رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر المحلي 4 مايو، 2026 0 تعليق

قمّة جدّة التشاورية .. من التنسيق إلى إدارة الأزمات وبناء الوعي الاستراتيجي

  • أكد البيان الختامي أن التنمية الاقتصادية باتت مرتبطة بالاستقرار الأمني مع الدفع نحو مشاريع تكاملية كبرى في النقل والطاقة والمخزون الاستراتيجي
  • كشفت القمة عن انتقال واضح من مرحلة التنسيق التقليدي إلى مرحلة إدارة الأزمات والتهديدات المباشرة بما يعكس نضجًا في إدراك طبيعة المرحلة
  • برز الملف الأمني بوصفه أولوية عليا تتقدم على بقية الملفات في ظل إدراك أن التحديات الراهنة ذات طابع وجودي لا يمكن التعامل معها بالآليات التقليدية
  • أكّد البيان أن وحدة الصفّ لم تعد خيارًا سياسيًا فحسب بل ضرورة استراتيجية مع وجود توجّه حقيقي نحو تكامل المواقف وتوحيد القرار
  • حمل البيان موقفًا حازمًا تجاه الاعتداءات وتهديد الملاحة مع تأكيد الحق في الدفاع عن النفس ما يعكس تشددًا محسوبًا في السياسة الخليجية
  • برز توجه واضح نحو تطوير منظومات الدفاع المشترك وتسريع مشاريع الإنذار المبكر بما يعزز الجاهزية الأمنية الجماعية
  • تؤكد القمة استمرار النهج الخليجي القائم على الموازنة بين التصعيد والتهدئة ولا سيما في التعامل مع إيران بما يحفظ الاستقرار دون التفريط في المصالح
  • انتهجت القمة خطابًا يجمع بين الحزم في مواجهة التهديدات والانفتاح على الحلول السياسية بما يستهدف تجنّب التصعيد دون إضعاف جانب الرّدع
 

في توقيت بالغ الحساسية، عقد قادة دول مجلس التعاون -الثلاثاء ١١ من ذي القعدة ١٤٤٧ هـ الموافق ٢٨ أبريل ٢٠٢٦م- قمّة تشاورية استثنائية لقادة ورؤساء دول مجلس التعاون الخليجي في مدينة جدّة بالمملكة العربية السعودية، بحضور ممثل سمو أمير البلاد، سمو ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد المبارك الصباح، -حفظه الله-، وترأس القمة سمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد، ورئيس مجلس الوزراء السعودي  ، وقد شارك فيها  عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي، وناقشت القمة عدداً من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية وتنسيق الجهود تجاهها.

       ولعل من أهم الرسائل التي حملتها القمة أن دول الخليج تسعى إلى تعزيز العمل الجماعي بوصفه الخيار الأكثر واقعية لحماية الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات التي تمسّ أمن المنطقة ومصالحها الاستراتيجية؛ كما برزت في القمّة أهمية ترسيخ وحدة الموقف الخليجي، باعتبارها ركيزة أساسية لأي تحرك سياسي أو دبلوماسي في المرحلة المقبلة.

البيان الختامي

       في ختام القمة صرح معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأستاذ جاسم محمد البديوي، أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس -حفظهم الله ورعاهم- بحثوا الأوضاع الإقليمية الراهنة، ولا سيما المتصلة بالتصعيد في المنطقة، وما تعرضت له دول المجلس والمملكة الأردنية الهاشمية من اعتداءات إيرانية سافرة، والسبل الكفيلة بإيجاد مسار دبلوماسي ينهي الأزمة، ويمهد الطريق للتوصل لاتفاقات وتفاهمات تعالج مصادر قلق دول المجلس، وتعزز الأمن والاستقرار في المدى البعيد.

إدانة الاعتداءات الإيرانية

       وأوضح معاليه أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس -حفظهم الله ورعاهم- أعربوا عن الإدانة والاستنكار الشديدين للاعتداءات الإيرانية السافرة التي تعرضت لها دول المجلس، والمملكة الأردنية الهاشمية؛ حيث طالت المنشآت المدنية ومنشآت البنية التحتية فيها، وما نتج عنها من خسائر في الأرواح والممتلكات، ما يعد انتهاكاً جسيماً لسيادة دول المجلس وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ولقواعد حسن الجيرة، كما أن هذه الاعتداءات الإيرانية الغادرة قد أدت إلى فقدان ثقة دول المجلس بإيران بشكل حاد، وهو ما يتطلب من إيران المبادرة ببذل الجهود الجادة لإعادة بناء الثقة.

حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها

        وأضاف معاليه، أن أصحاب الجلالة والسمو -حفظهم الله ورعاهم- أكدوا حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فرديا أو جماعيا، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

الإشادة بالقوات المسلحة

        كما أشار معاليه، إلى إشادة أصحاب الجلالة والسمو -حفظهم الله ورعاهم- بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية والطائرات المسيرة والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين، والحفاظ على أمن الدول الأعضاء ومقدرات شعوبها.

الإشادة بالتعامل مع التحديات

        وبين معاليه أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس -حفظهم الله ورعاهم- قد أشادوا بما أظهرته دول المجلس من قدرة على التعامل مع التحديات التي واجهتها هذه الدول جراء هذه الأزمة، وتمكن دول المجلس -ولله الحمد- من تجاوزها نظير ما حظيت به من حكمة في التعامل وما شهدته الفترة الماضية من تضامن فيما بينها؛ حيث تمكنت الدول الأعضاء من إعادة تأهيل منشآت الطاقة المتضررة من الاعتداءات الإيرانية بسرعة وكفاءة عاليتين، بما أسهم في الحفاظ على إمدادات الطاقة، وكذلك التعامل مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون في المجال اللوجستي، وقطاع الطيران.

الرفض القاطع لإغلاق مضيق هرمز

        وأوضح معاليه أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس -حفظهم الله ورعاهم- قد أعربوا عن رفضهم القاطع للإجراءات الإيرانية غير القانونية لإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة فيه، وتهديد أمنه، ولأي إجراءات يكون من شأنها التأثير سلباً على الملاحة فيه، بما في ذلك فرض رسوم تحت أي ظرف أو مسمى لعبور السفن من خلاله، وعلى ضرورة استعادة أمن الملاحة وحريتها وعودة الأوضاع في المضيق كما كانت عليه قبل يوم 28 فبراير 2026م.

تشريع التكامل الاقتصادي

        واختتم معالي الأمين العام تصريحه بالتأكيد على التوجيه السامي من مقام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس- حفظهم الله ورعاهم - إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون، بضرورة الاستعجال باستكمال متطلبات تحقيق الوصول للمشاريع الخليجية المشتركة كافة، بما في ذلك النقل والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين -حفظهم الله ورعاهم- كذلك إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، فضلا عن الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، وكذلك مشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، كما أوضح معالي الأمين العام، أن قادة دول المجلس -حفظهم الله ورعاهم- قد أكدوا أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

قراءة في مخرجات بيان القمة ومضامينه

لم يكن البيان الختامي للقمة مجرد صياغة بروتوكولية معتادة، بل حمل في طيّاته مؤشرات واضحة على تحوّل نوعي في الوعي الخليجي بطبيعة المرحلة ومتطلباتها، ومن أهم ملامح هذا البيان ما يلي:

أولاً: التركيز على القضايا الأمنية

من أبرز ملامح البيان الختامي التركيز المكثف على القضايا الأمنية، وحضور واضح للملف الأمني وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل التراخي، وأن التحديات باتت وجودية لا ظرفية، وقد ظهر ذلك من خلال ما يلي:
  • إدانة التهديدات الإقليمية والتدخلات الخارجية.
  • التأكيد على تعزيز منظومة الدفاع المشترك.
  • حماية الممرّات البحرية الاستراتيجية.
  • الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية لتفادي التصعيد.

ثانياً: بين الردع والدبلوماسية

        جاءت لغة البيان موزونةً بين الحزم والانفتاح؛ إذ جمعت بين إدانةٍ صريحة للتهديدات، والدعوة إلى الحلول السياسية، في معادلةٍ دقيقة تعكس وعيًا بطبيعة المرحلة وحساسية مآلاتها؛ فهي تسعى إلى تجنّب الانزلاق نحو مواجهةٍ مفتوحة، دون التفريط في مقتضيات الردع وحماية المصالح؛  كما تعبّر عن تبنّي مقاربةٍ واقعية تُحسن توظيف أدوات القوة والتهدئة معًا، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية، دون أن تسمح بتآكل الهيبة أو المساس بأمن المنطقة.

ثالثاً: وحدة الصف ضرورة استراتيجية

  • شدّد البيان على أهمية وحدة الصف الخليجي، وهو تأكيدٌ يتكرر في معظم القِمم، غير إنّه يكتسب في هذه المرحلة دلالةً أعمق وأشدّ إلحاحًا في ظلّ تعقّد التحديات وتسارع التحوّلات؛ إذ لم تعد الوحدة مجرّد شعارٍ سياسي؛ بل ضرورةٌ استراتيجية تفرضها طبيعة الأخطار المشتركة، وتستدعي تنسيقًا حقيقيًا يتجاوز حدود البيانات إلى تكامل المواقف وتوحيد القرار، بما يحفظ استقرار المنطقة، ويعزّز قدرتها على مواجهة الأزمات.

رابعًا: نحو تعزيز العمل الخليجي الجماعي

  • كما برز في البيان الختامي للقمة توجهٌ نحو تعزيز العمل الخليجي الجماعي، وذلك من خلال التأكيد على وحدة الصف وتكثيف التنسيق، وهو ما يوحي بوجود إرادة سياسية لتجاوز الخلافات السابقة، واستيعاب دروس المرحلة، في ظل قناعة متنامية بأن التحديات الراهنة لا تحتمل التشتت أو الانقسام.

خامسًا: تعزيز التكامل الاقتصادي

  • أما البعد الاقتصادي، فرغم حضوره في التأكيد على حماية المكتسبات، إلا إنه جاء في مرتبة تابعة للأمن، بما يعكس تأثير الاضطرابات الإقليمية على استقرار الأسواق، وارتباط التنمية بالبيئة الأمنية المستقرة؛ حيث وجَّه القادة بتسريع تنفيذ مشروع السكك الحديدية الخليجية، ودراسة إنشاء مخزون استراتيجي، والمضيّ في مشاريع نقل النفط والغاز، بما يعزز الأمن الاقتصادي والغذائي والترابط في قطاع الطاقة.

تحول نوعي في طبيعة العمل الخليجي

        لقد كشفت القمة الخليجية التشاورية في جدّة عن تحوّل نوعي في طبيعة العمل الخليجي، من مرحلة التنسيق إلى مرحلة إدارة التهديدات الاستراتيجية المباشرة، وقد جمع البيان الختامي بين الحزم السياسي والانفتاح الدبلوماسي؛ في محاولة لتحقيق معادلة دقيقة وهي حماية الأمن الخليجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.  

انعكاسات القمة على مستقبل الخليج العربي

  • تعزيز أهمية إنشاء منظومة دفاع خليجية موحدة.
  • تزايد الاستقلالية السياسية الخليجية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الكبرى.
  • تحوّل الخليج إلى لاعب إقليمي فاعل في إدارة الأزمات لا مجرد متأثر بها.
  • استمرار التوازن بين التصعيد والتهدئة في التعامل مع إيران.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك