الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن- من حمل علينا السلاح فليس منا
تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار القتل وإراقة الدماء، سواء داخل الكويت أم فيما حولنا من بلاد المسلمين والعالم عموما، والمرء يعجب من تساهل بعض المسلمين بهذه الجريمة وجرأتهم عليها لأتفه الأسباب، بل أصبح حمل السلاح رمزا للرجولة، ومظهرا للقوة لدى بعض ناقصي العقول، وفاقدي الثقة، والمفلسين دينيا وأخلاقيا، ممن استرخص حرمة الدماء، وعرض نفسه لسخط الرب، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
والإسلام جعل حفظ النفوس من أهم المقاصد الشرعية التي جاءت الشرائع لحفظها بعد حفظ الدين، كما دل على ذلك النصوص المتكاثرة في حرمة قتل المسلم بغير حق، وما يترتب عليه من عقوبات قاسية في الدنيا والآخرة.
فأولاً نهى الله تعالى عن قتل النفس بغير حق فقال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (الأنعام:151)، ووضع جزاء أخرويا شديدا كما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } (النساء:93).
وعدّ الشرع القتل من كبائر الذنوب فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» متفق عليه.
ولشدة خطر القتل فإنه يخشى على القاتل في الآخرة من عدم المغفرة، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً, أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً». رواه أبو داود وصححه الألباني.
والقتل من المهلكات الجسام عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً» رواه البخاري
قال ابن حجر: وفي رواية «في فسحة من ذنبه»، فمفهوم الأول أن يضيق عليه دينه؛ ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر، ومفهوم الثاني أنه يصير في ضيق بسبب ذنبه، ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور.
وقال ابن العربي: «الفسحة في الدين: سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب: قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول».
ولهذا فإن القتل من الذنوب الشديدة التي لا مخرج منها كما قال ابن عمر: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله». أخرجه البخاري
قال ابن حجر: قوله: «ورطات» وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك، فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحة أنه ورط نفسه فأهلكها، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق: «تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة»، وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: «زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم» قال الترمذي حديث حسن. وأخرجه النسائي بلفظ: «لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا»، قال ابن العربي: «ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالتقي الصالح ؟!».
وقد حرصت الشريعة على سلامة الناس فضلا عن إيذائهم أو قتلهم فحرمت مجرد رفع السلاح في وجه المسلم ولو كان على سبيل المزاح، فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
قال النووي: «فيه تأكيد حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه. وقوله صلى الله عليه وسلم : «وإن كان أخاه لأبيه وأمه» مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من يتهم فيه، ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلا ولعبا، أم لا; لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الأخرى، ولعن الملائكة له يدل على أنه حرام».
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا». متفق عليه، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم: «من سل علينا السيف فليس منا».
ويبين النووي المراد بالحديث منبها على أمر مهم وهو أن: « قاعدة مذهب أهل السنة والفقهاء وهي أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل، ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك. فإن استحله كفر.
فأما تأويل الحديث فقيل: هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا».
وقال ابن حجر: «ومعنى الحديث (حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق) لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم، وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة أو القتل للملازمة الغالبة. ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه.
ومعنى قوله: «فليس منا» أي: ليس على طريقتنا، أو ليس متبعا لطريقتنا ؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله ونظيره «من غشنا فليس منا» و«ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب». وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه لا مجرد حمل السلاح، والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه، والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحق فيحمل على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما».
وكثرة القتل من علامات الساعة، وهي من المنكرات التي ستظهر وتكثر فعن أَبي مُوسَى قال:حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ», فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ, وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا, حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ, وَابْنَ عَمِّهِ, وَذَا قَرَابَتِهِ», فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ, وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ» أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني.
فمعالجة هذا الأمر الخطير يحتاج إلى تكاتف جهود الدولة والمواطنين؛ كل في مجاله، فعلى الدولة الحزم بتطبيق القوانين، والجد في جمع السلاح، وتوعية الناس بخطر السلاح وما ينشأ عنه من حوادث وخيمة على الناس بسبب الغضب والتهور، أو بسبب الخطأ وسوء الاستعمال، وعلى المواطنين تربية النشء على سعة الصدر والتسامح، ومعالجة الخلافات بغير عنف كما أدبنا أسلافنا على العفو ودرء الشر، وتنبيه الصغار على خطر ما يشاهدونه في الأفلام والألعاب الإلكترونية من عنف وإراقة دماء، تطبع في نفوسهم سهولة القتل واستمراء إراقة الدماء، بل والفخر بذلك، ثم إن أحدهم ليعض أصبع الندم ويبكي الدم على ما قد يقوم به سفها بغير علم. والله خير الحافظين وهو نعم الوكيل.
لاتوجد تعليقات