الفوضى الأمنية والقاعدة وفلول القذافي يضعون ليبيا على فوهة البركان
لا يبدو أن الأوضاع في ليبيا تتجه إلي الاستقرار في المستقبل المنظور؛ بسبب التفجيرات التي تعرض لها مقر البعثة الأمريكية في بنغازي وقبلها استيلاء إحدى الميلشيات على مطار طرابلس احتجاجا على غياب أحد القادة المحليين والمعارك المشتعلة في الكفرة بين قبائل الزاوية العربية والتبو ذوي الأصول الأفريقية، وما تلا ذلك من إعلان المفوضية العليا للانتخابات تأجيل الانتخابات لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية للعاشر من يوليو المقبل بعد أن كان مقررا لها منتصف يونيو لأسباب وصفتها اللجنة باللوجيستية مثل مناقشة الطعون وتحديد القوائم النهائية للمرشحين.
تأجيل وإخفاق
ولا شك أن مسألة تأجيل الانتخابات التشريعية في ليبيا كان أمراً متوقعا منذ مدة، بل إن رئيس المجلس الانتقالي الليبي المستشار مصطفى عبدالجليل قدم إشارات على هذا التأجيل منذ فترة ليست بالقصيرة وإن كان الانتقالي قد حاول أن يقذف بالكرة في ملعب المفوضية العليا لانتخابات بالتأكيد على أن أسبابا فنية تتعلق بعمل اللجنة هي التي حالت دون انعقاد الانتخابات في موعدها، وهي حيلة يلجأ إليها المجلس الانتقالي كثيرا لتسويغ إخفاقه في التعاطي مع الأزمات المتتالية، بل إنه يحاول دائما أن يحمل حكومة عبدالرحيم الكيب مسؤولية المشكلات التي تعانيها ليبيا وهي أمر كرس حالة الشقاق داخل البلاد.
غير أن المبررات التي ساقها الانتقالي والمفوضية العليا للانتخابات لم تعد تنطلي على أحد، فالجميع يدرك أن الاضطرابات التي تشهدها أجزاء واسعة من ليبيا ليست هي التي حالت دون انعقاد الانتخابات في موعدها في ظل العراقيل الشديدة التي تحول بينها وبين إتمام هذا الاستحقاق، فما زالت اعتراضات الفعاليات السياسية والقبلية في بني غازي على ما تعده تهميشا لها في الجمعية الوطنية لصالح مناطق أخرى، ولاسيما في الغرب وطرابلس وهو الموقف الذي حدا بمناطق ليبية أخرى ولاسيما التي تضم قبائل أمازيغية وأفريقية للمطالبة بإزالة التهميش الذي وقع عليها طوال سنوات القذافي.
فوضى أمنية
ولا يمكننا في هذا السياق تجاهل المشكلات الأمنية التي تعانيها ليبيا منذ سقوط نظام القذافي وتأثير الفوضى الأمنية التي شهدتها معظم البقاع الليبية التي تكرست بالاعتداء على مقر البعثة الأمريكية في بنغازي مما فتح الباب على مصراعيه لاتهامات بانتشار تنظيم القاعدة في منطقة بنغازي المعروفة بأنها مركز ثقل تقليدي للحركات الإسلامية، وهو التمدد الذي حرص مسؤولون ليبيون عديدون على نفيه والتقليل من حجم تمدد القاعدة في شكل أكد رغبة مسؤولي المجلس الانتقالي في تفويت الفرصة على جهات دولية لاستخدام هذه الحادثة للضغط على طرابلس لتقديم تسهيلات أمنية للأمريكيين وحلفائهم، وهو أمر قد يقابل برفض من جانب الرأي العام الليبي المستاء أصلاً من أي نفوذ غربي في ليبيا في مرحلة ما بعد القذافي.
ورغم محاولة التقليل من حجم الاعتداء على البعثة الأمريكية وربطه بمطالب محلية إلا أن قضية السيطرة على مطار طرابلس احتجاجًا من جانب ميليشيات ليبية على اختفاء قائد عسكري محلي ومطالبتهم للحكومة الليبية بضرورة الكشف عن مصيره، عمقت من حالة الانفلات الأمني بل جعلت الحديث ينتقل إلى توسع فلول القذافي في إشعال الاضطرابات وممارسة ضغوط على الحكومة الليبية لضمان دور سياسي لبعض المجموعات السياسية الموالية للحكم السابق وهو أمر سيقابل برفض من القوى الثورية؛ مما يعرض البلاد للدخول في نفق مظلم.
فلول النظام
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي يقوم به فلول النظام البائد في إشعال الاضطرابات في المناطق الشرقية والجنوبية، فالأزمات والاشتباكات الدامية التي اندلعت في الكفرة وبين القبائل العربية والأفريقية التي خلفت عشرات القتلى ومئات المصابين ولاسيما في بلدة الشقيقة في الجنوب هي اضطرابات مرشحة للتكرار في عدد من المدن الليبية مادامت أموال القذافي وفلول أسرته في الجزائر تستخدم لإشعال الاضطرابات من آن لآخر ومادامت الحكومة الليبية عاجزة حتى الآن عن استعادة الأمن وهيكلة الأجهزة الأمنية بشكل يجعلها قادرة على التصدي وكشف هذه المخططات وإحباطها.
شروط معقدة
وفي هذا السياق لا ينبغي لأحد أن يغض الطرف عن حادثة إلقاء ميليشيات ليبية القبض على إحدى المحاميات التابعات للمحكمة الجنائية الدولية أثناء إجرائها التحقيق مع سيف القذافي نجل القذافي وصندوقه الأسود بتهمة إدارة أعمال غامضة، غير أن هذا الأمر على خطورته يتضاءل أمام عدم قدرة المجلس الانتقالي وحكومة الكيب حتى الآن على تسلم سيف القذافي من ثوار الزنتان الذين ألقوا القبض عليه في صحراء الجنوب الليبي حيث وضعوا شروطًا معقدة لتسليمه للمجلس الوطني لبدء محاكمته أو الدفع به للمحاكمة الجنائية الدولية، وهي تطورات تكشف حالة العجز الرهيبة للمجلس الوطني الانتقالي في استعادة الأمن والظهور بمظهر الحكومة القادرة على القيام بكل واجباتها.
ومن المهم هنا التأكيد على الدور الذي تؤديه أجهزة الاستخبارات الغربية التي تمتلئ بها الساحة الليبية؛ حيث تستغل هذه الأجهزة حالة الارتباك السائدة هناك لتعزيز هذه الفوضى واستغلال هذه الأجواء لابتزاز الحكومة الليبية ودفعها لتقديم تنازلات في ملفات عديدة منها الإعمار والكعكة النفطية والعقود المقدمة لشركات الأمن لتأهيل القوات والأجهزة الأمنية الليبية، بل إن هذه الأجهزة كما يؤكد الدكتور نبيل فؤاد أستاذ العلوم الإستراتيجية تحاول استغلال سلطاته برموز النظام السابق للقيام بعمليات وتوظيف هذا الأمر لابتزاز المجلس الانتقالي.
وأشار إلى أن هذه الأجهزة تسعى لنشر الفوضى وإثارة الشكوك حول مدى نجاح العملية السياسية والتأكيد على عجز الوطني الانتقالي عن تنظيم الاستحقاقات السياسية الكبرى، ناهيك عن فتح ملف القاعدة وإجبار الحكومة الليبية على تقديم تسهيلات عسكرية ولوجيستية للقوى الغربية الكبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة سواء في المناطق الشرقية أو الغربية؛ سعيا لمحاصرة ثورات الربيع العربي من كل جانب وتنفيذ أجندات معينة.
وتابع: تدرك هذه الأجهزة الاستخباراتية أن الحكومة الليبية لا تستطيع الاستجابة للمطالب الغربية، بإنشاء قواعد عسكرية غربية فالشعب الليبي لن يقبل أن تسقط هيمنة القذافي وتستبدل بها هيمنة غربية مهما كان دور الغرب في دعم الثورة الليبية؛ لذا فمن المحتمل تورط هذه الأجهزة في إشعال الاضطرابات في جميع أنحاء ليبيا ودفع الانتقالي لتأجيل الانتخابات التشريعية إلى يوليو القادم وتعريض العملية السياسية لخطر كبير.
ومن المهم جدًا بعد هذا الاستعراض التأكيد على أن الفوضى الأمنية التي تشهدها البلاد هي التي أسهمت في اتخاذ المجلس الوطني الانتقالي قرار تأجيل الانتخابات ليوليو القادم في ظل العجز عن تأمين الصناديق ولاسيما في بنغازي التي ينتابها حالة من الرفض لتهميشها داخل الجمعية التأسيسية، فضلاً عن نزعات الفيدرالية التي تتصاعد داخل البلاد رفضًا للدور المتنامي لطرابلس العاصمة في الساحة السياسية الليبية طوال عهد القذافي والمرشح استمرارها.
سيناريو البوعزيزي
ومن المؤسف في هذا السياق المتوتر لجوء بعض الشباب الليبي لتكرار سيناريو البوعزيزي في تونس؛ حيث استحدثت هذه الظاهرة لتعكس فشل حكومة الكيب في التصدي لجميع المشكلات من بطالة وعجز عن تسيير المؤسسات الخدمية.
ويتخوف المجلس الانتقالي من خطورة اتساع هذه الظاهرة ليضاف إليها مشكلات الاضطرابات الأمنية والفشل السياسي التي تعاني منها البلاد، وهو أمر يزيد القلق على مستقبل العملية السياسية في البلاد كما يؤكد السفير رفاعة الطهطاوي سفير مصر السابق في ليبيا؛ حيث يؤكد أن تأجيل الانتخابات الليبية رغم رمزيته إلا أنه يكشف عن تعقيد المشهد الليبي وهو تأجيل قد يشجع أطرافا بعينها داخل الساحة الليبية لرفع أسهمها وتشديد الضغوط على المجلس الانتقالي لانتزاع تنازلات قد تضرب الاستقرار الهش في مقتل.
وتابع: ومن المهم الإشارة إلى أن الأزمات الأمنية التي تضرب المدن الليبية تؤشر لمدى الصعوبات التي تواجه البلاد وتفتح الباب أمام تأجيل آخر للانتخابات وتشيع القلق حول مستقبل العملية السياسية في ليبيا خصوصًا أن الانفلات الأمني مرشح للتكرار خلال المرحلة القادمة.
رسالة سلبية
وعد أن تأجيل الانتخابات قد يوصل رسالة سلبية للمجتمع الدولي حول وجهة الأحداث، ولاسيما أن الأمر قد فتح ملف وجود القاعدة في الأراضي الليبية وهو ملف قد يستخدم لابتزاز المجلس الانتقالي، مشددًا على ضرورة تعاطي الحكومة الليبية بشكل إيجابي مع المطالب المنطقية للقوى السياسية في ليبيا سعيًا لتفريغ جذور العنف من مضمونها.
وانتقد الطهطاوي عدم تبني المجلس الانتقالي لخطاب سياسي واضح وقطعه خطوات طويلة في دمج الثوار في المؤسسات المدنية الليبية وتسوية مشكلات بعينها مع المناطق الليبية المختلفة تؤشر لنوع من الاستقرار الأمني.
ومع هذا بدا الطهطاوي واثقًا من إمكانية انعقاد الانتخابات في السابع من يوليو كبداية لنوع من الاستقرار إذا استطاع المجلس الانتقالي التوصل لتسوية مرضية مع القوى السياسية تؤشر لبداية جديدة لتأسيس دولة حديثة في ليبيا تكرس القطيعة مع نظام القذافي.
لاتوجد تعليقات