رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبد المنعم الشحات 11 مارس، 2014 0 تعليق

مقدمات تاريخية- نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها (1)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه دراسة مختصرة لنظرية صدام الحضارات التي يتبناها الغرب الآن، وبيان لأهم المشاريع التي دشنها الغرب متأثراً بهذه النظرية، والتي تمثل أهم الأخطار التي تهدد العالم الإسلامي عموما، والصحوة الإسلامية خصوصا، ونتناول في هذا العدد المقدمات التاريخية منذ بعثة النبى[ حتى احتلت هذه النظرية موقعها في قيادة الفكر الغربى.

1 – معنى الحضارة

     الحضارة، والثقافة، والهوية مصطلحات تطلق ويختلف العلماء فيما يعد منها أعم من الآخر، وغالباً ما يتم استعمالها جميعًا بمعنى واحد، وإن كان الأشهر في هذا أن يستعمل لفظ (الحضارة) على أنه أعم من غيره، ولا يعني به بطبيعة الحال المعنى اللغوي المباشر وهو «العيش في الحضر» ، وإنما يعنون به كل جوانب النشاط الإنساني العقلي والخلقي، وما قام به في شأن الدين والدنيا ... إلخ

وغالباً ما تنسب الحضارة إلى الأمم التي تركت أثرًا كبيرًا في تاريخ البشرية، فيقال: الحضارة اليونانية، الحضارة الرومانية، الحضارة الفارسية، والحضارة الإسلامية .

2- الحضارة الإسلامية

     وبناء على التعريف السابق يمكن أن نقرر أن الحضارة الإسلامية تشمل من الناحية المنهجية جميع شرائع الإسلام، وتشمل من الناحية المادية جميع ما أبدعه المجتمع المسلم في علوم الدنيا وتطبيقاتها ويدخل في هذا الجانب المادي ما أنتجه المسلمون أو ما أنتجه أهل الذمة؛ لأن هذا الإبداع المادي لا يتأتى إلا بجهود المجتمع كله، ومن باب أولى فلا بأس بأن يضم في حضارة المسلمين جهود علمية لأفراد مسلمين، ولكنهم لم يكونوا على عقيدة أهل السنة.

  ورغم أن المسلمين قدموا للدنيا خدمات جليلة في العلوم المادية، إلا أنه يبقى أن السمة الأكثر بروزاً في الحضارة الإسلامية أن (الإنسان) يحتل بؤرة الاهتمام، بينما تأتي وسائل حياة الإنسان في مرتبة تالية بخلاف الحضارات التي توصف بأنها مادية؛ حيث تأخذ وسائل الحياة جانبا أكبر من الاهتمام.

  وحضارة الإسلام تنطلق من أساس عقلي يستعمل للدلالة على وجود الله، وعلى وجود الوحي، وعلى أن محمداً[ رسول من عند الله، مرسل بالقرآن، وبالسنة شارحة له، ومنهما يبني المسلم تصورًا كاملاً عن نفسه من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين المصير؟ وتصور عن الكون من حوله بدايته ونهايته، ويتبع تشريعاً يضع الإطار الذي يمكنه من حسن توظيف الكون لمصلحته، ويبين له الطريق لإدارة العلاقات الإنسانية بكل أنواعها سواء ما يتعلق منها بتكوين الأسرة، أم بالمعاملات المدنية أم الجنائية.

  ثم إن حضارة الإسلام فيما يتعلق بوسائل الحياة من زراعة وصناعة وطب وهندسة حضارة منفتحة تترك الباب لكي تنقل وينقل عنها؛ ولذلك نجح المسلمون في استخلاص علوم الأمم التي سبقتهم، ثم طوروها وذهبوا بها قفزات عدة للأمام، وبذلوها لكل الأمم الأخرى، وعنهم أخذت أوروبا أساس نهضتها المعاصرة.

3- موقف الإسلام من الحضارات الأخرى

  ومما سبق يتضح أن الحضارة الإسلامية ليست كلها على درجة واحدة من اللزوم، وأن ما يتعلق منها بالمنهج يعتقد المسلمون فيه بطلان ما يخالف دين الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}(آل عمران: 19)، {ﭿوَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}(النساء: 82).

  ويجب على المسلمين أن ينشروا هنا المنهج، وأن يدعوا جميع الأمم إليه، وأن الوسيلة الرئيسية في ذلك هي الحوار {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل: 125).

وأما المخالفون منهم نوعان :

- النوع الأول: رعايا الدولة الإسلامية، وهؤلاء نظمت الشريعة الإسلامية أحكاما تضمن لهم الإقامة في دار الإسلام متى أرادوا دونما إكراه على الدخول فيه {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ}(البقرة: 256).

- النوع الثاني: الدول التي ترفض -ممثلة في نظام الحكم فيها- الدخول في الإسلام، وهؤلاء شرع الإسلام جهادهم ولكن اشترط له الحوار أولاً، فضلا عن أن الشريعة أجازت المعاهدات والصلح، وأوكلت هذا للقيادة السياسية للدولة المسلمة.

  مما يعني أن الإسلام جاء بمبدأ الجهاد من أجل نشر الحق، كما جاء بآليات للتعايش مع دول غير مسلمة متى كانت المصلحة تقتضي هذا، والذي يهم الطرف الآخر هو وضوح الرؤية حول متى يمكن للمسلمين أن يحاربوا، ومن جهة أخرى للالتزام بالعهد متى عاهدوا وهذا حاصل في دين الإسلام.

3- الحضارة الغربية الحديثة

الحضارة الغربية الحديثة هي حضارة امتزجت فيها عدة حضارات هي:

  الحضارة اليونانية القديمة، وهي حضارة اهتمت بالإنسان وبمحاولة الوصول إلى إجابة شافية عنه وعن الكون من حوله، وعن معايير الإنسان الصالح والمجتمع الصالح (المدينة الفاضلة) وهي بهذا تلتقي مع الحضارة الإسلامية، وإن كانت تفارقها في أن نتاجها في ذلك كان نتاجابشريا فلسفيا، بينما حضارة المسلمين قائمة في هذا الجانب بالذات على (الوحي).

  الحضارة الرومانية، وهي حضارة مادية تعشق القوة، وتفرط في العصبية وتعد (اللذة) هي أسمى الأهداف، وبالتالي فحينما سيطرت على أوربا، بعد الحضارة اليونانية استعملت الفلسفة بوصفها أداة لتقرير هذه النظريات.

  الحضارة الرومانية (في عصر النصرانية)، وهي مرحلة تم فيها التزاوج على يد (بولس) بين تعاليم عيسى عليه السلام وبين الحضارة الرومانية، والذي أسفر دينا جديداً كما اعترف بذلك (بندكت) البابا السابق للفاتيكان، وإن كان قد قال هذا في سياق الفخر.

  الحضارة الرومانية (في عصر العالمانية) ونتيجة لادعاء الكنيسة أن ما أدخلته على دين عيسى عليه السلام جاء بوحى من الروح القدس فقد أغراها هذا بتكرار هذا الادعاء في العلوم الدنيوية، وهو ما قاد إلى صدام بين الدين والعلم الذي صاحبه مظاهر أخرى من الفساد الكنسي أدى بدوره إلى انفجار تيار العالمانية أي فصل الدين عن الحياة، وقد قسمها أصحابها إلى ثلاثة أنماط:

- الأول: ضد الدين (وهي أكثر انتشاراً في الدول الشرقية) وفي فرنسا من الدول الغربية.

- الثاني: لا دينية وهي الأكثر انتشاراً في معظم أوربا.

- الثالث: عالمانية تفصل الدين عن الحياة ولكنها تحترم الدين وهي الأكثر شيوعاً في الأوساط الأمريكية.

وغني عن الذكر أن كل هذه الأنواع لا تصلح للمسلمين ولا تلتقى مع الإسلام الذي يأمر أتباعه {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام: 162).

4- سيادة النمط الأمريكي

  بعد اكتشاف كولومبس للقارة الأمريكية نزح الكثير من الأوربيين إلى القارة الجديدة، وأسسوا مستعمرات كل منها تتبع الدولة الأم التي جاؤوا منها، وظل الأمر كذلك حتى نشبت حرب بين المستعمرات الإنجليزية والمستعمرات الفرنسية انتهت بهيمنة الإنجليز على وسط القارة ، ثم تعارضت مصالح زعماء الأرض الجديدة مع سياسات إنجلترا فخاضوا حرب استقلال ساعدتهم فيها فرنسا ومن ثم اقترنت الثورة الفرنسية وحرب الاستقلال الأمريكية، وكانت الحرية أحد أهم شعارات الحدثين لا سيما وأنهما كانا متزامنين، وتحررت كل الولايات الأمريكية التي دشنت اتحاداً فيما بينها كان هشا في بدايته، وحاولت الولايات الجنوبية تكوين اتحاد خاص بها، فنشبت حرب الشمال والجنوب وأسفرت عن قيام دولة اتحادية ذات نظام رئاسي خلافا لما كان سائداً من سيطرة البرلمانات في أوروبا.

  ودخلت أمريكا إلى الساحة الدولية برفق، وكانت هي من دعت إلى إنشاء عصبة الأمم في أواخر الحرب العالمية الأولى، ثم كانت هي من تزعمت تطويرها إلى (الأمم المتحدة) في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

  وقد أسهمت الحرب العالمية الثانية في أن تكون أمريكا حامية أوروبا الغربية والدولة الإسلامية التي كانت واقعة تحت احتلال أوروبا الغربية قبل الحرب، فبينما أصبحت روسيا هي حامية أوروبا الشرقية، وحاولت التواجد في بعض البلاد الإسلامية ونجحت في ذلك إلى حد كبير.

  وتبنى الاتحاد السوفيتي سياسات غاية في التطرف؛ حيث اعتنقت الدولة الإلحاد، ومن ثم طبقت أكثر صور العالمانية تطرفاً، كما طبقت أقصى درجات «(الدولة البوليسية)، واعتنقت أكثر المذاهب الاقتصادية شمولية، مما جعلها تهوى في تعسينيات القرن الماضي، وهو ما فتح شهية أمريكا لكي تنفرد بصدارة العالم وساعدها على ذلك أمور عدة:

أنها تبنت أكثر صور العالمانية تصالحاً مع الدين، مما جعلها تبدو عالمانية حتى أرادت ودينية إذا رغبت.

أنها عظمت الحريات الشخصية وحققت درجة جيدة من المساواة وتكافؤ الفرص، في حين أبقت على ضوابط لا بأس بها «بالنسبة للغرب طبعا» لممارسة الحريات.

أنها تبنت المذهب الاقتصادي الحر مع الاهتمام بالعدالة الاجتماعية وعده أحد مهام الدولة؛ مما جعلها تبدو اقتصاديا أكثر عدالة من كل من روسيا وأوروبا.

  وهي في ذلك تقترب بعض الشيء من الإسلام ولكن مع وجود فوارق جوهرية، من أهمها: أن العدالة الاجتماعية عندهم مرهونة بموارد الدولة، ولا يحمل الأغنياء أي جزء منها حتى ولو عجزت موارد الدولة، وأن الضرائب التي يدفعها الأغنياء هي نظير خدمات تقدمها الدولة لهم، وليس لتمويل مصارف العدالة الاجتماعية، فضلا عن أنها حافظت على مشروعية (الربا - الميسر) ولم تقترب منهما، وإن كانت قد عرفت تجارب ناضجة في مقاومة الاحتكار، و فى وضع ضوابط أخلاقية للإعلانات عن السلع وغيرها.

  وثمة عوامل كثيرة أخرى جعلت المفكرين الأمريكان يحلمون بأن دولتهم لن تسقط كما سقط من قبلها إنجلترا وفرنسا، ومن قبلهم الدولة العثمانية والنمسا وأسبانيا، ومن قبلهم الفرس والروم وهكذا، فبدؤوا يضعون النظريات التي تؤكد هذا المعنى، وإن لم يفتهم أن يقدموا النصائح اللازمة لكي يتحول هذا الحلم إلى حقيقة، ومن هنا نشأت نظرية (صدام الحضارات) التي تولد عنها مشاريع قدمتها المراكز البحثية لضمان حصول النتائج التي توقعوها «أو بالأحرى تمنوها» من هيمنة الحضارة الغربية في طبعتها الأمريكية ودوام تلك الهيمنة إلى ما لا نهاية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك