رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمرو علي 14 أبريل، 2026 0 تعليق

في ظل تحديات الواقع واضطراب القيم ..  الانتماء وهُوية الشباب المسلم

  • الإسلام لا يلغي الانتماء للوطن بل يسمو به ويجعله جزءًا من منظومة القيم التي تصون المجتمع
  • حبّ الوطن وحماية أمنه وقيمه عناصر تكوّن هوية متكاملة تقف في وجه التغريب والتفكك
  • حماية الهوية لا تتحقق بالصدام بل بصناعة محتوى رشيد وتنمية وعي نقدي قادر على التمييز والاختيار
  • العقيدة هي الركيزة الأولى للهوية يليها التاريخ واللغة بوصفهما جسور الوعي والانتماء
  • صراع الهوية في عصر الانفتاح الرقمي فرصة لصياغة جيل متجذر في قيمه واعٍ بدوره الحضاري
  • الهوية الإيمانية تقوم على عقيدة التوحيد فهي المرجع الأول لمنظومتنا الفكرية والحضارية
  • الانفتاح الرقمي أتاح فرصًا واسعة للتعلم والتواصل لكن الخطر يكمن في انحراف المضامين وتمييع القيم
  • ترسيخ الإيمان بالله -تعالى- الركيزة الأساسية للحفاظ على الهوية الإسلامية، فهو حصن يحمي القلب من الانحراف
 

يبرز الحديث -اليوم- عن هوية الشباب المسلم وتحديات الانتماء والقيم، بوصفه قضيةً محورية، في ظل ما يشهده العالم من انفتاحٍ واسع، وتدفقٍ متسارع للأفكار والثقافات؛ حتى بات الشاب المسلم يعيش بين مؤثراتٍ متباينة، تتمثل في ثوابت دينه ومتغيرات واقعه، وقد أرست الشريعة الإسلامية أسس الهوية القائمة على الإيمان والاعتزاز والانتماء، قال -تعالى-: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}، كما نبّه النبي -[- إلى خطر الذوبان في ثقافات الآخرين بقوله: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع»، ما يؤكد أن الهوية الحقيقية تنبع من الارتباط بالله ومنهجِه، ومن هنا، فإن ترسيخ هذه الهوية في نفوس الشباب، وحمايتها من الذوبان أو الاضطراب، يعد من أهم الواجبات التربوية والدعوية في هذا العصر.

 

الهوية وأهميتها في حياة الشباب

        الهوية هي منظومة متكاملة من العقيدة، والقيم، واللغة، والتاريخ، والانتماء، والسلوك؛ ولذلك كان الإسلام حريصًا على بناء هوية المسلم بناءً راسخًا، فقال الله -تعالى-: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} (البقرة: 138)، فالهوية الإيمانية هي الصبغة التي تلوّن الفكر والسلوك، وتمنح الإنسان معيارًا ثابتًا في عالم متغيّر، والشباب هم أكثر الفئات تأثرًا باضطراب الهوية؛ لكونهم في مرحلة التشكّل والبحث عن الذات؛ ولا سيما وأن الهوية ذات علاقة وطيدة بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وهي التي توجه اختيار الفرد عند تعدد البدائل.

الهوية الفردية والمجتمعية

        كما إن للفرد هوية؛ فإن للمجتمع والأمة هوية مستقلة أيضًا تتميز بها عن غيرها، وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع، تعمق إحساسه بالانتماء لهذا المجتمع واعتزازه به، أما إذا تصادمتا فهنا تكون أزمة الهوية وأزمة الاغتراب، وإلى معناها أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء»، وفي بعض الروايات «قيل: من الغرباء؟ فقال: أناس قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، فالهوية تمثل إطارًا مرجعيا شاملًا يحدد منظومة القيم، وأنماط السلوك، وحدود الانتماء.

أهمية العقيدة

        وللهوية أركان عدة؛ لكن أهم هذه الأركان على الإطلاق العقيدة، ثم التاريخ واللغة، فإذا تحدثنا عن الهوية الإسلامية نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة؛ بحيث إن الهُويَّة الإسلامية -بضم الهاء- تستغني وتستعلي عن أن تحتاج إلى أي فكر أجنبي؛ فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة وأصول ثابتة رصينة، تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتمين إليها، وتملك رصيداً تاريخيا لا تملكه أمة من الأمم، وتتكلم لغة عربية واحدة، وتشغل بقعة جغرافية متصلة ومتشابكة وممتدة، وتحيا لهدف واحد هو إعلاء كلمة الله، وتعبيد العباد لربهم، وتحريرهم من عبودية البشر إلى عبودية الله -عزوجل-.

انتماء ورسالة عالمية

        قال -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71)، وهذا يبيّن حقيقة الانتماء لأمة الإيمان القائم على الولاية والتكافل والطاعة؛ فالمسلم يرتبط بأمته ارتباطًا عقديًا يظهر في عباداته، كقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعليه، فإن الانتماء إلى الهوية الإسلامية ليس أمرًا اختياريا أو تكميليا، بل هو واجب متعين؛ إذ إن دعوة الإسلام عامة للبشر كافة، قال -تعالى-: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف: 158)، ليؤمنوا وينقادوا لحكم الله، ويندمجوا في هوية الإسلام، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

استهداف الهوية الإسلامية

        نبّه القرآن الكريم المسلمين إلى أن استهداف هويتهم الدينية سنّة ماضية في صراع الحق والباطل؛ حيث ظل خصوم الدين يسعون إلى طمس معالم هذه الهوية والنيل من مصادر قوتها واعتزازها، غير أن وعد الله بحفظ دينه قائم لا يتبدل، قال -تعالى- {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}(التوبة: 32)، وقد تعددت صور هذا الاستهداف منذ العهد الأول، فكان منه ما واجهته الأمة من طعن خارجي في الوحي، ومنه ما جاء من الداخل عبر محاولات التشويه والتفريغ من المعنى. وفي عصر الرقمنة، تتجدد هذه الممارسات بأساليب أكثر تعقيدًا وتأثيرًا؛ حيث لم تعد الحرب على الهوية مباشرة، بل تُمارس عبر المنصات الإعلامية، وتسييل المفاهيم، وبث الشبهات في ثوب حرية التعبير والمعرفة المفتوحة، وهنا يتأكد أهمية العلم الشرعي والمعالجة الفكرية الواعية بوصفها أداة لحماية الهوية الإسلامية، قادرة على قراءة الواقع الرقمي، وضبط التفاعل معه، وتحصين الشباب من الانجراف وراء الخطاب المضلل، بما يحفظ ثوابت الدين دون انغلاق أو ذوبان.

مظاهر استهداف الهوية

تتجلى أزمة استهداف هوية الشباب المسلم في عدد من المظاهر البارزة، أهمها:
  • التهوين من القيم الدينية: وذلك عبر خطاب يُضعف الارتباط بالمبادئ الإيمانية ويُشوّه مكانتها في بناء الشخصية.
  • تراجع حضور اللغة العربية: في الفضاء الرقمي لصالح لغات وثقافات وافدة، ما يؤدي إلى تآكل الركن اللغوي للهوية الإسلامية.
  • تحوّل معايير القدوة: إذ حلّ بعض مشاهير المنصات الاجتماعية محل العلماء والمصلحين؛ فاختلطت الشهرة بالقدوة.
  • شيوع أنماط استهلاكية وسلوكية معينة: وهي تلك التي لا تستند إلى منظومة أخلاقية واضحة، تُسهم في تفريغ الشخصية من رسالتها القيمية.
  • محاولات فصل الدين عن الحياة: وتصويره عائقا للتقدم، ما يسلب الهوية الإسلامية طابعها الحضاري البنّاء.
  • تسليع الإنسان: وذلك بتحويله إلى جسدٍ أو مستهلكٍ بلا رسالة أو غاية، في انحرافٍ عن رؤيته خليفةٍ في الأرض.
  • الانفتاح المعلوماتي غير المنضبط: وهو الذي أتاح للأفكار المنحرفة والتيارات الهدّامة تجاوز الحدود الثقافية دون وعي نقدي.
  • بروز أصوات غير مؤهلة دينيا: تتصدر المشهد الدعوي والإعلامي، فيصدق فيها حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «الرويبضة» الذي يتكلم في أمر العامة.
ومما يذكّر بأهمية التمسك بالهوية الإسلامية قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله»؛ فالعزة والكرامة لا تنبعان إلا من تمسك الأمة بدينها وقيمها.

من الدفاع إلى المبادرة والتأثير

        نحن لا نسعى إلى عزل أو ذوبان، بل إلى صياغة متوازنة لشباب يعي هويته، ويعيش عصره، ويؤثر فيه دون فقدان ذاته، عبر بناء وعي نقدي يعزز التمييز والاختيار، فلو وُضعت خارطة قيم واضحة وأولويات متكاملة، انتقلنا من الدفاع إلى التأثير، مقدّمين رسالة الإسلام للعالم: رحمة وعدالة وتعايشا. وأولى خطوات ذلك ترسيخ العلم الشرعي القائم على الفهم {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (محمد: 19)، والسلوك العملي الذي يُظهر الإيمان، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا»؛ فالهوية تُحفظ بالممارسة اليومية لا بالخطاب فقط.

تعميق الإيمان خط الدفاع الأول

         يُعد ترسيخ الإيمان بالله -تعالى- الركيزة الأساسية للحفاظ على الهوية الإسلامية، فهو حصن يحمي القلب من الانحراف ويمنح المسلم الثبات أمام موجات التشكيك والتزييف، ويعزز التعلّق بالله والاعتماد عليه والثقة بمنهجه، ويغرس الشعور بالمسؤولية في صيانة الدين، ويتحقق ذلك من خلال بناء معرفي سليم يقوم على ضبط مصادر التلقّي، والالتزام بالكتاب والسُنَّة وفهم أهل السُنَّة والجماعة، مع تلاوة وتدبر القرآن والعمل به، وفي هذا الإطار، تتحمل وسائل الإعلام والعلماء وقادة الرأي مسؤولية دعم الهوية عبر محتوى يحترم قيم الأمة، وضبط الخطاب الإعلامي، وإنشاء مراكز بحثية لرصد الانحرافات الفكرية والرد على الشبهات، خصوصًا في الفضاء الرقمي المفتوح.

 

بين الهوية الإسلامية والهوية الوطنية

        الهوية الدينية الجمعية للمسلمين لها محدّدات تتمثّل في عقيدة التوحيد المرجع الأول والمصدر الأساس لحضارتنا وفكرنا ونهضتنا، واللغة العربية التي هي لغة القرآن التي حملت بثرائها اللفظي وعمقها المنطقي هوية المسلمين الفكرية والثقافية، والتاريخ المشترك الذي ساهم في صناعته أبناء الإسلام، وإلى جانب البعد الديني، تبرز الهوية الوطنية عنصرا مكملا للانتماء، فالإسلام لا يلغي الانتماء للوطن، بل يهذّبه ويوجهه، ويعده ركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي. وقد عبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى بوضوح حين قال عن مكة: «والله إنكِ لأحبُّ بلادِ الله إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت»، فحب الوطن، والمحافظة على أمنه، وبنائه بالقيم، جزء من الهوية المتكاملة التي تُقاوم التغريب والفوضى، والمسلمون الصادقون من أشد الناس حبا لأوطانهم، ومن أكثرهم حرصًا على جلب الخير، ودفع الضر عنها.

مواجهة مشاريع طمس الهوية

         إن مواجهة مشاريع طمس الهوية لا تكون بالصدام الأعمى، بل عبر صناعة محتوى هادف وواعٍ، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، مع إعادة الاعتبار للمؤسسات التربوية والدعوية كل ذلك بهدف تقديم نموذج مسلم معاصر متدين، واثق، منفتح بوعي، وفي معركة الهوية هناك فرسان دافعوا عن الهوية الإسلامية، وهم كثر ولله الحمد، كما قال -عز وجل-: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} (المدثر:٣١)، وعلى رأسهم رجل كل العصور شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، الذي له جهد مشكور في صيانة الهوية الإسلامية، ويتجلى ذلك أعظم ما يتجلى في كتابه: «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم»، وهكذا سائر العلماء والمفكرين والدعاة في كافة بلاد العالم الإسلامي.

الهوية زاد المستقبل

        إن صراع الهوية في عصر الانفتاح الرقمي ليس معركة خاسرة، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء جيل واعٍ بجذوره، متمسك بثوابته، ومنفتح على عصره، جيل يدرك أن العولمة لا تعني الذوبان، وأن الانفتاح المعلوماتي لا يعني فقدان البوصلة، وأن الهوية ليست عبئًا من الماضي، بل زادٌ للمستقبل، قادر على التفاعل مع العالم دون فقدان بوصلته القيمية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك