فضيلة الشيخ سعود الشريم: فضل: لا حول ولا قوة إلا بالله
إنها الزادُ لمن أرادَ السداد، إنها أُنسُ المهمُوم وجلاء المغمُوم، من التزمَها سعِد وربِح، ومن زهِد فيها شقِيَ وخسِر
أيها المهمُوم! قِف قليلاً ثم تأمَّل ما تحمِلُه هذه الكلمة من المعاني العظيمة، والاعتِصام الجليل بمن يمينُه ملأى لا يغيضُها شيء
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (فضل: لا حول ولا قوة إلا بالله)، التي تحدَّث فيها عن كنزٍ من كنوز الجنة، وهو قولُ: لا حول ولا قوة إلا بالله، مُبيِّنًا معناها وفضائلَها، وذكرَ أخطاءَ الناسَ مع هذه الكلمة المُبارَكة، وكان مما جاء في خطبته:
إن الله خلقَ الإنسانَ وصوَّرَه فأحسنَ صورتَه، وجعلَه في أحسن تقويم، يغدُو ويرُوح في مهامِ الحياة ودُروبِها، فبائِعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها، ينصَبُ لأجلِ أن يأكُل، ويلهَث من أجل أن يرتاح، {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (الانشقاق: 6).
ومع هذا كلِّه، فإن الإنسانَ بغير إيمانٍ مخلوقٌ ضعيفٌ، إن أصابَه شرٌّ جزِع، وإن أصابَه خيرٌ منَع، وهو في كِلتا الحالَين قلِقٌ هلِع، مجهُود البدَن، كسيرُ النفس، خائِبُ الرجاء إلا من رحِمَ ربِّي، ولقد صدقَ الله: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 28).
إنه ما منَّا من أحدٍ إلا تعتَرِيه هُمومٌ وغُمومٌ ومضايِق، تتقاذَفُه نوائِبُ الحياة وصُروفُها يمنةً ويسرةً، إبَّانَ مُعافَسَته أهلَه وولدَه وأقرانَه، تعتَرِيه تلكُم النوائِب وتعترِضُه اعتراضَ الغُيومِ للقَمَرين، فتحجِبُ ضوءَهما. ثم يلهَثُ جاهِدًا للنجاة مما اعتراه، حتى يجِد ملجأً أو مغاراتٍ أو مُدَّخلاً فرارًا مما يُلِمُّ به.
يطرُقُ أبوابَ الناسِ المُغلَقة، ولا يطرُقُ بابَ الله المفتُوح، يُقطِّعُ الأوقات في بثِّ همِّه وغمِّه إلى الناس مع ضعفِهم وقلَّة حيلتِهم، ولا يُقطِّعُ وقتَه في بثِّ همِّه وغمِّه إلى من لا تخفَى عليه خافِية، من لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، من يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه، ويكشِفُ السوءَ، من بيدِه ملكُوتُ كل شيءٍ وهو يُجيرُ ولا يُجارُ عليه.
كنز من كنوز الجنة
ولو فرَّ مثلُ هذا إلى ربِّه لأحيا ضميرَه، وزكَّى نفسَه، وطهَّر قلبَه، وأمدَّه بالعَون والتوفيقِ، وفتحَ عليه من المعرفةِ به ومعرفةِ وسائل الوُصولِ إليه الشيءَ الكثير، ومن ذلكم: أن يهدِيَه إلى كنزٍ من كُنوز الجنة، وبابٍ من أبوابِها التي قد غفلَ عنها بعد أن ألهَته الدنيا والوحشةُ بينه وبين ربِّه عن إدراكِها وإدراكِ أثرِها.
ففي (الصحيحين): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعريِّ: «يا عبدَ الله بن قيس! قُل: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ فإنها كنزٌ من كنوز الجنة»، وفي روايةٍ عند الإمام أحمد والحاكم: «أنها بابٌ من أبوابِ الجنة»، إنها الكنزُ الذي يفتقِرُ إليه كلُّ واحدٍ منَّا، إنه الكنزُ الغائِبُ عن أوساطِنا، إنه الكنزُ العظيم ذو الثمن الضَّئيل، إنها كلمةٌ عظيمةٌ مليئةٌ بكل معاني التوحيد واللُّجوء إلى الله، والبراءة من حَول العبد الضعيف وقوَّته إلى حَول العظيم الجبَّار وقوَّته.
الزادُ لمن أرادَ السداد
إنها الزادُ لمن أرادَ السداد، إنها أُنسُ المهمُوم وجلاء المغمُوم، من التزمَها سعِد وربِح، ومن زهِد فيها شقِيَ وخسِر؛ كيف لا وهي من الباقِيات الصالِحات التي قال عنها النبيصلى الله عليه وسلم : «استكثِروا من الباقِيات الصالِحات». قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمدُ لله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»؛ رواه أحمد وابن حبان.
عجبًا للعبد يشغَلُه حولُ البشر وقوَّتهم عن حَول الله وقوَّته! عجبًا له كيف يزهَدُ في هذا البابِ المُوصِلِ إلى الكنز؟! أما لو ردَّد المظلُوم وذو المضايِق، وأكثرَ من قولِها مُوقِنًا بها، لفتحَ الله بها من أبواب الرِّضا ما يطيشُ أمامَها كلُّ همٍّ وغمٍّ وحُزنٍ وكآبة؛ فهي مِفتاحُ الإيمان، ومِفتاحُ الإعانة، كما قال شيخُ الإسلام وغيرُه؛ لأنه بذكرِ الحوقلَة يُفوِّضُ أمرَه إلى القاهرِ فوقَ عبادِه وهو الحكيمُ الخبير، فكأنَّ المُحوقِل يقول: لا حركةَ لي ولا استطاعةَ ولا تحوُّل من حالٍ إلى حالٍ إلا بحَول الله وقوَّته.
لذلكم جاء في فضائلِها أحاديثُ كثيرة بذكرِها مُفردة وذكرِها مقرونةً بغيرها؛ لأنها تُوجِبُ الإعانةَ من الله لقائلِها، فلأجل ذلك سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المُؤذِّن: «حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح”، فيقول المُستمِع: “لا حول ولا قوة إلا بالله».
ألا أيها المهمُوم! قِف قليلاً ثم تأمَّل ما تحمِلُه هذه الكلمة من المعاني العظيمة، والاعتِصام الجليل بمن يمينُه ملأى لا يغيضُها شيء، سحَّاءَ الليل والنهار، أرأيتُم ما أنفقَ منذ خلقَ السماءَ والأرضَ، فإنه لم يغِض ما في يمينِه. بذلكم أخبرَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكرَ جماعةٌ من المُفسِّرين والمُحدِّثين قصةً حسَّنها بعضُهم بمجمُوع طُرقِها، وهي:
أن عوفَ بن مالكٍ الأشجعيِّ أسرَ المُشرِكون ابنًا له يُسمَّى (مالِكًا)، قال: يا رسولَ الله! أسرَ العدوُّ ابنِي، وشكَا إليه الفاقةَ أيضًا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقِ الله واصبِر، وأكثِر من قولِ: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله». ففعلَ الرجلُ ذلك. فبينما هو في بيتِه إذ أتاه ابنُه وقد غفلَ عنه العدوُّ، فأصابَ إبلاً فغنِمَها وجاءَ بها إلى أبيه.
الله أكبر! ما أعظمَها من كلمة، والله أكبر! ما أعظمَ أثرَها، والله أكبر! ما أغفلَ الناس عنها قولاً وعملاً، وهي سهلةٌ يسيرةٌ يستطيعُها القويُّ والضعيفُ، والغنيُّ والفقيرُ، ومن هو على فراشِ العَجز والمرضِ.
يا ربُّ أنت كلما رزقتَني
رأيتُ خيرًا سابِغًا لا حدَّ له
رزَقتَني وأنت خيرُ رازِقٍ
أزحتَ يا قديرُ كلَّ مُعضِلة
تطوفُ بي مضايِقٌ أخالُها
لا تنتهِي فتنتهِي بالحوقَلَة
يأتي إليك المُستجيرُ ماشِيًا
وأنت يا ذا الجُودِ تأتي هروَلَة
ولقد صدقَ الله - جلَّ شأنُه -، كما في الحديث القدسيِّ إذ يقول: «أنا عند ظنِّ عبدِي بي، وأنا معه حين يذكُرني..» الحديث؛ رواه مسلم.
غراس الجنة
وإن تعجَبُوا فعجَبٌ كيف يحرِصُ الواحدُ منَّا في دُنياه على إحسانِ غِراسِ بيتِه وتجميلِه بأطايِبِ الغِراسِ المُثمِر والغِراسِ الزاكِي، مهما كلَّفَه ذلك من الجُهد والمال والفِكر، فيا ليتَ شِعري! هل نستحضِر أمام ذلكُم غِراسًا عظيمًا في دارٍ فيها ما لا عينٌ رأَت، ولا أُذُنٌ سمِعَت، ولا خطرَ على قلبِ بشر؟!
إنه غِراسٌ لا يُمكن أن يتصوَّرَه أحدٌ مهما أُوتِيَ من قوَّة الخيالِ والتخيُّل، ولا يُمكنُ أن يُحيطَ بكُنهِه لا في يقظَةٍ ولا في منام. إنها غِراسُ الجنَّة: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسريَ به مرَّ على أبينَا إبراهيم - عليه السلام-، فقال: «يا محمد! مُر أمَّتكَ أن يُكثِروا من غِراسِ الجنة»، قال: «وما غِراسُ الجنة؟»، قال: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»؛ رواه أحمد وابن حبَّان.
فعجبًا لمن يقنَط وعنده لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله! وعجبًا لمن يقلَق وعنده لا حولاَ ولا قوةَ إلا بالله! وعجبًا لمن استثقَلَ شيئًا أو استبطأَه وعنده لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله! ألا والله وبالله وتالله إن ذلكم هو التفريطُ بقضِّه وقضيضِه.
أخطاء الناس فيها
ثم اعلَموا - يا رعاكم الله - أن ثمَّةَ أقوامًا يُخطِئون مع هذه الكلمة العظيمة خطأين بيِّنَين:
- أولُهما: أنهم يجعلُون هذه الكلمة تُقالُ في المصائِبِ والمِحَن التي ينبغي أن يُقال فيها: «إنا لله وإنا إليه راجِعون»، وهذا خلافُ ما دلّت عليه النصوصُ من موضعِ إيرادِها. فقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وذلك أن هذه الكلمة - أي: لا حول ولا قوة إلا بالله - هي كلمةُ استِعانة لا كلمةَ استِرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولُها عند المصائِب بمنزلةِ الاستِرجاع، ويقولُها جزعًا لا صبرًا». اهـ كلامُه.
- وأما الخطأُ الآخر - عباد الله -: فهو إهمالُ بعضهم وتساهُلُهم في نُطقِها، إما جهلاً أو كسلاً، فيقولُون: لا حولِ لله! وفي هذا إخلالٌ - كما لا يخفَى -؛ حيث لا تحمِلُ إلا معنى النفيِ وحسب، وهذا خطأٌ ظاهرٌ؛ فالكلمةُ نفيٌ وإثباتٌ، ثبَّتَنا الله وإياكُم على طاعتِه، وأعانَنا على ذكرِه وشُكرِه وحُسن عبادتِه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، عليه توكَّلنا وإليه المصير.
لاتوجد تعليقات