شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 134 ) باب: الجَمْعُ بينَ الصَّلاتين في الحَضَر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
442.عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: جَمَعَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، والْمَغْرِبِ والْعِشَاءِ ، بِالْمَدِينَةِ في غَيْرِ خَوْفٍ ولَا مَطَرٍ. فِي حديثِ وَكِيعٍ قَال : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَال : كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
وفي حديثِ أَبي مُعَاويَةَ: قيل لابْنِ عَبَّاسٍ: ما أَرادَ إِلَى ذلكَ؟ قَال أَرَادَ أَلَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
الشرح: قال المنذري: باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين ( 2/602 ).
قوله: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، والْمَغْرِبِ والْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ في غَيْرِ خَوْفٍ ولَا مَطَرٍ». حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- هذا، أصلٌ في جمع المقيم.
وقد ذهب جماعةٌ من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث؛ فجوّزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقاً، لكن بشرط ألا يُتخذ ذلك عادة، وممن قال به: ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير ، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. فتح الباري ( 2/24 ).
وقد قال بعض العلماء : لا يصح في سبب الجمع، سوى ما قاله فيه راويه : «أراد ألا يُحرج أمته» والقاعدة أنّ الراوي أدرى بمرويِّـه.
ومنطوق حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير عُـذر.
ومفهومه: أنّ الخوف والمطر والسفر والمرض ونحوها، أعذارٌ تُبيح الجمع من باب أولى.
قال الإمام الشافعي في الأم ( 7 / 205): وإنما ذهب الناس في هذا مذاهب، فمنهم مَن قال: جمع بالمدينة توسعةً على أمته؛ لئلا يُحرج منهم أحداً إنْ جَمَع بحال. قال: وليس لأحدٍ أن يتأوّل في الحديث ما ليس فيه.
وقال النووي: ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد ألا يُحرج أمته، فلم يُعلله بمرضٍ ولا غيره، شرح مسلم (5/219).
وفي رواية البخاري: فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.
قال الحافظ ابن حجر: واحتمال المطر قال به أيضا مالك، عقب إخراجه لهذا الحديث. ثم قال: لكن رواه مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير بلفظ «من غير خوفٍ ولا مطر» فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر، وجوّز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقوّاه النووي، وفيه نظر؛ لأنه لو كان جَمْعُه[ بين الصلاتين لعارض المرض، لما صلى معه، إلا مَن به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته. قال النووي: ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا، فَبَانَ أن وقت العصر دخل فصلاها. قال: وهو باطلٌ؛ لأنه وإنْ كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. فتح الباري (2 / 30 ).
حَمَل بعض العلماء الحديث على الجمع الصوري! وهو مردود بقول راويه: أراد ألا يُحرج أمته.
قال ابن حجر: وإرادة نفى الحرج، يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. فتح الباري ( 2 / 31 ).
يعني قَصْد الجمع الصوري، لا يخلو من حرج، كما سبق بيانه في الحديث السابق.
فالجمع بين الصلاتين رخصة نبوية، شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا وُجد العُذر المبيح له.
ومن ذلك: المرض ، والسفر، والمطر، والوَحَل، والبرد الشديد، والريح الشديدة.
فالمرض عُذر، ومتى وُجِدت المشقة، جاز للمريض الجمع.
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في جمع المريض بين الصلاتين في الحضر والسفر، فأباحت طائفة للمريض أنْ يجمع بين الصلاتين، وممن رخّص في ذلك عطاء بن أبي رباح.
وقال مالك في المريض: إذا كان أرفق به أنْ يجمع بين الظهر والعصر في وسط وقت الظهر، إلا أنْ يخاف أنْ يُغلب على عقله، يَجمع قبل ذلك بعد الزوال، ويجمع بين المغرب والعشاء عند غيبوبة الشفق، إلا أنْ يخاف أن يغلب على عقله فيجمع قبل ذلك، وإنما ذلك لصاحب البطن وما أشبهه من المرضى، أو صاحب العلة الشديدة يكون هذا أرفق به. الأوسط (2 / 434)، والاستذكار لابن عبد البر (6 / 36 ، 37).
وقال الليث : يجمع المريض والمبطون، وقال أبو حنيفة: يجمع المريض بين الصلاتين كجمع المسافر، وقال أحمد وإسحاق : يجمع المريض بين الصلاتين. الاستذكار ( 6 / 37 ).
وقال الترمذي : ورخّص بعضُ أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم يَرَ الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين. الجامع ( 1 / 357 ).
قال ابن قدامة «والمرض المبيح للجمع: هو ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقةٌ وضعف. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: المريض يجمع بين الصلاتين؟ فقال: إني لأرجو له ذلك إذا ضَعُف، وكان لا يقدر إلا على ذلك. وكذلك يجوز الجمع للمستحاضة، ولمن به سلس البول، ومن في معناهما» المغني ( 3 / 136 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالأحاديث كلُّها تدلُ على أنه جمع في الوقت الواحد، لرفع الحرج عن أمته، فيُباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رَفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض، الذي يُحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويَجمع من لا يُمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بِحَرج، كالمُستحاضة ، وأمثال ذلك من الصور». مجموع الفتاوى (24 / 84 ).
وقال أيضاً: «الذي يَجمع للسفر، هل يباح له الجمع مطلقاً؟ أو لا يباح إلا إذا كان مسافرا؟ فيه روايتان عن أحمد، مقيماً أم مسافرا ، ولهذا نص أحمد على أنه يجمع إذا كان له شُغلٌ. قال القاضى أبو يعلى: كل عذرٍ يُبيح ترك الجمعة والجماعة، يُبيح الجمع؛ ولهذا يجمع للمطر والوحل وللريح الشديدة الباردة في ظاهر مذهب الإمام أحمد ، ويجمع المريض والمستحاضة والمرضع».(24/ 14). وانظر أيضا (24 / 29).
قال ابن قدامة: «والمطر المبيح للجمع: هو ما يبل الثياب وتَلحق المشقةُ بالخروج فيه ، وأما الطَّلّ والمطر الخفيف، الذي لا يَبُلّ الثياب فلا يُبيح ، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البَرَد.
فأما الوَحْل بمجرّده، فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب، كما تلحق بالمطر ، وهو قول مالك.
وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً ثانيا: أنه لا يبيح ، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور؛ لأنَّ مشقته دون مشقة المطر ، فإنَّ المطر يبل النعال والثياب، والوحلُ لا يَبلها، فلم يصح قياسه عليه، والأول أصحّ؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويتعرض الإنسان للزّلق، فتتأذى نفسُه وثيابه، وذلك أعظم من البلل، وقد سَاوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة، فَدَلّ على تساويهما في المشقة المرعيّة في الحكم.
فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، ففيها وجهان: أحدهما يبيح الجمع. قال الآمدي: وهو أصح، وهو قول عمر بن عبد العزيز؛ لأن ذلك عذرٌ في الجمعة والجماعة، بدليل ما روى عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُنادي مناديه في الليلة المطيرة، أو في الليلة ذات الريح :» صَلُوا في رِحالكم». رواه ابن ماجة. المغني ( 3 / 133-134).
وكذا الجمع للحاجة الطارئة: فقد أخرج مسلم: عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس -رضي الله عنهما- يوماً بعد العصر حين غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسُنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته.
قال الحافظ في الفتح: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث؛ فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يُتخذ ذلك عادة؛ وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أهل الحديث. انتهى.
مسألة: هل يُجمع بين الظهر والعصر، لأجل هذه الأعذار؟
ذهب بعض أهل العلم إلى منع الجمع بين الظهر والعصر في المطر، وهو قول مالك وأحمد.
قال ابن قدامة: فأما الجمع بين الظهر والعصر - أي لعذر المطر - فغير جائز!. المغني ( 3 / 132).
وهذا خلاف المقصد من الجمع؛ فإنه متى ما وُجِدت المشقة جاز الجمع، كما تقدّم في حديث الباب، وهو حجة لمن قال بالجمع في الحضر عند وجود العُذر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك توسعة لأمته، ورَفْعاً للحرج عنها، وهو من قواعد الشريعة.
قال الإمام الشافعي: «أرأيتم إنْ قال لكم قائل: بل نجمع بين الظهر والعصر في المطر، ولا نجمع بين المغرب والعشاء في المطر، هل الحجة عليه؟ إلا أنْ الحديث إذا كانت فيه الحجة ، لم يَجز أن يؤخذ ببعضه دون بعض؛ فكذلك هي على مَن قال: يجمع بين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين الظهر والعصر، وقلما نجد لكم قولاً يصح ، والله المستعان». الأم (7/ 205 ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجوز الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر، عند كثيرٍ من العلماء، للسفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار». مجموع الفتاوى ( 22 / 31 ).
قوله: «أراد ألا يحرج»، بصيغة الماضي المعلوم من التَّحرّج «أمته»، بالرفع على الفاعلية وفي رواية لمسلم: «أراد ألا يحرج أمته»، وفي رواية أخرى له: «أراد ألا يحرج أحداً من أمته»، قال ابن سيد الناس: قد اختلف في تقييده فروي بالياء المضمومة آخر الحروف و«أمته». منصوب على أنه مفعوله ، وروي: تَحْرج، بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة، وضم أمته على أنها فاعلة، ومعناه: إنما فعل تلك لئلا يشق عليهم، ويثقل فقصد إلى التخفيف عنهم.
أما الجمع بغير حاجة، أو المداومة على الجمع فغير مشروع ولا يجوز.
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ما حكم الله ورسوله في قوم يجمعون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء دائمًا وهم مقيمون؟
فأجاب: قد دلّت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، أنّ الواجب أن تصلي الصلوات الخمس في أوقاتها الخمسة، وألا يجوز أنْ يجمع بين الظهر والعصر، ولا بين المغرب والعشاء، إلا لعذرٍ كالمرض والسفر والمطر ونحوها؛ مما يشق معه المجيء إلى المساجد، لكل صلاة في وقتها من الصلوات الأربع المذكورة، وقد وقَّت الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم في أوقاتها الخمسة جبرائيلُ عليه السلام، فصلى به في وقتِ كل واحدةٍ في أوله وآخره في يومين، ثم قال له عليه الصلاة والسلام بعد ما صلى به الظهر في وقتيها، والعصر في وقتيها: الصلاة بين هذين الوقتين، وهكذا لما صلى به المغرب في وقتيها، والعشاء في وقتيها، قال: الصلاة بين هذين الوقتين. الفتاوى (12/304).
لاتوجد تعليقات