رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

من القواعد الفقهية في العمل الخيري .. الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود

  • قاعدة «الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود» لا تدعو إلى التقليل من شأن الإدارة أو التخطيط أو الإعلام وسائر الأعمال المساندة وإنما تضع كل وسيلة في موضعها الصحيح
  • المشكلة ليست في الوسائل وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية وأن تنشغل المؤسسة بالفروع عن الأصول وبالإجراءات عن الإنجاز وبكثرة الأنشطة عن تحقيق الأثر
  • ليس عدد المشروعات والفعاليات وحده مقياسًا لنجاح المؤسسة فقد يكون مشروع واحد عميق الأثر ومستدام النفع خيرًا من عشرات الأنشطة التي تستنزف الوقت والمال
  • المؤسسات الخيرية وُجدت لتنظيم العمل الخيري وتحقيق أهدافه بكفاءة ومهنية والاستفادة من الإدارة الحديثة ومعايير الجودة والإجراءات النظامية والأمنية لتحقيق الغاية الكبرى
 

من القواعد المهمة في ضبط العمل وترتيب الأولويات قاعدة: (الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود)، وهي قاعدة تزداد أهميتها في العمل الخيري والوقفي؛ لما يحمله القائمون عليه من أمانة عظيمة، تتعلق بحقوق الله وحقوق الخلق، وتتطلب وضوح المقاصد وحسن توجيه الموارد والطاقات، وعدم الانشغال بما يصرف المؤسسة عن رسالتها الأساسية.

مفاد القاعدة أن الإنسان قد يكون مطالبًا بعمل أو مقصد معين، ثم ينشغل عنه بعمل آخر ليس هو المقصود الأصلي؛ فإذا أدى هذا الانشغال إلى ترك المطلوب أو تأخيره أو تفويته، كان ذلك إعراضًا عنه. ولا تعني القاعدة أن كل اشتغال بغير المقصود الأصلي مذموم؛ فقد يكون العمل الآخر وسيلة ضرورية لتحقيقه. فالإدارة والتخطيط والإعلام وجمع التبرعات ليست في ذاتها مقاصد للمؤسسة الخيرية، لكنها وسائل مهمة لتحقيق رسالتها.

المشكلة ليست في الوسائل

          ومن هنا، فالمشكلة ليست في الوسائل، وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن تنشغل المؤسسة بالفروع عن الأصول، وبالإجراءات عن الإنجاز، وبكثرة الأنشطة عن تحقيق الأثر، ومن حكمة الشريعة مراعاة «واجب الوقت»؛ فقد يكون أمام المؤسسة عدد من الأعمال المشروعة، لكن تطرأ حاجة عاجلة تستوجب تقديم أحدها على غيره، وهنا يظهر فقه الأولويات وحسن تقدير ما ينبغي تقديمه وما يمكن تأخيره.

المقصد والوسيلة

        من أهم الضوابط اللازمة لفهم القاعدة التمييز بين المقاصد والوسائل، فإذا كان مقصد المؤسسة الخيرية إغاثة المحتاجين، فإن جمع التبرعات، والإعلان عن المشروع، وإعداد الميزانية، والتخطيط والتنظيم وسائل لتحقيق هذا المقصد، وكذلك المؤسسة الوقفية؛ مقصدها حفظ الوقف وتنميته وصرف ريعه في الجهة التي حددها الواقف، بينما إدارة العقارات والصيانة والدراسات الاستثمارية والتعاقدات وسائل لتحقيق ذلك. وعليه، لا يدخل الاشتغال بالوسائل في معنى القاعدة ما دامت مرتبطة بالمقصد وتؤدي إليه، وإنما يقع الخلل عندما تستقل الوسيلة عن غايتها، أو تستنزف من الأموال والأوقات والطاقات ما يؤدي إلى تعطيل المقصد أو إضعافه.

ضوابط تطبيق القاعدة

حتى لا تُستخدم القاعدة في غير موضعها، ينبغي مراعاة عدد من الضوابط:
  • أولًا: تحديد المقصود بوضوح: فلا يمكن الحكم على عمل بأنه خروج عن المقصود قبل معرفة رسالة المؤسسة وأهدافها ونظامها الأساسي وشروط الواقفين والمتبرعين.
  • ثانيًا: التمييز بين المقصد والوسيلة: فالإدارة والتخطيط والإعلام والتدريب والتوثيق وجمع التبرعات ليست غايات نهائية، لكنها قد تكون ضرورية لتحقيق الغاية.
  • ثالثًا: النظر إلى أثر الانشغال: فوجود عمل جانبي لا يعني بالضرورة الإعراض عن المقصود، وإنما العبرة بأن يؤدي إلى تعطيله أو تأخيره أو إضعاف أثره أو استنزاف موارده.
  • رابعًا: مراعاة الأولويات وواجب الوقت: فقد يكون العمل مشروعًا ومهمًا، لكن يوجد ما هو أولى منه وأشد حاجة إلى التقديم، ولا سيما عند وقوع الأزمات والكوارث والحاجات العاجلة.
  • خامسًا: مراعاة طبيعة الأموال: فالأموال الخيرية ليست على درجة واحدة؛ فمنها المطلق، ومنها المقيد بغرض محدد، ومنها الأموال الوقفية المرتبطة بشروط الواقفين؛ ومن ثم يجب توجيه كل مال إلى المقصد الذي خُصص له.

تطبيقات في المؤسسات الخيرية والوقفية

الانشغال بالإدارة عن الرسالة

         من صور الخلل أن تتوسع المؤسسة في الاجتماعات واللجان والمراسلات والإجراءات، بينما يتراجع الإنجاز المتصل برسالتها الأساسية. فالإدارة وسيلة لتحقيق الرسالة، وليست غاية مستقلة، وإذا استنزفت الوقت والمال دون أثر يتناسب معها أصبحت عائقًا أمام المقصد.

التخطيط دون تنفيذ

          التخطيط الاستراتيجي ضرورة مؤسسية، لكن قد تنشغل بعض المؤسسات بإعداد الخطط ومراجعتها وتحديثها وإنتاج المؤشرات والتقارير، دون انتقال كافٍ إلى التنفيذ. والمقصود من التخطيط هو الوصول إلى نتائج وأثر ملموس، لا مجرد إنتاج مزيد من الخطط.

طغيان الإعلام على العمل

         الإعلام عنصر مهم للتعريف بالمشروعات وتعزيز الثقة وجمع التبرعات، لكنه يظل وسيلة. ففي مشروع كفالة الأيتام مثلًا، المقصود هو تحقيق الرعاية الفعلية لليتيم، وليس إنتاج المواد الإعلامية عنه. وفي الوقف، المقصود حفظ الأصل وتنميته وتحقيق منافعه، لا مجرد الإعلان عنه؛ لذلك ينبغي أن يبقى الإعلام خادمًا للأثر لا بديلًا عنه.

تعطيل الأوقاف

        قد تمتلك المؤسسة أصولًا وقفية تحتاج إلى صيانة أو ترميم أو إعادة تأهيل واستثمار، ثم تنشغل ببرامج أخرى بينما تبقى تلك الأصول معطلة. والوقف ليس مجرد أصل تملكه المؤسسة، وإنما مال محبَّس لتحقيق منفعة مستمرة؛ لذلك فإن المحافظة عليه وتنميته وتشغيله تدخل في صميم المقصد الوقفي.

تعطيل التبرعات عن مقاصدها

        إذا جُمع المال لغرض محدد، فإن إنفاقه في تحقيق هذا الغرض هو المقصود المباشر، ومن هنا تأتي أهمية تصنيف الأموال، والتمييز بين المقيد والمطلق، وربط التبرعات بأغراضها، حتى لا يؤدي الانشغال بمشروعات أخرى إلى تعطيل الأموال عن المقاصد التي جُمعت من أجلها.

إهمال واجب الوقت

        قد تطرأ كارثة أو حاجة إنسانية عاجلة، بينما تستمر المؤسسة في برامجها المعتادة دون إعادة ترتيب أولوياتها، فإذا كانت الأنفس معرضة للخطر وكانت المؤسسة قادرة على التدخل، فإن واجب الوقت يقتضي تقديم الإغاثة العاجلة على بعض الأنشطة التي يمكن تأجيلها، ولا يعني ذلك إلغاء البرامج الأخرى، وإنما ترتيبها بحسب الحاجة والأولوية، فالعمل الذي يكون مناسبًا في الظروف العادية قد يتأخر عند وقوع ضرورة تستدعي تقديم ما هو أولى.

كثرة الأنشطة وضعف الأثر

        ليس عدد المشروعات والفعاليات وحده مقياسًا لنجاح المؤسسة؛ فقد يكون مشروع واحد عميق الأثر ومستدام النفع خيرًا من عشرات الأنشطة التي تستنزف الوقت والمال ولا تحقق أثرًا يوازي تكلفتها، ومن هنا ينبغي أن تنتقل المؤسسات من قياس «حجم النشاط» إلى قياس «حجم الأثر».

القاعدة والحوكمة المؤسسية

يمكن تحويل هذه القاعدة الفقهية إلى أداة عملية في الحوكمة وصناعة القرار؛ بحيث يخضع كل مشروع أو نشاط لسؤالين أساسيين: ما المقصد الذي يخدمه هذا المشروع؟ وما حجم الموارد التي يستهلكها مقارنة بالأثر الذي يحققه؟ ومن خلال هذين السؤالين تستطيع المؤسسة مراجعة أعمالها دوريًا، فتحدد مقاصدها الأساسية، والوسائل اللازمة لتحقيقها، والأعمال التي تستنزف الموارد دون أثر كافٍ، والمشروعات التي يمكن تأجيلها، والأعمال التي تمثل واجب الوقت، والأصول والأموال المتوقفة التي تحتاج إلى أولوية. كما يمكن مراجعة حجم الإنفاق على الإدارة والإعلام والتشغيل، ومدى تناسبه مع الأثر الفعلي الذي تحققه المؤسسة. وهكذا تصبح القاعدة وسيلة لترشيد القرار، وحماية الموارد، وترتيب الأولويات، ومنع تحول المؤسسة عن الهدف الذي أنشئت من أجله.

صور أخرى من تطبيق القاعدة

         إذا انشغلت المؤسسة الخيرية عن خدمة المحتاجين الذين أُنشئت من أجلهم، أو المؤسسة التعليمية عن تعليم طلابها، فقد انصرفت عن مقصدها الأصلي، وكذلك إذا تعرضت المساعدات أو الأصول الوقفية لخطر أو اعتداء، فإن الانشغال عنها بما هو أقل أهمية، مع القدرة على حمايتها، قد يكون تفريطًا في واجب الوقت، وإذا كُلِّف موظف بعمل محدد مقابل أجر ثم تساهل فيه وانشغل بغيره حتى ضاعت المصلحة المقصودة، كان مسؤولًا عن تقصيره وفق الأنظمة واللوائح المنظمة للعمل. كما أن المؤسسات الخيرية وُجدت لتنظيم العمل الخيري وتحقيق أهدافه بكفاءة ومهنية، والاستفادة من الإدارة الحديثة ومعايير الجودة والإجراءات النظامية والأمنية لتحقيق الغاية الكبرى وهي إيصال الحقوق إلى أصحابها بأعلى قدر من الدقة وأقل قدر من الأخطاء والأضرار، ومن ثم، فإن تحول المؤسسة الخيرية إلى نشاط بعيد عن رسالتها الأصلية يمثل صورة واضحة من الاشتغال بغير المقصود. وفي أوقات الكوارث والنوازل تزداد الحاجة إلى فهم هذه القاعدة؛ إذ قد تفرض الظروف على العاملين قرارات عاجلة واجتهادات ميدانية، فلا ينبغي أن يؤدي الخوف المفرط من الخطأ أو التردد في اتخاذ القرار إلى ترك واجب ضروري يتعلق بحفظ الأنفس أو دفع الضرر، ما دام التصرف منضبطًا بما تسمح به الشريعة والأنظمة والصلاحيات.

كل وسيلة في موضعها الصحيح

         إن قاعدة »الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود« لا تدعو إلى التقليل من شأن الإدارة أو التخطيط أو الإعلام وسائر الأعمال المساندة، وإنما تضع كل وسيلة في موضعها الصحيح، بحيث تبقى خادمة للمقصد ولا تتحول إلى بديل عنه، وتزداد أهميتها في المؤسسات الخيرية والوقفية؛ لأن مواردها أمانات ارتبطت بمقاصد شرعية وإنسانية، وشروط واقفين ومتبرعين، وحقوق مستفيدين، ومن ثم، لا يقاس نجاح المؤسسة بكثرة اجتماعاتها وبرامجها وتقاريرها ونشاطها الإعلامي فحسب، وإنما بقدرتها على تحقيق المقصد الذي أنشئت من أجله، وحسن توجيه مواردها وطاقاتها إليه، فالميزان هو: كل عمل يخدم المقصد فهو من العمل له، وكل وسيلة تستنزف المقصد أو تعطل تحقيقه فهي بحاجة إلى مراجعة وتقويم، وبهذا تتحول القاعدة من معنى فقهي إلى مبدأ عملي في الإدارة الخيرية والوقفية، يعين على ترتيب الأولويات، وحوكمة العمل، وحماية الأمانة، وتحقيق الأثر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك