كلمات في حق فضيلة الشيخ الوالد أبي زيد محمد حمزة رحمه الله-إمام الدعوة السلفية في السودان
كان يقوم بواجب النصح لولاة الأمر ولعامة الناس، ويحظى بصلات وثيقة مع مختلف شرائح المجتمع وتنظيماته، فضلاً عن علاقاته المتميزة مع الهيئات الخيرية والدعوية
في الثالث عشر من شهر رجب سنة 1436هـ الموافق للثالث من مايو سنة 2015م، غيَّب الموت فضيلة الشيخ الوالد أبي زيد محمد حمزة أحد أئمة الدعوة السلفية وأعلامها بالسودان، عن عمر ناهز تسعين عاماً، بعد مسيرة حافلة في الدعوة إلى توحيد الله -تعالى- وتصحيح العقيدة، امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان.
ولد الشيخ أبو زيد محمد حمزة -رحمه الله- بقرية (أشكيت) التي تقع بمنطقة وادي حلفا شمال السودان عام 1925م؛ حيث نشأ وترعرع وبدأ تعليمه، ومن ثم سافر إلى مصر بصحبة والده عام 1936م ليتلقى فيها دراسات في القرآن الكريم، فكان أن التحق بالأزهر عام 1942م.
نقطة الانطلاقة:
كانت نقطة التحول في حياة الشيخ بتعرفه على دعوة جماعة أنصار السنة المحمدية التي أسسها فضيلة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، ووقوفه على مجاهدات الشيخ وطلابه في رفع راية التوحيد ومحاربة الشرك، فكان أن قرر الالتحاق بمعهد أنصار السنة المحمدية الذي أنشأه الشيخ الفقي.
وفي ذلك المعهد، تلقى العلم الشرعي على يد الشيخ الفقي، وظل ملازماً له؛ وتتلمذ على يديه حتى وفاته، ثم عاد إلى السودان عام 1959م ليدعو إلى توحيد الله -تعالى- ونبذ الشرك والبدع والعقائد المنحرفة التي استشرت في المجتمع، وكرس لها المستعمر الإنجليزي الذي قرَّب مشايخ الطرق الصوفية، ومكَّن لبعضها في الساحة السياسية السودانية، وأهمل عن قصد التعليم الديني وخريجي المعاهد الدينية.
سماته وسمته:
عُرف -رحمه الله- بسمته الوقور وهيبته وجده في مواضع الجد، فضلاً عن دقة مواعيده وعدم تغيبه عنها إلا لعذر قاهر، مع لين جانب وتبسم وطرفة وإنزال للناس منازلهم، مع حبه وإحسانه للفقراء والمساكين، ومشاركته للناس أفراحهم وأتراحهم. وكان من تواضعه أنه يستقبل ضيوفه بنفسه، ولا يأنف من إكرامهم، ويودعهم خارج البيت، ويدعو لهم بالخير.
تخفف من الدنيا، وزهد فيها، ورضي منها بالكفاف وسترة الحال، ولو أرادها لأتته صاغرة وقد بلغ ما بلغ من المكانة والمنزلة، فكان ملبسه بسيطا،ً ومطعمه كفافاً، ومسكنه متواضعاً، لم يتميز فيه بشيء عن سائر بيوت الحي الذي يسكنه.
وأذكر أنني صليت ذات يوم إلى جواره مأمَومين في إحدى الصلوات السرية، فما إن صلينا ركعة حتى سمعت نشيج بكاء الشيخ وهو يستشعر وقوفه بين يدي الله جل وعلا.
منهجه وأسلوبه في الدعوة:
كانت قضية توحيد الله -جل وعلا- وإفراده بالعبودية ودعوة الناس إلى اتباع السلف الصالح هي قضيته الأولى وهمَّه الشاغل، فقد أفنى حياته داعياً إلى التعلق بالله جل وعلا، وتصحيح العقيدة، وتنقيتها من شوائب الشرك والرياء والبدع، كما اعتنى بتزكية النفس وتحسين الأخلاق وتعليم الأدب لطلابه.
وعرف الشيخ بقوة شخصيته وصدعه بالحق والثبات على المواقف، وكان صوته الجهوري يهدر في خطبه ومحاضراته، ليبدد بنور التوحيد ظلمات الشرك والمعاصي؛ حتى سمِّي بـ(أسد التوحيد). ومع ذلك لم يُعرف عنه -رحمه الله- إساءة لأحد في منبره أو محاضراته أو دروسه، بل كان عفيف اللسان يترفع عن حظوظ النفس وهواها، ويخاطب الناس برفق وحكمة ومراعاة لحالهم، ويتبسط في أسلوبه إن دعا الأمر ليقرِّب الأفهام، ضارباً الأمثال من الواقع المعاش ومفردات الحياة اليومية؛ فكان أن حظيت مواعظه وخطبه بالقبول والحضور الغفير الذي يمثل المجتمع بمختلف أطيافه ومشاربه.
سئل في حوار أجراه معه الصحفي حيدر عبد الحفيظ في صحيفة (اليوم التالي) السودانية: ما الوظائف التي عملت بها؟ فأجاب: «لم أعمل في أي وظيفة سوى الدعوة إلى الله جل وعلا»؛ فقد كانت الدعوة قضيته التي عاش ومات عليها، ونسأل الله أن يبعث عليها بإذن الله تعالى. وكانت آخر وصاياه للدعاة التركيز على التوحيد وتصحيح العقيدة وإصلاح المجتمع والصبر على الدعوة.
ابتلاءات في الدعوة:
لم يكن الطريق ممهداً أمام الشيخ أو مفروشاً بالورود؛ فعانى ما عانى، وابتُلي في الدعوة بلاءً عظيماً، في وقت كان التمسك فيه بالدين على منهاج سلف الأمة غريباً، ودعاة التوحيد يُرمَون بأقذع الألقاب والعبارات، ويوصفون بأنهم ابتدعوا ديناً جديداً؛ فكان أن أُودع السجن مرات عدة، وقوبل بالشتم والضرب والتعذيب، لكنه صبر واحتسب الأجر والثواب عند الله تعالى، حتى أظهر الله الحق على يديه، ورفع راية التوحيد، فتحقق فيه مصداق قول الله جل وعلا: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونََ} (السجدة: 24).
إبان حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري أرادت الحكومة أن تبني قصر الشباب والأطفال في موقعه الحالي بأمدرمان، ولكن المشكلة التي واجهت الجهات المسؤولة هي وجود قبر بالموقع المحدد لأحد المشايخ الذين يُعتقد فيهم الولاية والنفع والضر، فلم يجدوا أحداً يتصدى لنبش قبر هذا الشيخ سوى الشيخ أبي زيد محمد حمزة رحمه الله.
وبالفعل جيء بالشيخ الذي أعلن موافقته وترحيبه بالمهمة التي أوكلت إليه، وأُعطي (طورية) ليبدأ في نبش القبر على مرأى ومسمع من جمع غفير. وما إن شرع في الحفر حتى ابتعد الناس عنه، وكثير منهم يظن أن مصيبة سوف تحل به، ولكنه توكل على الله تعالى، وأقدم بكل ثبات على تنفيذ المهمة حتى نبش القبر؛ فكان مثار إعجاب الحضور ودهشتهم، وسبباً في اقتناع كثير منهم بأن الموتى لا ينفعون ولا يضرون.
دعوة مباركة:
إن تأثير الشيخ أبي زيد -رحمه الله- لم ينحصر في حدود السودان الذي جاب مدنه وقراه منذ شبابه وحتى آخر أيام حياته، مداوماً على ذلك رغم كبر سنه ومرضه ووصية الأطباء له بالراحة، ولا سيما معاناته من قلبه الذي يعمل بثلث طاقته، فلم يتوانَ عن الدعوة بنشاط وهمة عالية، أدهشت الشباب قبل الشيوخ؛ فكان يجوب الفيافي والوديان؛ ليبلغ دعوة الله جل وعلا، لا يلتفت لنصائح الأطباء التي تطالبه بالحد من العمل الدعوي، ولا يكترث بإرشاداتهم المقيدة؛ ﻷنه يجد في الدعوة إلى الله حياته وسعادته وصحته.
وامتد تأثير دعوة الشيخ -رحمه الله- إلى إفريقيا بأسرها؛ إذ ظل مسجده الذي خطب فيه وأمّ المصلين لأكثر من نصف قرن من الزمان (منذ عام 1962 وحتى وفاته) بحيِّ (الثورة الحارة الأولى) -أحد أحياء مدينة (أمدرمان) التي تشكل مع (الخرطوم) و(الخرطوم بحري) العاصمة المثلثة-، ظل هذا المسجد يخرِّج علماء ودعاة لكل إفريقيا، وقد ذكر فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم محمد عبد الكريم أنهم التقوا ذات مرة في أدغال إفريقيا بدعاة ذكروا لهم أنهم تلاميذ للشيخ أبي زيد رحمه الله، بل وصل الشيخ بدعوته دولاً مثل المملكة العربية السعودية؛ حيث كان مسموحاً له بتقديم المواعظ في الحرم المكي، إضافة إلى سفره لإلقاء المحاضرات والدروس في دول مثل مصر، هولندا، بليجيكا، فرنسا وألمانيا.
ووصل تأثير الشيخ لدرجة أن هناك قرية في جنوب كردفان (غرب السودان) سميت بقرية (الشيخ أبي زيد محمد حمزة)، 95% من سكانها يتبعون منهج الشيخ في التوحيد والدعوة والإصلاح بحمد الله تعالى.
وكان للشيخ رحمه الله علاقات طيبة ومكانة علمية واجتماعية سامية، فكان يقوم بواجب النصح لولاة الأمر كما كان يقوم به لعامة الناس، ويحظى بصلات وثيقة مع مختلف شرائح المجتمع وتنظيماته، إضافة إلى علاقاته المتميزة مع الهيئات الخيرية والدعوية والمشايخ داخل السودان وخارجه.
وفاته رحمه الله:
في ظهر يوم الأحد الثالث عشر من شهر رجب سنة 1436هـ الموافق للثالث من مايو سنة 2015م تناقل الناس خبر وفاة الشيخ أبي زيد محمد حمزة الذي كان طريح الفراش في المستشفى قرابة الأسبوعين إثر حادث سير تعرض له، فما هي إلا ساعات قلائل حتى شهد حي (الثورة الحارة الأولى) موكباً مهيباً يضم عشرات الآلاف من الجموع الغفيرة التي يتقدمها رئيس الجمهورية وكبار رجالات الدولة والعلماء والدعاة وممثلون لمختلف فئات المجتمع وأطيافه وأصدقاء الشيخ وتلاميذه ومعارفه وأحبابه من داخل السودان وخارجه، شيعواً جميعاً جثمان الشيخ إلى مقابر (أحمد شرفي)؛ ليؤكدوا مكانته الكبيرة ومحبته في النفوس وتأثيره العميق، والفقد الجلل بوفاته.
فرحم الله الشيخ الأمة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وعزاؤنا أنه كان حتى آخر حياته داعياً إلى الله -جل وعلا-، فقد كان من آخر وصاياه لمن حوله (الاجتهاد في دعوة التوحيد والصبر على ذلك حتى يلقوا الله عزَّ وجلَّ).
لاتوجد تعليقات