في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية في مصر- الإصلاح السياسي هل يعيد مصر إلى دورها الريادي؟
رفع الدعم عن الوقود والمياه والكهرباء والسلع التموينية هو وإن كان حلاً اقتصادياً سليماً إلا أنه ينبغي أن يتزامن مع حزمة من الإجراءات الأخرى
في لحظة ما تخيل المصريون أن رياح الثورة التي طافت ببلادهم في ٢٥ يناير ٢٠١١ ستحمل لهم الرفاهية التي طالما تمنوها ووعدوا بها عبر عقود، وظنوا أن الحائل دونها هو وجود شخصية ما في سدة المسؤولية، حملوها كل آثام التأخر والتردي الاقتصادي للبلاد، وهذا وإن كان صحيحاً بصورة أو بأخرى إلا أن ما فاتهم هو أن الحلول السحرية لا مكان لها في مجتمع يقرب عدد سكانه من المائة مليون نسمة، ويعاني مشكلات اقتصادية لا حصر لها، تضرب بجذورها بعيداً في بلد تم استنزافه عبر عقود طويلة على أيدي محتلين خارجيين ثم بأيدي قيادات لم يكونوا على قدر المسؤولية، بل وعمل كثير منهم على تحصيل مصالحه الخاصة دون النظر إلى طبقات الفقر والمرض التي تتراكم على البلاد، وتقضي بالتدريج على آمال المصريين.
الحقيقة المرة
هذه الحقيقة المرة انتبه لها المصريون مؤخراً بعد التتابع السريع في تولي الرؤساء والحكومات منذ ٢٥ يناير، واستخدام (كارت) التنمية الاقتصادية على سبيل الوعود الانتخابية والسياسية، ليكتشف رجل الشارع البسيط ما لم يكن يعلمه من كون الأمر أعقد بكثير من مجرد رئيس يأتي أو يرحل، بل إن الأمر يمتد إلى منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية في غاية التعقيد، ولا ينتهي تعقيدها وتشابكها فقط على المستوى المحلي بل ويرتبط بالوضع السياسي والاقتصادي العالمي ارتباطاً شديداً يكاد يكون مكبلاً في أغلب الأحيان.
الأوضاع قبل 25 يناير
قبل ثورة ٢٥يناير وصل مستوى العجز في الاقتصاد المصري والميزانية السنوية درجة غير مسبوقة، مع تأخر معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة والعنف والسرقة والفساد والزيادة السكانية؛ كل ذلك دفع الكثير من المراقبين والمحللين إلى التحذير من ثورة جياع محتملة في الطريق تقضي على الأخضر واليابس، وهو ما كون بيئة مناسبة لشرارة الثورة التي انطلقت تنادي شعاراتها بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ومع التغيرات السياسية التي حدثت حينها بدا وكأن المصريين نفد صبرهم، ولم يعد باستطاعتهم تحمل المزيد؛ فانفجرت فيضانات مطالبهم ومظالمهم مرة واحدة في وجه الحكومة الانتقالية التي أرادت أن تدير دفة السفينة، وتصل إلى مرحلة من الاستقرار ولكن بالأسلوب ذاته الذي اعتمده النظام السابق، استجابة لبعض المطالب الفئوية، تسكين لبعض المشكلات، الكثير والكثير من القروض الداخلية والخارجية؛ لتكون النتيجة مزيداً من الغرق في مستنقع الديون وفوائدها والعجز عن الوفاء بالمطالب المتضاعفة مع انهيار كبير في العملية الاستثمارية والإنتاج نتيجة الخلل السياسي والفراغ الأمني والاضطراب الاجتماعي.
مشكلة معقدة
معقدة هي المشكلة الاقتصادية المصرية، ومن غير الموضوعي النظر لها من جانب واحد أو في فترة زمنية معينة مهما كان زخمها دون النظر الدقيق في أصول المشكلة المتراكمة عبر سنين، فنتيجة لغياب التخطيط العمراني والاقتصادي، تم إثقال مصر بديون خارجية باهظة كانت ثغرة واسعة دلف منها الاحتلال الغربي البريطاني ليجثم على صدر مصر فترة طويلة؛ أدت إلى مزيد من التأخر في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وإلى إنهاك البلاد واستنزاف مواردها في حلقة من حلقات الاستنزاف الاستعماري لمصر الذي يمتد إلى قرون سابقة، لينتهي الأمر بدين ضخم يجثم على صدر البلاد.
وبالتالي فإن منحنى التردي في الأوضاع الاقتصادية برغم حدة هبوطه الشديدة في مرحلة ما بعد ٢٥ يناير إلا أنه يأتي نتيجة طبيعية واستمراراً لما كان عليه الوضع قبل ذلك؛ حيث لم تتغير المشكلات، فقط ازدادت حدتها وأضيفت إليها مشكلات جديدة نتيجة الاضطراب السياسي والأمني.
ويمكن إيجاز هذه المشكلات المزمنة والطارئة فيما يلي:
١- غياب التخطيط والتوسع العمراني والاستثماري.
٢- غياب التخطيط التشريعي الذي يوفر بيئة مناسبة للاستثمارات الداخلية والخارجية.
٣- إهدار و سوء إدارة موارد البلاد المتعددة والمتمثلة في الموارد الطبيعية والبشرية الهائلة وغياب مفهوم الاستثمار في الموارد البشرية وتنميتها بالتعليم والتدريب؛ مما يجعل الزيادة السكانية عبئاً متضاعفاً لا فرصاً تنموية كما ينبغي أن يكون الحال.
٤- انخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي والزيادة المضطردة في نصيب الفرد من إجمالي الديون الداخلية والخارجية.
٥- الفساد الهيكلي والإداري والمالي لأجهزة الدولة واستنزاف موارد البلاد في تغطية نفقات غير استثمارية بل وفي تغطية الفشل الإداري والهشاشة الهيكلية للدولة.
٦- ضعف منظومة العدالة وفسادها بما يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال والكفاءات خارج البلاد سواء كان رأس المال الوطني أم الأجنبي، فضلاً عن امتناع رأس المال الأجنبي من الإقدام على الاستثمار في بيئة غير مناسبة كتلك التي تجتمع فيها كل العوامل السابقة.
٧- غياب الخطط التنموية والاستثمارية الخاصة بالدولة لتغطية نفقاتها الأساسية واللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي؛ مما يؤدي إلى عجز هائل في الموازنة، وبالتالي يزداد التردي الاقتصادي نتيجة عوائد الديون وتكاليف خدمتها، وبالتالي خفض التصنيف الائتماني للبلاد.
٨- انهيار الاحتياطي من العملة الأجنبية بما يؤثر على العملية الصناعية، وعلى التمثيل التجاري المتبادل مع الخارج نتيجة انهيار قيمة العملة المحلية وزيادة التضخم.
٩- انهيار المنظومة الأمنية في مواجهة أنواع الفساد وجرائم الأموال والأرواح وانتشار تجارة المخدرات وغيرها؛ بما يؤدي إلى ضعف القدرة الإنتاجية للمجتمع.
١٠- غياب المشروعات القومية التي يلتف حولها المجتمع وبالتالي تتشرذم رؤوس الأموال الوطنية الكبيرة والصغيرة، وتسود روح الانتهازية، وتغيب مصلحة الوطن العامة.
١١- تردي الدعم الحكومي الموجه لقطاعات التعليم والصحة في مقابل زيادة الإنفاق الترفي الحكومي وفاتورة الفساد المتضخمة، مع سوء توزيع الدعم وعدم وصوله إلى مستحقيه من الفقراء وأبناء الطبقات الكادحة.
١٢- غياب منظومة موحدة عادلة تتعامل مع الحدود الدنيا والقصوى للأجور وعدد ساعات العمل الحقيقية وبدلات طبيعة العمل.
لغة الأرقام
هذه الأسباب السابقة تكوِّن تشخيصاً لأمراض يمكن تناولها بطريقتين، الأولى لغة الأرقام، والثانية اللغة التي يفهما ويتأثر بها رجل الشارع العادي مباشرة، فمن جهة الأرقام الرسمية الصادرة من البنك المركزي والهيئة العامة للاستعلامات فإنها تفيد بما يأتي:
- ارتفاع إجمالي الدين العام المصري ليبلغ أكثر من 283 مليار دولار بنهاية شهر مارس الماضي، ليتجاوز بذلك الدين العام لمصر مستوى ناتجها الإجمالي المحلي؛ حيث بلغ نسبة 104% من قيمة الناتج المحلي.
- تقارب حصة الفرد من إجمالي الديون العامة 23 ألف جنيه.
- فوائد الديون وحدها خلال أول عشرة أشهر من السنة المالية الماضية نمت بأكثر من 20% متجاوزة 31 مليار دولار، وهو ما يساوي ضعف قيمة أجور نحو 5.5 ملايين عامل مصري.
- معظم إيرادات الدولة تذهب إلى إنفاق استهلاكي؛ فالفوائد والدعم وأجور العاملين في الدولة وخدمة الدين تمثل تقريباً 95% من الإنفاق في الموازنة العامة في الدولة.
- تبلغ نسبة الفقر في مصر26.5% .
- زيادة العجز في الميزان التجاري ليصل لنحو 27 مليار دولار نهاية العام المالي 2012/2013.
لغة الشارع
أما على صعيد الشارع المصري فإن أكثر ما يشعر به المواطن يتمثل في:
١- البطالة المتزايدة التي تصل إلى ما يقارب ١٣ ٪ وفق الأرقام الرسمية خلال عام ٢٠١٤.
٢- انخفاض قيمة العملة المحلية وتردي قدرتها الشرائية.
٣- ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية وعدم القدرة على الوفاء بالاحتياجات الشهرية للأسرة، لاسيما مع تدني الدخول.
٤- ارتفاع معدلات السرقة والجريمة نتيجة للفقر والبطالة وضعف الوازع الديني.
٥- رفع الدعم عن الوقود والمياه والكهرباء والسلع التموينية هو وإن كان حلاً اقتصادياً سليماً إلا أنه ينبغي أن يتزامن مع حزمة من الإجراءات الأخرى التي تعود بالنفع المباشر على المواطن الذي لا يناله من ذلك بصفة مباشرة إلا ارتفاع الأسعار.
٦- تدني مستوى الخدمات بصفة عامة ولاسيما الأزمة السنوية بانقطاع التيار الكهربي لساعات طويلة من اليوم وما يترتب عليه من خسائر فادحة على كل المستويات.
عودة إلى الإصلاح السياسي
بعد تجربتين لتحقيق الآمال العريضة للشعب، كانت النتائج أكثر سلبية والأوضاع الاقتصادية أكثر تدهوراً من السابق، وأصبح الحديث الأكثر حضوراً هو الرغبة في الاستقرار السياسي والاجتماعي من أجل استمرار عجلة الحياة وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين بعيداً عن الأحلام العريضة الخاصة بالإصلاح السياسي للدرجة التي جعلت أي إجراء مهما كان شكلياً أو محدوداً في هذا الاتجاه يمثل تجديداً للآمال المحطمة وسبباً لإرضاء جماهير نزلت كثيراً بسقف طموحاتها إلى حدودها الدنيا.
لاتوجد تعليقات