العمل السياسي يتطلب توحيد صفوف السلفيين في مصر
يبدو أن التيار الإسلامي عموماً يواجه اختبارا شديد الصعوبة وفي المقدمة منه التيار السلفي بعد التطورات السياسية التي شهدتها مصر خلال الأشهر الأخيرة ونهاية عقود عانوا خلالها من العصف والتنكيل الأمني ومحاصرة جهودهم الدعوية عبر فرض قيود على تحركاتهم وتوقيف عدد كبير منهم لسنوات خلف قضبان السجون، وهو سيناريو تغير حاليًا بشكل جذري حيث فتحت الأبواب على مصراعيها أمام التيارات الإسلامية لأداء دور سياسي فضلاً عن دورهم الدعوي بأن جهات نافذة استخدمتهم لإطفاء عدد من الحرائق اشتعلت في مصر مثل أزمات حرائق كنائس (صول وإمبابة) والاضطرابات التي واكبت تعيين محافظ قنا النصراني.
اتهامات
وكان لافتًا بشدة تصدر عدد من رموز التيار السلفي والإسلامي المشهد الإعلامي في مصر خلال الفترة؛ حيث صاروا هدفًا مشروعًا للقنوات الفضائية بعد أن عانوا طويلاً من تجاهل وسائل الإعلام غير أن الظهور الإعلامي واكبه حملة إعلامية من بعض العلمانيين وبقايا الشيوعيين؛ حيث عمدوا إلى التحذير من مخاطر تصاعد نفوذه واكتسابه أرضية واسعة، بل ألصقوا به اتهامات من عينة «قطع أذن قبطي» و«هدم عدد من الأضرحة» و«مهاجمة كنائس»، وهي الاتهامات التي حرص رموز التيار السلفي في مصر عن النأي بأنفسهم عنها، بل إدانتها بأشد عبارات الإدانة، وهو المسعى الذي شاركهم فيه بعض المؤسسات الدينية الرسمية وجماعة الإخوان المسلمين.
واستغلت بعض وسائل الإعلام بعض الهنات التي وقع فيها بعض رموز العمل السلفي في مصر وحديث بعضهم عن «غزوة الصناديق» لتفتح الباب على مصراعيه حول دخول التيار السلفي والجماعات الإسلامية على خط المشاركة السياسية في مصر ما بعد مبارك، فهناك من آثر عدم خوض غمار السياسية في حين صمم آخرون على ضرورة الاستفادة من التطورات الجديدة لدرجة أن هناك أحاديث عن وجود جهود لإنشاء 8 أحزاب سلفية تحت التأسيس رغم أن التراث السلفي يمقت الحزبية.
وقد أسهم التوافق بين جماعة الإخوان المسلمين الذي شهدته التعديلات الدستورية في مصر والتنسيق بين الطرفين في تغليب وجهة نظر مفادها أن التيار السلفي قد يؤيد مرشحي جماعة الإخوان بقوة خلال أي استحقاق انتخابي قادم باعتبار أن الإخوان ومهما كانت درجة التحفظ السلفي على نهجهم إلا أنهم من أقوى الفصائل الإسلامية في الساحة المصرية وأكثرهم قربًا من التيار السلفي بشكل قد يصب في صالح مسيرة الصحوة الإسلامية، بل يمكن أن يسهم في التصدي لأي حملات للعبث بالمادة الثانية من الدستور أو أي نص يتعارض مع هوية مصر الإسلامية.
تباينات حادة
وقد تنوعت الاجتهادات في تحديد مسار التيار السلفي ومدى إمكانية اقتحامه الساحة السياسية؛ حيث أكد بعضهم وجود قناعة لإمكانية تشكيل بعض السلفيين حزبًا سياسيًا وخوض غمار الانتخابات البرلمانية القادمة، بل إن بعضهم كشف عن وجود تحالف بين السلفيين والإخوان المسلمين لضمان هيمنة الإسلاميين على الساحة المصرية وضمان تعويض سنوات الحرمان والاعتقالات رغم صدور إشارات مختلفة من بعض التيارات السياسية، فهناك رؤية داخل جماعة أنصار السنة لا تجد حرجًا في المشاركة السياسية في النظام السياسي غير الإسلامي على اعتبار أن مزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرهم في الانتخابات العامة وغيرها أمر جائز مع مراعاة الضوابط الشرعية، في حين أن بعض العناصر في الدعوة السلفية تفتي بحرمة هذه المشاركة على اعتبار أن موازين القوى الحالية عالميًا وإقليميًا ومحليًا لا تسمح لهم بالمشاركة إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم لا يمكن التنازل عنها ودون الخضوع للرقابة الأمنية، ولا للتوجيهات الحكومية في ممارستهم لدعوتهم.
مشاركة إيجابية
وتدعم الدعوة السلفية بالإسكندرية خيار المشاركة الإيجابية على حسب تعبير بيانهم الذي أكد أنها بعد التشاور والمحاورة في ضوء المتغيرات الجديدة قد قررت المشاركة الإيجابية في العملية السياسية وأنها بصدد تحديد الخيار المناسب لصورة هذه المشاركة. رغم أنهم لم يوضحوا ماذا يعنون بهذه المشاركة الإيجابية إلا أن البيان يدل على نوع من النضوج والتريث للوقت المناسب.
يأتي هذا في الوقت الذي أكد الشيخ محمد حسان الداعية السلفي المعروف ضرورة أداء السلفيين لدور سياسي والمشاركة في رسم خريطة مصر الجديدة كما أسماها؛ حيث أوضح حسان أن سلفيي مصر يتحركون ببطء شديد، مطالبًا إياهم بضرورة تنشيط دورهم حتى لا يتركوا الساحة لآخرين ويظلوا بعيدًا عن أي تأثير.
وشدد الشيخ حسان على أهمية المزواجة بين العمل السياسي والعمل الدعوى دون إهمال أي منهما فنحن نمرُّ بظروفٍ شديدة الصعوبة من عمر أمتنا، وعلينا أن نعمل في أكثر من إطار: الأول يتمثل في الاهتمام بالعمل الدعوي بوصفه سبيلاً مهماً للإصلاح، والتفكير بقوة في أداء دور سياسي باعتباره قناة مهمة للتشريع وفق تعاليم ديننا.
وشدد حسان على ضرورة توحيد صفوف الإسلاميين وإيجاد صيغة جديدة لخطاب موحد يجمع هذه الحركات لتحقيق المصالح المشتركة والنهوض بالأمَّة في هذه الفترة الدقيقة، وهو خطاب يقبل بالاختلافات في الفرعيات دون الأصول، ويركز على التناصح لا التقاذف وتصيُّد الخلافات.
جهود تراكمية
ويرى كثير من المراقبين أن حالة التردد التي تسود صفوف التيار السلفي في مصر وعدم حسمهم خيارهم حول المشاركة السياسية ستزيد من مأزقهم بحسب الدكتور عمرو الشوبكي الخبير في شؤون الحركة الإسلامية؛ حيث يرى أن اقتحام الساحة السياسية يحتاج لخبرات تراكمية وضرورة وجود كوادر قادرة على المضي قدمًا في هذا الأمر، وهو ما يفتقده التيار السلفي الذي ركز طويلاً على المسار الدعوي لسنوات طوال، بل حقق فيها نجاحًا رغم الحصار الحكومي المضروب حوله.
أجواء الحرية
ويرى د. الشوبكي أن السلفيين أمامهم فرصة قوية لتنشيط دورهم الدعوي والاستفادة من أجواء الحرية التي تنعم بها مصر حاليًا؛ حيث لم تعد أي قيود تواجههم بالمقارنة بما كانوا يعانون في السابق، وذلك لتحقيق هدفهم المعلن وهو إعادة الأمة لحاضنة الدين وهو هدف ينبغي أن يركزوا فيه بدلا من تشتيت جهودهم في عمل سياسي لم يكتسبوا أدواته حتى الآن.
وشدد الشوبكي على أن المشكلة تتمثل في وجود اختلافات بين أعضاء التيار السلفي، فقد ظلت الخارطة السلفية تتسم بتعقد وتداخل الخيوط إلى الحد الذي بات معه من الصعوبة بمكان الإحاطة الدقيقة بمكونات الخارطة السلفية في الساحة المصرية، والوقوف على أفكارها ورموزها، واتجاهاتها وقواها من روابط الوصل ومحددات الافتراق والتمايز، وهو ما يخلق صعوبات أمام تحقيقها إنجازًا سياسيًا ذا قيمة خلال الفترة القادمة على الأقل.
ولفت الشوبكي إلى حاجة التيار السلفي لخطاب جديد إذا كان جادًا في خوض غمار السياسية، فهو الآن على مسرح يشاهده الجميع وعليه إدراك أن خطابه القديم في الزوايا والمساجد لم يعد صالحا لتوجيهه إلى جمهور المصريين بشكل عام، معتبرًا أن هذا الأمر يشكل صعوبة كبير في ظل إصرار التيار السلفي على انطلاق مواقفه من ثوابت عقدية يصعب المساس بها.
لاتوجد تعليقات