائهم على من فوقهم من المشايخ والمنتسبون إلي العلم وقد يضطر هؤلاء المنتسبين للعلم تحت هذا الضغط إلى إصدار فتاوى يندمون عليها بعد ذلك أشد الندم، ويرجعون عنها حين يرون مدى خطرها وأثرها السيئ في الأمة، وكيف أنها تؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الحرمات، وقبل ذلك وبعده تخريب مجتمع وانهيار دولة يريد الأعداء لها أن تنهار (انتهى).

     وهنا تبرز أهمية هذا الفقه – فقه المآل-؛ حيث إنه يُنظر من خلاله إلى مآلات الأفعال، وبالتالي ينبغي ألا يُقدم المسلم على عمل إلا بعد أن ينظر في مآله، قال الشاطبي رحمه الله: إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً سواء أكانت الأفعال موافقة أم مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة على المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.

     وقال المعلمي -رحمه الله-: قد تدبرت أنواع الفساد فوجدت عامتها نشأت عن إماتة السنة أو إقامة البدعة، ووجدت أكثر المسلمين يبدو منهم الحرص على اتباع السنن واجتناب البدع، ولكن التبس عليهم الأمر، فزعموا في كثير من السنن أنه بدعه وفي كثير من البدع أنه سنة، وكلما قام عالم فقال هذا  سنة أو هذا بدعة عارضه عشرات أو مئات من الرؤساء في الدين الذين يزعمون أنهم علماء، فردوا يده في فيه، وبالغوا في تضليله والطعن فيه،   وأفتوا بوجوب قتله أو حبسه أو هجرانه،  وشمروا للإضرار  به  وبأهله وإخوانه،  وساعدهم ثلاثة من العلماء: عالم غال، وعالم مفتون بالدنيا ، وعالم قاصر في معرفه السنة وإن كان متبحرا في غيرها (انتهى)

     ولهذا صار المسلم بحاجة ملحة لهذا الفقه – المآل- في حياته العامة منها أم الخاصة، وسواء كان الاحتياج لدنياه أم لأخراه؛ لأن أفعاله كلها مرتبطة بمآلها؛ فعليه النظر فيه جيداً حتى تؤدي هذه الأفعال بالنسبة له ولأمته إلى استجلاب المصالح ودرء المفاسد للحفاظ على مقاصد الشريعة وضرورياتها والتعبد لله -تعالى- وفق  أصول منبثقة من الكتاب والسنة وأفعال الصحابة الكرام وسلف هذه الأمة الصالح رضوان الله عليهم.

     قال الدكتور يوسف حمتو: إن الله جعل لكل مقام مقالاً، ولكل مقال رجالاً، ولكل رجال فعالاً، ولكل فعل مآلاً؛ ومن ثم كان حقا على العاقل أن يقدر لكل أمر قدره، وأن ينظر فيما يصير إليه حاله؛ فلا يبني على الواقع الذي هو عليه، بل يستشرف ما يؤول إليه، وقديماً قالوا:

فلا يحزنك الشر قبل وقوعه

                                      ولا يفرحنك الخير والخير غائب

فإنك لا تدري وإن كنت حازما

                                      إلى أي أمر تؤول العواقب (انتهى)

وختاماً قال الشاطبي - رحمه الله - عن فقه المآلات: وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب، المذاق، محمود الغب جار على مقاصد الشريعة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك