رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د: رامي عيد مكي 21 أكتوبر، 2026 0 تعليق

محاضرات مركز تراث للتدريب … العمل الخيري الدّولي في الاقتصاد الإسلامي من الوقف  إلى التكامل المؤسسي -(2-2)

  • العمل الخيري المؤسسي أصيل في التجربة الإسلامية فقد تطور من أسلوب التكافل الفردي إلى مؤسسات منظمة امتد نفعها إقليميا ودوليا
  • تعدد المؤسسات والمبادرات لا يغني عن التكامل بينها فتعظيم الاستفادة من الموارد يتطلب تنسيق الأولويات وتبادل الخبرات وتوجيه المساعدات إلى المناطق الأشد احتياجًا
  • العمل الخيري الإسلامي الدولي يتجاوز الإغاثة العاجلة إلى التعليم والصحة وبناء القدرات وتمكين المجتمعات
  • مستقبل العمل الخيري مرهون بحسن الإدارة واستدامة الأثر من خلال الحوكمة والكفاءة والشفافية والتنسيق بين الزكاة والصدقات والأوقاف في مواجهة الفقر والأزمات الإنسانية
  • الوقف ركيزة لاستدامة العطاء وتمويل التنمية إذ يجمع بين حفظ الأصول وتنمية عوائدها وتوجيه منافعها إلى المحتاجين والمصالح العامة
  • إنشاء منظومة عالمية للزكاة يحتاج إلى معالجة التحديات وتحويل توصيات المؤتمرات إلى خطوات مؤسسية وبرامج قابلة للتنفيذ
 

نستكمل في هذا العدد استعراض محاضرة مركز تراث للتدريب بعنوان: «العمل الخيري الدولي في الاقتصاد الإسلامي: من الجذور التاريخية إلى تحولات الواقع المعاصر». وقد بيّنا في العدد الماضي تطور العمل الخيري من مبادرات فردية إلى منظومة مؤسسية توجه الموارد إلى الفئات والمناطق الأكثر حاجة، واتساعه ليشمل التكافل بين الأقاليم، وتناولنا جذوره النبوية وصوره في عصر الخلافة الراشدة. وننتقل اليوم إلى تطوره عبر مؤسسة الوقف، ثم نماذجه المعاصرة، وصولًا إلى فكرة المؤسسة العالمية للزكاة وتحديات تحقيقها.

ثالثًا: الوقف والتكافل بين الأقاليم

        يُعد الوقف من أبرز مؤسسات العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي؛ إذ نقل العطاء من إنفاق مؤقت إلى نظام مستدام يحافظ على الأصل ويوجه عوائده إلى المصالح العامة. وقد تجاوزت منافعه الحدود الجغرافية؛ فكانت أصوله تُنشأ في إقليم، وتُخصص ثمارها لخدمة مجتمعات في أقاليم أخرى، ليصبح وسيلة مؤسسية لإعادة توزيع الموارد وتحقيق التكافل، وتنبع أهمية هذا التحول من أن بقاء الأصل الوقفي يتيح استمرار النفع، فلا يرتبط العطاء بمساهمة عابرة أو حاجة آنية، بل يصبح موردًا متجددًا لخدمة الناس. وبذلك يجمع الوقف بين حفظ المال واستثماره وتوجيه ثماره، ويصل بين رغبة المتبرع وحاجات المستفيدين عبر المكان والزمان. ومن نماذجه:

(1) أوقاف الحرمين في مصر

          مثلت الأوقاف المصرية المخصصة للحرمين الشريفين نموذجًا لانتقال المنافع الاقتصادية من مصر إلى الحجاز، ومن أبرزها أوقاف الدشيشة الكبرى التي أنشأها المماليك، وخصصوا جزءًا من ريعها لخدمة الحرمين. ووفق الأرقام الواردة في المحاضرة، تجاوزت مواردها الموجهة لهذا الغرض خلال القرن الثاني عشر الهجري 33 ألف إردب من الحبوب، إضافة إلى دخل نقدي سنوي قُدر بنحو مليوني بارة، وهي عملة نحاسية، ويكشف هذا النموذج عن تنظيم اقتصادي يجمع بين أصل وإنتاج زراعي في مصر، وإدارة مالية وقفية، ومستفيد نهائي في الحجاز؛ بما يجعل الوقف أداة لربط المجتمعات وتوزيع المنافع خارج إقليم نشأته.

(2) أوقاف تربط الأقاليم الإسلامية

         لم تقتصر الأوقاف العابرة للأقاليم على الحرمين؛ فمما تذكره الدراسات أن أوقاف الجامع الأعظم في الجزائر خلال العهد العثماني، وارتباطه بشبكة أوقاف داخل الجزائر وخارجها، مولت وظائفه الدينية والتعليمية والاجتماعية. وهكذا أسهم الوقف في بناء شبكة مستقرة للعمل الخيري، تتجاوز الحدود الجغرافية وتدعم استمرارية الخدمات.

(3) سكة حديد الحجاز

      مع بدايات القرن العشرين، برز مشروع سكة حديد الحجاز، الهادف إلى ربط دمشق بالمدينة المنورة، وتيسير انتقال الحجاج وتعزيز التواصل بين الأقاليم، واكتسب المشروع بعدًا خيريًا وتنمويًا بحملات تبرع شارك فيها مسلمون من بلدان متعددة، منها الهند ومصر، وتتجلى أهميته في تعبئة موارد عابرة للحدود السياسية لتمويل مشروع ذي نفع عام، فكان نموذجًا للتضامن الإسلامي الدولي، وحلقة وصل بين صور العطاء التقليدية والعمل الخيري المؤسسي الحديث، كما أبرز قدرة التبرعات على دعم مشروعات البنية الأساسية ذات المنافع الدينية والاجتماعية والاقتصادية المشتركة.

رابعًا: نماذج العمل الخيري الإسلامي الدولي المعاصر

  • أسهم ظهور الدولة الوطنية الحديثة وتغير العلاقات السياسية والاقتصادية في تبلور مفهوم العمل الخيري الإسلامي الدولي، بوصفه انتقالًا للموارد والمساعدات بين دول مستقلة لتحقيق التكافل والإغاثة والتنمية. واتخذ هذا العمل صورًا مؤسسية متعددة، من أبرزها:

(1) مؤسسات الزكاة ذات الامتداد الدولي

           نشأت مؤسسات متخصصة لإدارة الزكاة، ركز معظمها على الاحتياجات المحلية، بينما امتد نشاط بعضها إلى توجيه الزكاة والصدقات إلى مجتمعات أكثر احتياجًا خارج الحدود، مع تنظيم جمعها وصرفها وفق أحكام الشريعة.

(2) بيت الزكاة الكويتي

          تأسس عام 1982م، وهو مؤسسة عامة مستقلة لتنظيم جمع الزكاة وصرفها، واتسعت برامجه لتشمل مشروعات خارج الكويت. كفالة الأيتام بقيمة 5.39 ملايين دينار كويتي، والمشروعات الخيرية بقيمة 1.3 مليون دينار، ودعم المؤسسات الإسلامية بنحو 1.379 مليون دينار، إلى جانب الإغاثة والأضاحي وموائد الإفطار ودعم الطلاب. وتعكس هذه المجالات تحول المؤسسة الوطنية إلى فاعل دولي، يجمع بين تلبية الاحتياجات العاجلة ودعم البرامج الاجتماعية والتنموية، ويعزز قدرات المؤسسات المستفيدة على خدمة مجتمعاتها.

(3) صندوق الزكاة للاجئين

يمثل الصندوق التابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نموذجًا لتوظيف الزكاة ضمن العمل الإنساني الدولي. وقد بدأ تجريبيًا عام 2017م، وأصبح قناة لتوجيه الزكاة والصدقات إلى اللاجئين والنازحين. حشد الصندوق عام 2025م نحو 39.4 مليون دولار، استفاد منها أكثر من مليون لاجئ ونازح في 25 دولة، فيما تجاوز مجموع المستفيدين منذ انطلاقته التجريبية 9.9 ملايين شخص في 36 دولة.

(4) بيت الزكاة والصدقات المصري

       امتد نشاطه الإغاثي إلى قطاع غزة عبر حملة «أغيثوا غزة»، والمساهمة في تسيير قوافل محملة بآلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية. وتوضح هذه التجارب أن المؤسسة قد تنشأ داخل دولة وتخضع لقوانينها، ثم توجه جزءًا من مواردها لخدمة مجتمعات خارج حدودها، استجابة للحاجة والأزمات الإنسانية.

(5) المؤسسات الخيرية الإسلامية الدولية

         لم يعد العمل الخيري الدولي مقتصرًا على مؤسسات الزكاة؛ إذ ظهرت مؤسسات تجمع بين الإغاثة العاجلة والتنمية المستدامة، وتعمل في التعليم والصحة وتمكين المحتاجين. ومن أمثلتها: جمعية إحياء التراث الإسلامي، وجمعية العون المباشر، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت، وهيئة الأعمال الخيرية الإماراتية، والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية، ومنظمة الإغاثة الإسلامية. ويعكس تنوع هذه المؤسسات اتساع مجالات العمل الخيري، وانتقاله من تقديم المعونة المباشرة وحدها إلى بناء القدرات وتحسين الخدمات ومساندة المجتمعات في مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية.

(6) الأوقاف الدولية المعاصرة

       شهد العصر الحديث نماذج وقفية تستثمر الأصول وتوجه عوائدها لمشروعات خارج دول المنشأ، ومن أبرزها صندوق تثمير ممتلكات الأوقاف التابع للبنك الإسلامي للتنمية، الذي يعمل على تنمية الأصول الوقفية وتمويل المشروعات ذات الأثر التنموي، وتذكر المحاضرة اعتماده أكثر من 45 مشروعًا، بتكلفة تقارب مليار دولار، في 26 دولة. ومنها صندوق الوقف الدولي، الذي تجاوزت محفظته العقارية -وفق البيانات المعروضة- 15 مليون جنيه إسترليني بنهاية عام 2024م، ويوجه ريعها لمشروعات في النيجر والصومال والعراق وألبانيا وباكستان وبنغلاديش والمملكة المتحدة ومالي وغزة وأفغانستان والبوسنة، ويضاف إليها وقف في إمارة الشارقة خُصص ريعه لدعم مدرستين في جزر القمر، وتؤكد هذه النماذج قدرة الوقف على أداء دور اقتصادي، وتنموي يتجاوز تمويل الخدمات الدينية إلى دعم التعليم والرعاية الاجتماعية واستدامة الموارد الخيرية.

خامسًا: نحو مؤسسة عالمية للزكاة

        على الرغم من التطور المؤسسي، يبقى السؤال: هل يمكن إنشاء مؤسسة عالمية للزكاة تسهم في توزيع أكثر عدالة للموارد بين المجتمعات الإسلامية؟ لقد حضرت هذه الفكرة في مؤتمرات الزكاة منذ عقود، وتدرجت توصياتها من اقتراح صندوق عالمي إلى الدعوة لهيئة تنسيقية واتحاد للمؤسسات. فدعا المؤتمر العالمي الأول بالكويت عام 1984م إلى إنشاء صندوق عالمي للزكاة، وأكد الثالث بماليزيا عام 1990م عالمية التكافل الزكوي، ودعا المؤتمران الرابع والخامس، بالسنغال عام 1995م والكويت عام 1998م، إلى هيئة عالمية للزكاة. ودعم السادس والسابع، بقطر عام 2003م والكويت عام 2007م، إطارًا عالميًا للتنسيق، فيما دعا العاشر بالكويت عام 2016م إلى اتحاد عالمي لمؤسسات الزكاة وأكاديمية متخصصة. وتعكس هذه التوصيات السعي للانتقال من مؤسسات وطنية متفرقة إلى منظومة أكثر تعاونًا وفاعلية، ومن المبادرات المتصلة بها مقترح المؤسسة العالمية للزكاة عام 1992م لمواجهة الفقر، وجهود منظمة التعاون الإسلامي لدعم المؤسسات الزكوية، وتفعيل صندوق التضامن الإسلامي، وتشجيع صناديق الزكاة بالمؤسسات المالية الإسلامية، كما تأسست الهيئة العالمية للزكاة التابعة للغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة والزراعة؛ لتعزيز الدور الاقتصادي والتنموي للزكاة وتنسيق الجهود وتوجيه الموارد إلى المناطق الأشد احتياجًا. وبرز المنتدى العالمي للزكاة، الذي تأسس في إندونيسيا عام 2010م لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات وتطوير الإدارة، ومبادرة الاتحاد العالمي لتنظيم شعيرة الزكاة، التي دعا إليها ديوان الزكاة ومعهد علوم الزكاة بالسودان عام 2016م. ومع تعدد المبادرات، لم تتبلور المؤسسة العالمية بالصورة المنشودة، بحسب ما تطرحه المحاضرة، بسبب تحديات سيادية وفقهية واقتصادية وقانونية. ومن ثم، فإن نجاح الفكرة يتطلب معالجة هذه التحديات وبناء تنسيق مؤسسي يحقق التكامل بين الجهات، ويحول التوصيات المتكررة إلى برامج عملية ذات أثر ملموس. ولا تنفصل هذه الرؤية عن مقاصد التكافل؛ فالمطلوب أن تتكامل الموارد والمؤسسات في الاستجابة للحاجات المتفاوتة، وأن يقترن اتساع النشاط بحسن الإدارة ووضوح أوجه الإنفاق. فالغاية من التنسيق العالمي توجيه العطاء إلى مستحقيه بكفاءة، وتعزيز قدرة العمل الخيري على الجمع بين إغاثة المتضررين ودعم التنمية المستدامة، مع الإفادة من الخبرات المتراكمة في مؤسسات الزكاة والوقف والعمل الإنساني الدولي.

من الجذور التاريخية إلى استدامة الأثر

     تكشف هذه المسيرة عن تطور متدرج؛ أرسى الإسلام في المرحلة المكية قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية للمال، ثم اتخذ العطاء في المرحلة المدنية صورًا منظمة من خلال الزكاة والوقف، واتسع في عهد الخلفاء الراشدين لمواجهة الأزمات بين الأقاليم. وحوَّل الوقفُ العطاءَ إلى مورد مستدام، وجسدت سكة حديد الحجاز التعاون العابر للحدود، ثم ظهرت المؤسسات الدولية الجامعة بين الإغاثة والتنمية، ويبقى التحدي الرئيس وهو: بناء منظومة عالمية متكاملة للزكاة والصدقات والأوقاف، تتجاوز تشتت المبادرات، وتقوم على الحوكمة والكفاءة والشفافية؛ بما يحسن توظيف الموارد، ويحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا، ويعزز إسهام الاقتصاد الإسلامي في مواجهة الفقر والأزمات الإنسانية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك