مستقـــبل الدعــــــوة السلفيـة في مصر بعد ثورة 25 يناير
ولا شك أنَّ المكانة التي اكتسبها الإسلاميون عمومًا والسلفيون على وجه الخصوص لم تكن وليدة اللحظة, ولم تأت من فراغ, بل كانت لها مقدمات وأسباب أهمها:
التأثير الكبير للقنوات الفضائية السلفية التي ارتبط الناس بها وبعلمائها طوال السنوات الفائتة. الملل من الأنظمة الديكتاتورية وكل من ارتبط بهم وحاجة الناس إلى التغيير، ولاسيما بعد فشل أغلب تجارب التيارات العلمانية والليبرالية وغيرها من أصحاب الأفكار والمبادئ المنحرفة التي أخذت فرصتها كاملة من الوقت والإمكانات ولم تفرز إلا مثل هذه الأنظمة المستبدة والفاسدة.
طبيعة الشعب المصري وعاطفته الدينية الكبيرة وثقته في كل من يرفع شعار الإسلام.
تعاطف الناس مع الإسلاميين نتيجة الظلم والاضطهاد والتضييق والقهر الذي وقع عليهم طوال السنوات الفائتة.
استشعار الناس مصداقية الإسلاميين بعد أن أتيحت لهم الفرصة للتعبير بحرية عن برامجهم وأنشطتهم والتحامهم بالجماهير في كافة ميادين الحياة.
مستقبل المشروع السلفي
لذلك فإن الحديث عن مستقبل المشروع السلفي في ظل هذه المكاسب لا يُعَدُّ من نافلة القول، بل هناك حاجة مُلِحَّة له في الوقت الراهن؛ لأن المسألة ليست فقط في إحلال نظام محل نظام، ولا في إبدال حكم بحكم، فليس من منهجنا كسلفيين تغيير الأنظمة فقط، ولا نسعى لذلك، وإنما منهجنا منهج حياة متكامل، وإعادة بناء لشخصية الإنسان بكل أبعادها وبكافة مرافقها العقدية والأخلاقية والسلوكية.
وهذا ليس انحيازًا مني لهذه الدعوة المباركة، ولا اختزالا لجهود باقي التيارات الإسلامية، أو نفي وجودها من الساحة، مع اعتقادي الجازم أنَّ المنهج السلفي هو المنهج الأصلح والأقوم لإنقاذ المجتمع، بل البشرية جمعاء وهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولكن هذا الاهتمام جاء لأسباب عدة أهمها:
-استحواذ السلفيين دون غيرهم من التيارات الإسلامية على النصيب الأكبر من هذا الجدل السابق ذكره، ولا شك أن هذا مؤشر واضح على الدور المؤثر لهم في المجتمع المصري.
-دخول السلفيين في المشهد السياسي المصري كان مفاجأة ونقلة نوعية كبيرة للدعوة السلفية تحتاج منا إلى وقفة ودراسة متأنية ودقيقة يجب ألا تمر مرور الكرام.
-تنوع المدارس السلفية وتعددها في مصر؛ مما يستوجب دراسة آليات التنسيق والتكامل بين هذه المدارس في المرحلة المقبلة.
-استهداف السلفيين على وجه الخصوص من قبل النصارى والعلمانيين وخصوم الدين في الداخل والخارج؛ مما يستوجب دراسة إستراتيجيات مواجهة تلك المخططات.
-امتلاك السلفيين لطاقات وإمكانات وموارد هائلة، ولابد من معرفة كيفية التوظيف الأمثل لهذه الطاقات والموارد.
-وأخيراً صعوبة المرحلة التي تمر بها مصر، وصعوبة التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأحداثُ؛إذ إن الملابسات التي تشترك في صناعة المستقبل كثيرة ومتداخلة، وتضعنا أمام تساؤلات عديدة عن مستقبل المشروع السلفي في ظل هذه المتغيرات.
من هنا يبرز دور الدعوة السلفية الريادي، وهنا تقع المسؤولية الكبيرة على عاتق قيادات هذه الدعوة باعتبارها جزءا لا يستهان به من الحراك الشعبي الموجود، وباعتبار الثقة التي توليها الشعوب لها، وباعتبار أيضًا أنها بلغت حدًّا من التجذر في المجتمع لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجع تأثيرها في المدى المنظور.
والاستشراف بالمستقبل ودراساته علمٌ في حد ذاته، وله مناهجه ومؤسساته التي تعنى به وبتدريسه، وقد ظهر في منتصف القرن العشرين الميلادي، في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم في أوروبا، وكان الدافع العسكري بالطبع وراء ذلك.
وعن أهمية هذا العلم يذكر الدكتور خالد بن عبد الله المزيني، أستاذ الفقه بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، أهمية استشراف المستقبل فيقول: «استشراف المستقبل ضروري لقادة الرأي، وساسة الشعوب، وأصحاب المصالح العامة، وهو طبيعة تنزع إليها النفوس البشرية أبداً، كما يقرر ذلك ابن خلدون بقوله: اعلم أنَّ من خواص النفوس البشرية، التشوف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت، وخير وشر، ولا سيّما الحوادث العامة، والتطلُّع إلى هذا طبيعةٌ، البشرُ مجبولون عليها».
وقد حدد علماء الإدارة أهم فوائد استشراف المستقبل ومنها:
-عدم التخبط في الخطوات، وعدم الحيرة في اتخاذ المواقف والقرارات:
-يعد دليلاً واضحًا في جلب المنافع، ودفع المضار والأخطار.
-يساعد في رسم السياسات، والتخطيط، وتحديد الأولويات.
-يعمل على استقلالية الأمة في تطلعاتها المستقبلية وعدم الاستسلام للأجندات التي تُوَصِّف واقعها وتفرض له الحلول والمخارج.
ومن أهم الأدوات اللازمة لاستشراف المستقبل وبناء الرؤية المستقبلية ما يلي:
ـــــ القدرة العالية على التخطيط: فالأمَّة الإسلامية اليوم تواجه من أعدائها في الداخل والخارج كيداً عظيمًا، قد أُرسيت قواعده، وشُيِّدت أركانه، وعلت رايته، وأحد أهم ركائزه التخطيط المتقن والنظر البعيد، لذلك لابد أن يقابل التخطيط بمثله، والمكر بأشد منه.
والتخطيط هو الأسلوب الأمثل الذي يساعد السلفيين والإسلاميين على مواجهة هذا الكيد، ويعينهم على استشراف المستقبل لمواجهته، وتخطي العقبات، والتعامل مع المتغيرات.
مع الأخذ في الاعتبار أنَّ التخطيط عملية مرهقة ومكلفة تحتاج إلى قيادات ماهرة ذات كفاءة عالية، مع الحاجة إلى كم هائل من المعلومات والبيانات ذات التكاليف العالية، إلا أنه في النهاية يحقق نتائج باهرة ويجنب الدعوة كثيراً من الخسائر ويوفر كثيراً من الجهود.
ـــــــ امتلاك مؤسسات ومراكز أبحاث تعنى بصناعة القرارات، ففي دراسة قام بها مدير برنامج مراكز التفكير والمجتمع المدني في برنامج العلاقات الدوليَّة بجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا الأمريكية نشرتها مجلة «Foreign Policy» في عدد كانون الثاني/ شباط 2009، جاء فيها أنَّ عدد المراكز المعنية بدراسات المستقبل وصنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وصل ما يقارب (1872) مركزًا منتشرة في جميع الولايات الأمريكية من إجمالي حوالي (4000) مركز على مستوى العالم، وقد أطلق عليها منذ ظهورها «بيوت الخبرة».
في حين ذكرت الإحصائية أنَّ عدد هذه المراكز في العالم العربي لا يتجاوز (25) مركزًا، كثيرٌ منها يفتقر لأبسط الإمكانات التي تؤهله للقيام بعمله، في حين أنَّ عدد المراكز في الدولة اليهوديَّة أكثر من (20) مركزًا ضخمًا، بخلاف تلك المراكز التي يمولها اليهود في دول الغرب والولايات المتحدة لتوجيهها بما يخدم أهدافها.
لذلك تعد هذه المراكز من أهم أدوات صناعة القرار وبناء الرؤية المستقبلية في العصر الحديث، فاتخاذ القرارات الاستراتيجية الفعالة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية مرهون بتلك المؤسسات.
ومع الأسف الشديد فإن شريحة كبيرة من الأمَّة الإسلاميَّة – عموماً، أفراداً وجماعات- وكثير من الدعاة والمؤسسات الدعوية يعانون كثيراً من الغموض في رؤيتهم المستقبلية، ويغيب عنهم أهميتها، ومناهجها، وأساليبها، من حيث الفكر ومن حيث التطبيق.
مكاسب ومخاطر
ــ ومن هذا المنطلق أعرض هنا لبعض المكاسب التي تحصلت عليها الدعوة السلفية نتيجة هذه الأحداث، وكذلك بعض المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تقف في وجه المشروع السلفي، لعلنا نستفيد منها في بناء الرؤية المستقبلية التي نتحدث عنها، ومن أهم هذه المكاسب:
(1) أظهرت الأحداث الرصيد الفعلي للدعوة السلفية في الشارع المصري ومدى تعاطف الناس مع هذا المنهج وعلمائه.
(2) دفعت الأحداث قيادات الدعوة السلفية إلى إعادة صياغة المشروع السلفي على أسس جديدة تعتمد على تأصيل فقهي ونظري لتحديد الضوابط الشرعية للانخراط والمشاركة في الحياة السياسية المصرية.
(3) استشعر السلفيون حجم المسؤولية التي يحملونها، فبدأت تتكون لديهم رؤى جديدة خرجت عن الإطار المحلي الضيق إلى رؤى أوسع وأرحب لبناء مشروع نهضة يخرج الأمة من أزمتها.
(4) عززت الثقة في قدرات الدعوة وشبابها وإمكاناتهم مما أعطى مزيدا من الحيوية والحراك داخل نطاق الدعوة وبين شرائحها المختلفة، وهذا ما ظهر جليًا في مليونية الهوية والشريعة مما غيَّر حسابات كثير من المراقبين في الداخل والخارج تجاه الدعوة السلفية.
(5) حسَّنت الصورة الذهنية للدعوة سواء في الأوساط الشعبية أم مع القيادة السياسية من خلال الدور البارز والالتحام الكبير لشباب الدعوة وبين تلك الأوساط، ودورهم في الحفاظ على الأمن والسيطرة على الاضطرابات.
(6) أظهرت كثيرا من الطاقات والكفاءات التي لم يكن يراها الناس من قبل أمثال الشيخ عبد المنعم الشحات، وغيره.
(7) أظهرت هشاشة التيارات العلمانية والليبرالية وضحالتها وفشلها في تقديم مشروع يقنع الجماهير، وبدا ذلك من خلال الحوارات والسجالات التي قادها علماء الدعوة السلفية عبر الفضائيات المختلفة؛ مما لم يكن يقدر على ذلك غيرهم.
هذه المكاسب وغيرها التي تحصلت بعد الثورة لابد أن تكون محل عناية ورعاية من علماء الدعوة وقادتها حتى يمكن الاستفادة منها ودعمها، ولا شك أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود بل ستتهدده العديد من العقبات والتهديدات، من أهمها:
(1) المشروع الصهيوأمريكي الذي جعل المشروع السلفي هدفًا استراتيجيًا في حربه على الحركات الإسلامية، وأدواته الإقليمية والمحلية التي تسعى بكل وسيلة وطريقة لتشويه صورة الدعوة وإبعادها بكل سبيل عن واقع الحياة.
(2) حجم المشروع السلفي - ولاسيما بعد ولوج معترك السياسة - طموح لدرجة قد تكون أكبر من حجم شباب الدعوة وطاقتهم، ونخشى أن يتم سرقة طلبة العلم وشباب الدعوة إلى المعترك السياسي فتخلو الساحة الدعوية دون أن نشعر من رجالاتها وحماتها.
(3) ظهور خلافات متوقعة وواردة بين طلبة العلم ولاسيما عند تزاحم المصالح الدعوية مع المصالح السياسية.
(4) ربما يضطر السلفيون إلى عقد تحالفات مع الفرقاء السياسيين ومع أناس كانوا بالأمس أعداء، فلابد أن يكون لديهم التصور الكامل والمعايير الواضحة لعقد مثل هذه التحالفات، وهل ستكون في صالح الدعوة أم لا؟
(5) وجود أفكار وتوجهات محسوبة على الدعوة السلفية ربما تُستَغل بصورة أو بأخرى وتعود إلى ما كانت عليه من قبل من أفكار؛ مما قد يضر كثيرًا بالدعوة ويهدم كل ما تم بناؤه من صروح في الفترة الماضية، ولاسيما مع وجود الآلة الإعلامية الفاسدة التي تخلط الحابل بالنابل وتصطاد في الماء العكر.
خطورة المرحلة
ختامًا: فإن المشروع السلفي في مصر محط أنظار العالم أجمع، وعلى القائمين عليه استشعار هذه المسؤولية، وخطورة المرحلة المقبلين عليها، وإدراك حجم الأزمة الحقيقي، فإنَّ الإنسان إذا احتوشته المخاوف تنبهت حواسه وتيقظت مداركه واستنفرت قواه، فإن لم يفعل فالموت حتم لازم.
إذا المرء لم يحتل وقد جَدَّ جِدُّهُ
أضاع وقاسى أمرَهُ وهو مدبرُ
ولا شك أنهم أمام تحديات كثيرة، منها في الجانب السياسي، ومنها في الجانب الاقتصادي، والأخطر من هذا كله الجانب الثقافي الذي يهدف إلى الغزو الفكري وإلى إحلال القيم والتصورات الغربية محل القيم والتصورات الإسلامية.
والتحدي الأكبر هو في الهجوم الموجه نحو الإسلام ذاته، والمحاولات المستمرة للنيل منه ليل نهار، والهجوم عليه وما يتبعه من هجوم على الإسلاميين لمنع صوتهم، وإعلان صمتهم، ورضوخهم للأمر الواقع الذ ي انبطحت فيه الأمة أمام المد اليهودي الصهيوني الأمريكي، الذي لا يقبل أن يرى رأساً يرتفع، أو معارضاً يرفض، أو إنساناً يقول لا للظلم والقهر والتطبيع.
أمام هذه التحديات وغيرها مما يواجه الإسلام والمسلمين لا بد أن تكون لدى القائمين على المشروع السلفي القدرة على استشراف المستقبل ، وكيفية الخروج من هذا النفق المظلم، وعليهم تسخير كافة الجهود والطاقات من الباحثين والمفكرين وعلماء الدعوة، ليعملوا على إظهار دينهم على الدين كله، وليواجهوا التعدي بالاستعداد والعمل والفكر، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}. وسنتعرف أكثر على هذه الرؤية في حوارنا مع الشيخ الدكتور ياسر برهامي في الأعداد القادمة إن شاء الله.
لاتوجد تعليقات