من أرشيف الشيخ عبدالله السبت .. الحلف بغير الله
- الحلف بغير الله غير جائز لقوله صلى الله عليه وسلم: فلا يحلف إلا بالله
- الحلف بالأمانة ليس من الإسلام وما لم يكن من الإسلام فهو من الجاهلية
- الحلف بغير الله يعني تقديس المحلوف به كالشرف والجاه والحلف بالأبوين وغير ذلك
- قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، وعن ابن عمر-رضي الله عنه الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف بغير الله فقد كفر»، وفي رواية: (فقد أشرك)
هذه مقالات كُتبت في زمن مضى، لكن لم يغب أثرها؛ فما زالت معانيها حية، وفوائدها متجددة، تحمل علمًا نافعًا، وتفتح للقارئ آفاقًا من التأمل والاعتبار، وفي هذه السلسلة نعيد نشر مختارات من مقالات الشيخ: عبدالله السبت - رحمه الله -؛ إحياءً لما حوته من علم وفكر، وتجديدًا لما حملته من توجيه وبصيرة؛ لتبقى رسالتها ممتدة عبر الأجيال، ويظل نفعها موصولًا.
إن مما شاع وعلم أن التقديس منشؤه الحب، فكل محبوب مُقدَّس، وتقرير هذا لا يحتاج منا إلى كثرة شواهد؛ إذ شهرتُه تُغني، وسبب الحب أو التقديس غالباً ما يكون لجلب منفعة ودفع مضرة، وهذا هو أصل الخضوع لله، فالمسلم يعبد الله -جل وعلا- لجلب منفعة وهي الجنة، ودفع مضرة وهي النار، كما أخبر الحق --سبحانه-- من يدعونه خوفاً وطمعاً، وكلما كان الحب متملكاً من المرء كان ذكر المحبوب دائراً على اللسان أكثر. فالمسلم يشترط فيه حب الله -جل وعلا-، وأن يكون دائم الذكر له -سبحانه-، ومن ثم تقديسه والحلف به، ولكن المراقب للمسلمين عموما يجد عجباً، فبعضهم يُقْسم بالأولاد، وآخر بالشرف، وثالث بالحياة، ورابع بالنبي، وخامس بالكعبة، وسادس بسيدي جابر وسيدي خليل، وهكذا تتعدد الأقسام الصادرة من الناس، والحقيقة أنه لا تعدد للأقسام، بل التعدد يكون للمحبوبات، فالذي يتبادر على اللسان أولاً إنما هو يعني أنه أقرب للنفس من الآخر؛ ولذا يستطيع المرء معرفة ميول الشخص نحو أمر ما بمراقبة كثرة ترديده له، والحلف أقوى برهان، ومن أعجب ما سمعت أن في بلد عربي إذا أردت أن يصدقك الرجل اطلب منه الحلف بسيدي خليل! وقال لي ثقة عاشرهم: إنه قد يضطر لاستخدامه في المحكمة أحيانًا!الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم
أما الحلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا حدث عن عجائبه، وقد التقيت بشيخ يُشار له بالبنان، وقيل لي: إن علمه كالبحر، وتعجبت! إذ إنه في ثنايا كلامه ردد فضيلته مراراً الحلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم؛ فعجبت! وقلت لنفسي: سبحان الله! هذا الرجل يَعِظُ الناس، ويدرسهم التوحيد، وهو يشرك! إن هذا لشيء عجاب. هذا يا أخي حال جمهرة المسلمين، فهل سألت نفسك عن حكم هذا الحلف؟سبب الحلف بغير الله
إننا قبل أن نناقش حكم هذا العمل، يجدر بنا أن نناقش سببه، ولقد قلت - وأكرر ليرسخ -: إن السبب في اعتقادي هو الحب، وهذا الحب لهذه الأشياء جعلها مقدسة، سواء كانت أموراً معنوية كالشرف والحياة، أو مادية كالنبي والكعبة والبخاري، إلى أنواع تختلف باختلاف الشعوب، وتتنوع بتنوع البيئات الإسلامية، وإنني أجزم أن الناس ما حلفوا بهذه المخلوقات الضعيفة إلا أنهم يقدسونها، أي أنهم يحبونها حبا جما، وهذا الحب جعلهم يرفعونها لمرتبة الحلف بها، وهذا يعني عبادتها! إن الذي يذهب ليطلب من صاحب القبر أن يشفيه من مرض ألم به، ويذبح له ويتضرع، له ويتوسل به، وإذا حلف حلف به، إن هذا الرجل لا يمكن أن يكون عابداً الله، وحده وإن صلى وصام وظن أنه مسلم، ويصدق فيه قول الله -جل وعلا-: {قُلْ هَلْ نُلَيْئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا} (الكهف: ١٠٣-١٠٤).
غلو الناس في الصالحين أوقعهم في الشرك
أود أن أقرر ما يلي قبل الحكم: أن الحلف لا يكون إلا مع حُبِّ يَجُر لتقديس المحلوف به. أن هذا الحب يطغى على حب الله -سبحانه-، فتكون مرتبته أكبر من حب الله، وإن ادعى الحالف بغير الله خلافه، فالواقع يكذبه. مما سبق يتضح لنا أن المرء لا يحلف إلا بما يحب، ويكون الحلف بأعلى المحبوبات عنده، فإذا حلف بغير الله دلّ ذلك على أن هذا المحلوف به محبوب أكثر من الله؛ إذ الحب أعلى أنواع العبادة، والباعث عليها، فإذا تقرر هذا بالعقل، فاعلم أن الحلف بغير الله ينافي الإسلام، ويخل بعقيدة التوحيد.الحلف بغير الله محبط للعمل
فاعلم أخي - لا حُرمت بصيرة العلم - أن الحلف بغير الله محبط للعمل، ولا ينفع معه صيام ولا صلاة؛ فبادر إلى تطهير لسانك من ذلك، ودقق القول، وطهر قلبك من الشرك، واعلم أني ما حكمتُ على أنه مشرك بهواي ورأيي، حاشا لله ذلك! ومن أنا حتى أتجرأ على القول في دين الله من غير بينة ولا دليل؟! وهذه النصوص عليك أن تتدبرها، وجنّب نفسك الشرك، وادعُ الله -سبحانه- أن يحشرك وإيانا في زُمرة الصالحين الموحدين، فنِعْمَ المولى ربنا ونعم النصير.نصوص في تحريم الحلف بغير الله
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع عمر -رضي الله عنه- يحلف بأبيه؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، وعن ابن عمر-رضي الله عنه الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف بغير الله فقد كفر»، وفي رواية: (فقد أشرك)، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وهو صحيح، وفي حديث للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» وهو حديث صحيح رواه أبو داود، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني. مما سبق من الأحاديث يظهر الآتي: أن الحلف بغير الله غير جائز؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا يحلف إلا بالله». أن الحلف بالأمانة ليس من الإسلام، وما لم يكن من الإسلام فهو من الجاهلية. أن الحلف بغير الله شرك أو كفر. هذا هو ظاهر الأحاديث، وبهذا أخبر الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-.
لاتوجد تعليقات