رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 27 يناير، 2014 0 تعليق

سلسلة الأعمال الخيرية- القواعد والضوابط الفقهية في الأعمال الخيرية والوقفية – القاعدة (2) «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل»

نكمل في هذا العدد ما بدأناه من ضوابط وقواعد للعمل الخيري والوقفي ليسهل على من جنّد نفسه لخدمة هذه الأعمال والمشاريع، الأخذ بها، والالتزام بأحكامها التي استقيتها من الكتب الفقهية والتصانيف الوقفية والخيرية.

- والقاعدة الثانية: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل» قاعدة قرآنية ذكرها أهل العلم والاختصاص وأسماها بعضهم: (قاعدة الإحسان)، دل عليها قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (التوبة:91). ولا يزال الفقهاء يستدلون بها على نفي الضمان في موارد الإحسان.

وتلك القاعدة نظمها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله- في: (منظومة أصول الفقه وقواعده) وأفرد لها بيتاً:

وما على المحسنِ من سبيل

                                     وعكسه الظالم فاسمع قِيلي

وشَرحَها بقوله: فكل محسن فإنه لا سبيل عليه، والظالم هو الذي عليه السبيل لقوله تعالى: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ( البقرة: 193). وقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ}. ( الشورى:42).

     قوله: «وما على المحسنِ من سبيل»: يعني ليس عليه طريق يلام به، أو يضمن به، لأنه محسن، ودليل ذلك قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ( التوبة: 91 )، فلو فعل الإنسان شيئاً من الإحسان وتلف به شيء فلا ضمان عليه (1).

     الآية – كانت وما زالت- دليلاً يفزع إليه العلماء في الاستدلال بها في أبواب كثيرة في الفقه، خلاصته ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره الآية بقوله: «يستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه، أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان» (2).

والقاعدة توجهنا إلى طريقة التعامل السوي مع المحسنين، فلا نكثر اللوم إن طرأ خطأ لا يقصده المحسن، حتى لا ينقطع العمل الخيري وعمل المحسنين، فإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه.

ولا يعني ذلك عدم التنبيه على الأخطاء أو التذكير بمواضع الصواب التي يفترض أن ينبه عليها، ولكن المهم أن يكون ذلك بأسلوب يحفظ جهد المحسن، ولا يفوت فرصة التنبيه على الخطأ؛ ليرتقي العمل، ويزداد جودة وجمالاً، ونضرة ورواءً.

     والشرع والعقل يقبح تغريم المحسن وتضمينه، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ} (الرحمن:60)، وهو سؤال حوى استفهاماً وإنكاراً، مفاده: مكافأة الإحسان يكون بالإحسان إلي المحسن، لا الإساءة إليه، سواء كان فعل الإحسان لجلب منفعة للمحسن إليه، أو لدفع المضرة عنه، فكلاهما إحسان.

     ومن التطبيقات في العمل الخيري والوقفي للقاعدة: لو وضع رجل أحجاراً في السوق من أجل أن يمشي الناس عليها، لئلا يقعوا في الدحض – الوحل والزلق- ويسقطوا، لكن حصل من الناس من عثر بهذه الأحجار وأصيب فإن واضع الأحجار لا يضمن لأنه محسن، والله تعالى يقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ( التوبة: 91 ) .

ومثال آخر: لو أن رجلاً حفر بئراً إلى جانب الطريق، من أجل أن يشرب الناس منه، فسقط فيه إنسان فإن الحافر لا يضمن؛ لأنه محسن.

     أما قوله في الشطر الآخر من البيت المنظوم في تلك القاعدة: (وعكسه الظالم فاسمع قِيلي) شرحها الشيخ ابن عثيمين بالآتي: الظالم هو المعتدي، فإنه يضمن لقوله [: «ليس لعرق ظالم حق»(3). ومثال ذلك: لو وضع رجل أحجاراً في طريق أحدهم ليعثر بها ويصاب، فحصل الأمر بأن خرج وعثر بها فأصيب، فإنه يضمن لأنه ظالم. وكذلك ولو حفر بئراً في وسط الطريق فسقط الناس بها، فإنه يضمن حتى وإن أراد أن يشرب الناس منها، لأنه غير محسن، فليس من الإحسان أن تحفر البئر – ولو للمسلمين – في طريقهم(4).

الهوامش:

1- منظومة أصول الفقه وقواعده» لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - دار ابن الجوزي، ط1-1426هـ، ص 239-240.

2- انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي، ط / جمعية إحياء التراث 1423هـ - 2003م، ص 469-470.

3- أخرجه أبو داود برقم 3073، والترمذي برقم 1378، قال الترمذي: «حديث حسن غريب».

4- انظر: «منظومة أصول الفقه وقواعده» لمحمد بن صالح العثيمين، ص 239-240. بتصرف يسير.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك