رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.راغب السرجاني 10 ديسمبر، 2013 0 تعليق

الجريمة التي تمت «كانت قتل خليفة وليس مجرد عزل رئيس منتخب»

     بعد مقتل عثمان بن عفان-رضي الله عنه - حدثت فتنة كبيرة في الأمة، واختلف علماؤها اختلافًا كبيرًا في آرائهم، ولم يكن الاختلاف في تحديد مَنْ الذي على الحق، ومَنْ الذي على الباطل؟ ولكن كان الاختلاف في كيفية التعامل مع الحدث.

     كان الانقلابيون المتمردون من أخبث الناس وأكثرهم خيانة «لم يختلف على ذلك أحد»، وكان عثمان بن عفان-رضي الله عنه- من أعظم الناس وأشرفهم «ولم يختلف على ذلك أحد أيضًا»، ولكن الاختلاف كان في كيفية التعامل مع قاتلي هذا الرجل العظيم مع إدراك الجميع أن الانقلابيين مجرمون خسيسون.

1- رأى علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- ومعه عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أن يؤخِّر إقامة الحد على الانقلابيين القتلة، بل سمح بوجودهم في جيشه، وذلك لأنه نظر إلى الأمر نظرة واسعة، فوجد أن الحدَ الذي سيقام على القتلة الانقلابيين سيقود جموع قبائلهم إلى التمرد على الدولة في بقاع كثيرة؛ مما قد يؤدي إلى انهيار الدولة ؛ فقدَّم بقاء الدولة على إقامة الحدِّ عاجلاً، ومِن ثَمَّ قرر تأجيله.

2- أما عائشة وطلحة والزبير- رضي الله عنهم جميعًا- فقد رأوا تطبيق الحد على القتلة عاجلاً ؛ لأنه لا يجوز تعطيل شرع الله، وقد قُتل عثمان-رضي الله عنه- مظلومًا، ولابد من أخذ الحق من قاتليه الآن.

     فهاتان رؤيتان مختلفتان تمامًا، مع أن كلا الفريقين يعلم أن الحق كان مع عثمان-رضي الله عنه-، وأن المنقلبين عليه مفسدون مجرمون.

3- وهناك فريق ثالث من العلماء آنذاك لم يستطع أن يحدد على وجه اليقين أين الصواب في التعامل مع ملف الانقلابيين، واحتاروا: هل ينبغي الصدام معهم الآن كما قرر فريق عائشة وطلحة والزبير ومعاوية- رضي الله عنهم-؟ أم الأفضل تأجيل إقامة الحد وتفويت فرصة الصدام كما رأى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-؟ وكان من هذا الفريق الثالث: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد- رضي الله عنهم جميعًا-، وهؤلاء قرروا اعتزال الأمر إلى أن تتضح لهم الرؤية.

     والآن مع نقطة مهمة جدًّا في الفهم: نحن أمام ثلاثة آراء مختلفة لثلاث فرق من العلماء الكرام، وكلهم مِن المبشرين بالجنة، وممن يَشهد لهم الجميع بالصلاح والتقوى... فما الحل؟! هل يغيِر أحدهم رأيه ليوافق الآخرين؟! إن هذا- في نظر كل واحد منهم- لا يجوز! إن كل فريق يرى- مخلصًا- أن الصواب معه، وأنه لا يجوز أن يسير في الاتجاهين الآخرين، ومِن ثَمَّ أعلنها صريحة واضحة، وثبت في اتجاهه الذي اختاره.

     حتى الفريق الثالث -وهو فريق المعتزلين للفتنة- فعلوا ذلك ؛ لأنهم لم يدركوا أين الحق؟ ولو أدركوا أن الحق مع أحد الفريقين ولم ينصروه ما جاز لهم الاعتزال.

     ولاحظ أننا نتكلم عن هذه الآراء وقت حدوث المشكلة لا بعدها ؛ لأنه بعد شهور أو سنوات من الحدث قد يغير أحدهم رؤيته بناءً على النتائج التي رآها الجميع بعد ذلك ؛ ولأننا أدركنا أن الصواب كان مع التهدئة التي أرادها علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-، الذي كان ينظر إلى العواقب، ولا يتأثر بالحماسة المفرطة عند المطالبين بحل المشكلة الآن، ولم يكن عاطفيًّا مندفعًا، ولاسيما أن الجريمة التي تمت «كانت قتل الخليفة وليس مجرد عزله».

     ومع ذلك فأنا أقول: إنه في وقت أخذ القرار لم تكن هذه النتائج ظاهرة، ومِن ثَمَّ كان لابد من أن يعلن كل صحابي رأيه الذي يجده صائبًا وموافقًا للشريعة فيما يظن، وهذا ما سيسأله الله عنه، حتى لو كان مخالفًا لعلي بن أبي طالب-رضي الله عنه -.

إن هذه هي الأمانة العلمية، وهذا هو الخوف من الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك