رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: فلسطين - ميرفت عوف 31 ديسمبر، 2012 0 تعليق

وثائق صهيونية تؤكد أن عمليات النهب تمت بخطة ممنهجة- دولة الاحتلال سرقت عشرات الآلاف من الكتب الفلسطينية النفيسة والفريدة لمسخ الثقافة العربية الإسلامية

 

على مبدأ «وشهد شاهد من أهلها» خرج باحث إسرائيلي يدعى «غيش عميت» بنتائج رسالة دكتوراة تؤكد أن دولة الاحتلال قامت بسرقة ونهب عشرات آلاف الكتب الفلسطينية النفيسة والفريدة من بيوت الفلسطينيين أثناء نكبة عام 1948.

لم يكتف الباحث بذلك بل أثبت أن أعمال النهب والسرقة تمت تحت حماية جنود العصابات اليهودية والجيش الصهيوني وبمراقبة ومساعدة أمناء المكتبة الوطنية الصهيونية، ورغم أن هذا الباحث حاول تبرير عمليات السرقة تلك بأنه يمكن اعتبارها حفظت الكتب من النهب والسرقة إلا أنه ذكر أنه أجرى مقابلات مع شهود عيان ما زالوا على قيد الحياة بينهم فلسطينيون من الداخل، سردوا ما شاهدوه عام 1949.

     ورغم أن تلك النتائج لم تكن مفاجئة للفلسطينيين إلا أنها ذكرت بأهمية العمل من أجل استعادة التراث الفلسطيني الثقافي والفكري والحضاري المسلوب من قبل دولة الاحتلال، فرغم مرور السنوات على سرقة التراث الفلسطيني ورغم التأكيدات التي أقرتها مختلف المؤسسات وكثير من الدراسات إلا أن السلطة الفلسطينية – على الأقل الآن- ليس لديها بوارد لاستعادة تلك الكتب خاصة في ظل ما تعانيه من مشكلات سياسية واقتصادية تقوض قراراتها.

«الفرقان» في هذا التقرير تفتح ملف سرقة الكتب العربية الإسلامية من قبل الاحتلال في عام 1948، وتعرض لأهم الخطوات المطلوبة لاستعادة هذا الكنز.

     في وثيقة سرية أرسلت إلى مدير المؤسسة الصهيونية «بيت الكتب الوطني» د. كورت وورمان، في 26 تموز 1948، أي بعد ثلاثة أشهر من احتلال حيّ القطمون جاء ما يلي: «بحسب تقديري فقد تمّ حتى الآن جمع حوالي 12 ألف كتاب، وربما أكثر. قسم كبير من مكتبات الكتاب والمتعلمين العرب موجود الآن في مكان آمن. كما توجد في حوزتنا عدة أكياس من المخطوطات التي لم تتضح قيمتها بعد. غالبية الكتب مصدرها من القطمون، ولكن أيضًا وصلنا إلى حيّ الألمانية والبقعة والمصرارة. لقد وجدنا عدة مكتبات عربية فاخرة في المصرارة. وأخرجنا من المصرارة أيضًا قسمًا من مكتبة المدرسة السويدية. لم تهدأ النفوس بعد في ذلك المحيط، لكن آمل أن يكون في وسعنا مواصلة العمل هناك في غضون الأيام القريبة القادمة».

     لم يكن ما ذكر بالرسالة فقط هو عدد ما وصل تلك المؤسسة من الكتب المنهوبة، فقد أقر الباحث غيش عميت بأنه حتى أوائل العام 1949 تم جمع 18 ألف كتاب آخر، وبذلك فقد تسلم «بيت الكتب الوطنيّ» الصهيوني حوالي 30 ألف كتاب من العرب سكان القدس الغربية فقط، هذا دون حساب عدد الكتب التي جرى نهبها في مناطق أخرى، وأساسًا في المدن الفلسطينية الكبرى مثل حيفا ويافا.

خطة منهجية

     يؤكد الخبير في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أن ما جرى وقت النكبة وما تلاه من عمليات نهب وسرقة لممتلكات الشعب الفلسطيني ومقدراته التاريخية بالإضافة إلى عمليات الطرد والترحيل كان معروفا للعالم، لافتًا إلى أن العديد من الدراسات خرجت لتجزم وتُبرهن على ذلك، وقال في حديث مع «الفرقان»: «في المقابل كانت الأبحاث والدراسات التي تحدثت عما جرى أثناء النكبة على الصعيد الثقافي والفكري قليلة جدًا خاصة داخل المجتمع الإسرائيلي».

     وكشف شلحت عن جانب مهم أشارت إليه دراسة الباحث د. غيش عميت، فركز الباحث على ما ألحقته النكبة بالجانب الثقافي من خلال بحثها في الوثائق المتعلقة بنهب الكتب والمكتبات العائدة للفلسطينيين، وقال: «كانت أهم النتائج التي تمخضت عن الدراسة أن عملية نهب الكتب تمت بحسب خطة منهجية» وأضاف: «إن دولة الاحتلال عندما سلبت الأملاك العربية سلبت معها كل ما تحتويه الأملاك وخاصة المكتبات العائدة لأشخاص ومثقفين».

     من جهة أخرى أشار إلى أن عملية النهب تمت بصورة مختلفة، فالبداية كانت بمحاولة مصادرة الكتب ووضعها في المخازن والمستودعات الإسرائيلية وبخاصة المكتبة القومية ولما فشلت المحاولة عمدوا إلى الاستيلاء على الأملاك كاملة، ويُشير «شلحت» إلى أن الهدف من الاستيلاء على الأملاك لا يأتي من باب النهب المادي فقط وإنما محاولة جادة لطمس الماضي الثقافي لفلسطين ليتمكنوا بعد ذلك من طمس الماضي الجغرافي للأرض ويحققوا أسطورتهم التي جاءوا زاعمين أنها سبقت وجودهم.

     وبتحليل أكبر لما احتوته الدراسة يبين شلحت أن هناك وثائق ورسائل متبادلة أثناء عمليات نهب الكتب والمكتبات تؤكد حدوث نهب للكتب والمكتبات والتراث الإسلامي الفلسطيني تم بتخطيط كامل ومحكم، ويلفت إلى أنها بذلك تنفي دراسات سابقة أشارت إلى أن العملية حدثت بدون أدنى تخطيط وبناءً على فراغ الأرض الفلسطينية من أهلها بعد فرارهم خائفين، وقال: «كافة الوثائق في الدراسة تؤكد أن عملية نهب الكتب ممنهجة بهدف تزوير التاريخ».

القدس..الهدف الأكبر !

     أنطوان شلحت من داخل الأراضي المحتلة عام 48 يؤكد أن الدراسة والوثائق التي اطلع عليها توضح أن هناك عملية نهب كتب من مدينة القدس -الشطر الغربي الذي تم احتلاله في العام 48 - وأكد على نتيجتين تتعلقان بالقدس التي تضج بأركان الثقافة والحضارة الفلسطينية، أولاهما أن الوثائق التي كشف عنها خلال الدراسة تُجسد لحظة تُظهر بالملموس كيف تنبثق ثقافة ما من ثقافة أخرى بعد أن تُبيدها عن بكرة أبيها، وذكر شلحت لنا ما ذكره الباحث الصهويني بالحرف وهو: «أن لحظة تخريب الثقافة الفلسطينية كانت لحظة ميلاد وعي إسرائيلي جديد مؤسس ليس فقط على محو الوجود الفلسطيني وإنما تدمير ثقافته أيضًا والقضاء عليه بما يمكن الاحتلال من الادعاء الذي بموجبه يؤكد أن الثقافة السابقة لم تكن قائمة مطلقًا مما يجعل من المستحيل لأحد أن يناقض المفهوم»، فيما لفت في النتيجة الثانية إلى أن عملية نهب المكتبات تُشير إلى محاولة مسخ ثقافة حية وديناميكية مزدهرة من خلال تحويلها إلى غرض متحفي ووضعها محنطة في محراب الكتب الإسرائيلي.

وبيَّن أن النتيجتين تُبطلان ادعاءات الإسرائيليين الذين يرون أن أحد أسباب عدم أحقية الفلسطينيين بالدولة أنهم لا يملكون ثقافة أو حضارة.

غنائم حرب!!

     إن ما أفصح عنه الفيلم الوثائقي الذي تناقلته وسائل الإعلام مؤخرًا من حقائق قدمها اليهودي د. غيش عميت لنيل درجة الدكتوراة من جامعة بئر زيت، ليس مُفاجئًا أو جديدًا للتاريخ الفلسطيني، كما يقول لنا أستاذ العلوم السياسية والباحث في الشأن التاريخي الفلسطيني د.سميح حمودة.

     ويضيف د. حمودة لـ«الفرقان»: «الكل يعرف أن قوات الهاجاناه والمنظمات الصهيونية- في أعقاب حرب 48 وأثناء النزوح القسري للفلسطينيين داهمت البيوت العربية واستباحت ممتلكاتها بكل أنواعها»، وأضاف أن التاريخ أشار في تلك الأثناء إلى تشكيل لجنة خاصة للكشف عما يُعثر عليه من المأثورات الثقافية وكافة أدوات التراث الفلسطيني وجمعها، لافتًا إلى أنها بعد ذلك تحولت إلى المكتبة الوطنية «بإسرائيل» على اعتبار أنها غنائم حرب.

     ويؤكد د. حمودة أن هدف إسرائيل من سرقة التراث العربي لا يبتعد عن تحقيق مخططاتهم الاستيطانية القائمة على إلغاء كل شيء وإحلال تاريخ مزيف يؤكد وجودهم وينفي أي وجود قبلهم، يقول: «أرادوا فهم العرب ومعرفة دواخل المجتمع العربي لتحقيق السيطرة الكاملة، ووضع السياسات الملائمة للتعامل معه»، ويسرد د. حمودة بعض نماذج لأهم المكتبات التي نُهبت، منها مكتبة عمر البرغوثي، وخليل السكاكيني، ومكتبات هائلة في شمال فلسطين ووسطها وجنوبها وكافة المدن التي احتلوها، موضحًا أنهم أودعوا مقتنياتها في الجامعة العبرية في قسم خاص بها.

المطلوب للمواجهة

     يجب العمل من أجل مواجهة تلك الجريمة و فضح المخططات الإسرائيلية في سرقة التراث العربي الفلسطيني، ورغم أهمية دور المؤسسات الخاصة التي تُعنى بإحياء التراث الفلسطيني إلا أنه لا يمكنها مواجهة «إسرائيل» بمفردها، والسبب أنها لا تملك القدرة القانونية أو المالية لمواجهة الاحتلال.

     د. سميح حمودة يؤكد أن الدور يبقى منقوصًا بدون دعم السلطة الفلسطينية، يقول: «السلطة الفلسطينية تستطيع أن تُطالب بموجب القوانين الدولية باستعادة التراث الفلسطيني والتأكيد على أنه تراث فكري لشعب فلسطين وتمت سرقته من قبل الاحتلال»، وأضاف أن ذلك ليس صعبًا ولا يختلف عما تقوم به مصر أو العراق بالمطالبة بآثارها التي نُهبت منها، ويوضح د.حمودة أنه حتى المؤسسات الدولية «اليونسكو» المهتمة بالحفاظ على التراث الإنساني والثقافي لا يمكنها التحرك إن لم تكن مطالبة من السلطة الفلسطينية وأعضاء منظمة التحرير بمشروع أو اقتراح، فرغم اسمها ومهمتها إلا أنها تتعثر إذا ما تعلق الأمر بالتراث الفلسطيني والتأكيد على الحق التاريخي، قائلًا: «على السلطة وبرغم كافة ما تعاني من أزمات سياسية واقتصادية أن تعمل على تحريك العالم من خلال اليونسكو» وأضاف: عليها أن تبادر أولًا وتحشد التأييد العربي لتتمكن من إثارة منظمة اليونسكو وكافة المنظمات الدولية.

     أما فيما يتعلق بما يمكن فعله على المستوى القانوني الدولي فيوضح الخبير أنطوان شلحت أنه بالإمكان مقاضاة إسرائيل على ما قامت به وتقوم به حاليًا، لافتًا إلى أن بعض أصحاب الممتلكات الشخصية من المكتبات قاموا برفع دعاوى على الاحتلال، مؤكدًا أن ما تم عملية سرقة في وضح النهار وأن عملية النهب لم تتم تحت غبار الحرب وإنما ضمن خطة منهجية لنهب الثقافة الفلسطينية وتجييرها لخدمة الادعاءات الصهيونية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك