فـقــه التوقــع واستشــراف المسـتقـبل
فقه التوقع: هو حسن الاستعداد للنازلة قبل وقوعها، أو الاستعداد لآثارها بعد وقوعها، باستشراف المشاهد التي يمكن أن تؤول إليها في المستقبل. فهو عملية حدس متقدمة، مبنية على معطيات موضوعية، وأقيسة ونظائر معتبرة؛ بحيث يجتنب المجتهد الوقوع تحت ضغط الظرف الراهن، ويتحاشى التفاؤل المفرط، والتشاؤم البالغ. بمعنى تشخيص الواقع وتنزيل الأحكام على هذا الواقع، ومن معانيه تصور الأمر قبل البدء فيه، ولا يكون البث إلا بإطار النصوص والمقاصد المحكومة فيه.
قال ابن خلدون: «اعلم أن من خواص النفوس البشرية، التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت، وخير وشر، سيّما الحوادث العامة...، والتطلُّع إلى هذا طبيعةٌ، البشرُ مجبولون عليها»اهـ.
وهذا الفقه لا يتأتى إلا إذا فُقه الواقع، ويحتاج إلى نظر دقيق وعناية فائقة، سُلمه التصاعدي يبدأ من الفهم (الإدراك)، ليصعد إلى الفقه (الفطنة)، ويصل إلى الاستنباط (الاستخراج). ويبنى هذا الفقه على مسلمات: هو أن الشريعة المطهرة صالحة بل تصلح كل زمان ومكان؛ حيث الشريعة جاءت لمصالح العباد في آجلهم وعاجلهم.
علوم التوقع
وفي هذا العصر اتسعت علوم التوقع، حتى نشأ أحد العلوم المساندة للعلوم الإدارية والسياسية وهو علم استشراف المستقبل، والاستشراف في اصطلاح الدارسين بأنه: التوقع المدروس للحوادث المستقبلية، بناءً على استقراء الوقائع الماضية والحاضرة.
وفي عام (1949م) تحديداً، ابتكر المؤرخ الألماني (فليتشتايم) مصطلح (علم المستقبل)، ليشير به إلى علم جديدٍ مستقل، وقد دشن بكتابه: (التاريخ وعلم المستقبل)، عملية تطبيق واسعة لهذا العلم، تستهدف التوقع والتنبؤ البعيد المدى، في مجالات الحياة المتعددة، كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والبيئة.
وليس يخفى أهمية هذا العلم لقادة الرأي، ومنهم الفقهاء، ومهما توفر الفقيه على الملكات العقلية المدربة على الحدس الرشيد، فستكون النتائج حميدة، والأحكام رشيدة.
وهذا الباب موجود الآن في العلوم التطبيقية كعلم الرياضيات: نظرية الاحتمالية والنظرية النسبية، وكذلك في المالية: الخسارة الاحتمالية، أرباح احتمالية، وتدخل في الاقتصاد كذلك والإدارة والقانون وغيرها من العلوم، وكذلك إدارة المخاطر جزء كبير منها هو من باب الاحتمالية والتوقعات، وطرائق التقليل من الشرور المتوقعة، وإدارة الواقع لتجنب السقوط التام.
أدلة فقه الواقع
وأدلة فقه التوقع هي كل أدلة سد الذرائع هي من باب فقه التوقع: (تعليق لحكم على المستقبل).
وهو مؤصل في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:108). فجاء النهي عن سب ما يعبدون، لأن من المتوقع أن يردوا عليكم بسب الله تعالى.
وعلماء الأمة كرهوا السؤال عن الافتراضات البعيدة، كالإمام مالك، والإمام أحمد، فمدرسة الحديث والأثر أنكرت على مدرسة الرأي جعل الافتراضات جُل مسائلهم، إلا أن ابن القيم -رحمه الله- أعطى قاعدة للخوض في الافتراضات مفادها: «إن كان هذا من الممكن أن يقع فلا بأس بذلك».
ويعد الإمام الجويني مؤسس فقه التوقع وباني أركانه، فهو إمام فيه، كما هو إمام في المقاصد، وهو «أول من روض مدارج الفقه في التوقعات، واستشعر ضرورة التفكير في أفضل المآلات وأسوأ الحالات التي يمكن أن تحل بالأمة أو طوائف منها انقطعت عنها شوكة الإمام أو استحرت معضلة عامة بجماعة من الجماعات، فاستقبل هذا الفقه واستفتحه بأحكم المناهج، وأيسر المسالك، ليعم رفع الحرج كل الأزمنة والأعصر، وتفوق مقاصد الشرع وتتجلى، وتعلو راية الشريعة وتترقى، في كل الظروف والأحوال والمستجدات»
ولم تكن تجربة الإمام نابعة من خيال الفقيه الفضفاض، وقدرته التفريعية، بل كانت نابعة من ملاحظة الواقع المعيش واستقراء أحداث عصره ومآلاته في المستقبل»، يريد بذلك أن يعالج واقعا مترديا استمد منه نظرة استشرافية لما يمكن أن يقع من أحداث في المستقبل، قاصدا معالجة الواقع والمتوقع.
الافتراضات والجزئيات
لقد افترض الجويني افتراضات كلية وقضايا عامة، وتناثرت بينها افتراضات أخر متعلقة بجزئيات ومسائل مندرجة تحت كلياتها، وفي كل ذلك يبين عن معالجة للواقع والمتوقع، ويكفيني هنا لضيق المساحة أن أشير إلى بعض تلك القواعد:
- «فإن المنصوصات متناهية مضبوطة، والوقائع المتوقعة لا نهاية لها».
- «والأمور في الولايات إذا لم تؤخذ من مباديها، جرت أمورا يعسر تداركها عند تماديها».
- «فإن منع المبادي أهون من قطع التمادي».
- «لو فرضنا خلو الزمان عن مطاع، لوجب على المكلفين القيام بفرائض الكفايات، من غير أن يرتقبوا مرجعا».
- «والمسدد من نظر في أولاه لعاقبته، وتزود من مكنته في دنياه لآخرته».
- «وقد تمهد أن ما لم يقم عليه دليل التحريم، فلا حرج فيه في الزمان الشاغر عن حملة العلوم بتفاصيل الشريعة، فهذا منتهى المقصد فيما يتعلق بالمعاملات» .
- «إذا درست فروع الشريعة وأصولها، ولم يبق معتصم يرجع إليه، ويعول عليه، انقطعت التكاليف عن العباد، والتحقت أحوالهم بأحوال الذين لم يبلغهم دعوة، ولم تنط بهم شريعة».
فقه التوقع والفقه
الفقه الافتراضي هو ذلك الفقه الذي امتازت به مدرسة أهل الرأي في مقابل مدرسة أهل الحديث في عصور الإسلام الأولى، فقد اشتهر عن أهل الرأي أنهم كانوا يفترضون صوراً لا وجود لها في الواقع، لكن يمكن وقوعها مستقبلاً، لتتنزل أحكامهم على وقائع مفترضة، فيستعدوا لها قبل وقوعها، وليتدرب الطلاب على التعاطي مع تلك الصور، في حين كان أهل الحديث يزجرون عن السؤال عما لم يقع، ولما كان أصحاب الأسئلة الافتراضية يبدؤون مسائلهم بقولهم: أرأيت لو كان كذا وكذا، فقد سماهم أهل الحديث بالأرأيتيين.
وهذا إذا كان الافتراض على سبيل التنطع والتكلف، فأما الافتراض الممكن وقوعه فلم يكن بد للناس منه، ولهذا كان حذيفة يسأل النبي عما لم يقع مخافة أن يدركه، كما ثبت في الصحيح.
وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى قبول هذا النوع من المسائل بشرط كونه في حيز الإمكان، بحيث لا يكون مستحيل الوقوع، وهذا كان موجوداً في فقه أهل المدينة، وهو ما نجده في المسائل التي أجاب عنها الإمام مالك وبعض تلاميذه في المدونة التي كتبها سحنون عن ابن القاسم عنه، وفيها أكثر من ستة آلاف مسألة.
مسائل افتراضية
وقد حفظ لنا التاريخ عن الفقهاء عدداً من المسائل التي كانت مستبعدة في عصرهم، ثم وقعت في الأزمنة المتأخرة، وذلك مثل:
- قول الشافعية يجب على الحاج الوقوف بعرفة على الأرض، وليس لهوائها حكم قرارها، ففي هذه المسألة عندهم، قالوا: فلو طار فوقها، بأن ركب فوق طائر وطار به، أو ركب فوق السحاب ومر فوق عرفة لم يصح وقوفه... وقالوا: وكذلك لو سعى أو طاف طائراً لم يصح، وهذا قبل اكتشاف الطائرات والمروحيات التي يمكن أن تمر فوق أجواء المشاعر في هذا العصر.
- ومثل ذلك - مع بعض الاختلاف - ما ذكره ابن تيمية في رده على غلاة المتصوفة الذين يدَّعون أن الجن تطير بهم من العراق إلى مكة، فكان في رده عليهم - على فرض صحة دعواهم - يقول: إنهم خالفوا الشرع بعدم الإحرام من الميقات حين مرورهم به أثناء الطيران، فكان يلزمهم أن يحرموا قبل تجاوز الميقات، فهذا يشبه مرور المحرم بالطائرة فوق المواقيت.
- والقرافي، قال في زمنه افترض أمراً لم يكن واقعاً فقال: لو طار ولي من أولياء الله من المشرق إلى المغرب وكان قد صلى الظهر، ووصل البلد الآخر في وقت الزوال، فلا يعيدها. وهذا ما عليه الفتوى الآن والحال السفر في الطائرات.
- وكذلك فتوى العلماء في منع بيع السلاح في وقت الفتنة، مبنيٌ على توقع استخدامه في تأجيج الفتنة وسفك دماء المسلمين.
- ومثله، منع بيع العنب لمن عنده مصنع للخمور، فالمتوقع أن يعصره لتصنيع الخمر.
- ومن الأمور التي بحثها الفقهاء الكفاءة(1) في الزواج، فالكفاءة هي كون كل من الزوجين كفؤاً للآخر؛ بحيث يكون هناك تكافؤ وتماثل بين الأزواج. ولا شك أنها معتبرة في الشريعة؛ لأن من مقاصد الزواج الألفة والمحبة والمودة والسكينة، فعدم الكفاءة يتوقع منها عدم الألفة.
أثر فقه التوقع
هذا النوع من العلوم، يجعل النظر الفقهي أقرب إلى الصواب، وأبعد عن العمل المرتجل، وبالأخص في النوازل المعقدة والمركبة؛ ذلك أنه يضع بين يدي الفقيه عدداً من الخيارات والبدائل لكي يختار الأصلح منها لتكون حلاً فقهياً للواقعة محل الدراسة، ولا شك أن هذا يثري نظر الفقيه، ويزيد من فرص الوقوع على الحل المناسب، بخلاف ما لو حصر نفسه على خيار واحد، فحينها يكون احتمال الوقوع في الخطأ أكبر.
المتوقع والواقع.. وفقه التوقع:
المتوقع كالواقع(2)، قاعدة فقهية مفادها أن الشرع قد يحتاط لما يكثر وقوعه كاحتياطه لما تحقق وقوعه، فمن فقه التوقع، معرفة المتوقع، وبذل الأسباب لتخفيف الأضرار وتجنبها ما أمكن ذلك. والفطنة مطلوبة في كل من تولى أمراً من أمور المسلمين، فلا بد أن يعرف السياسات، ويُلم بالأسرار، ويدرك الغايات، ويتوقع المآلات والنهايات، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أُعمل الفكر، ورُوض الرأي، وأَوقد البصيرة.
وتوقع المتوقع، لا يعني أن نسبح في بحر التوقعات البعيدة، التي لا ساحل له ولا ثمرة من الخوض فيها، وهذه مسائل قد فصلها أهل العلم.
ومن التطبيقات العلمية لهذه القاعدة: أن دحض الشبهات المتوقع انتشارها بين المسلمين، وتحصين العقول من أن تتشرب الآفات، أولى وأسهل من معالجتها بعد انتشارها، فينبغي أن يفرغ دعاة إلى الله لينشروا العلم، ويكثفوا جهودهم للرد والتحصين.
بيع الأراضي والسلاح
وبيع أراضي في الدول الإسلامية لليهود تمكين لهم وإعانة لمشروعهم التوسعي في الاحتلال والهيمنة على المشرق الإسلامي، فالمتوقع من مآل شراء الأراضي هو كالواقع. ومثيله بيع السلاح للعدو وقت الهدنة، فالمتوقع أنهم سيستخدمونه في قتال المسلمين، وهذا بحكم الواقع، ومن أجل ذلك أفتى بعض العلماء أيام الحروب الصليبية في تحريم بيع السلاح للعدو وقت الهدنة.
وكذلك بيع الطعام المنتهي الصلاحية لتجار وأناس يدعون شراءه لجعله سماداً أو تحويله مواد عضوية للتربة، ويُعرف عنهم ويتوقع منهم تغيير التاريخ الملصق، وبيعه للناس ثانية، فيأخذ المتوقع حكم الواقع. وكذلك من يشتري الحمير ليبيعها للناس بعد ذبحها على أنها لحم عجول، فهذا يحرم بيعه، ومثيله من يشتري العطور الكحولية ليس للتطيب ولكن للسكر وتغييب العقل.
الخلاصة
ومما سبق نخلص أن فقه التوقع أسبق من مصطلح استشراف المستقبل، وقد قعد له علماؤنا القواعد التي تضبطه ضبطاً شرعياً، مع أعمال العقول النيرة والحكيمة لتصور الأمر قبل البث فيه، ولا يكون البث إلا بإطار النصوص والمقاصد الشرعية.
الهوامش:
1- الكفؤ، جمعها أكْفَاء، ومن الخطأ القول أكِفَّاء، لأنها جمع كفيف.
2- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين بن عبد السلام، الجزء الأول، ص 107.
لاتوجد تعليقات