رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 27 أكتوبر، 2026 0 تعليق

على ضفاف الحياة .. الإنجاز الوهمي

  • لا تقتصر مسؤولية الوالدين على توفير الأجهزة ووسائل الراحة بل تشمل تعويد الأبناء تحمل المسؤولية، وتنظيم أوقاتهم ومشاركتهم الأنشطة النافعة وتقديم القدوة العملية لهم

نادية الدوسري

يشكو كثير من الآباء والأمهات حال أبنائهم؛ فالشاب يقضي معظم يومه في غرفته، لا يبذل جهدًا يُذكر، ولا يتحمل مسؤولية، ومع ذلك يشكو التعب والإرهاق والخمول، وينام طويلًا ثم يستيقظ متعبًا! وهنا يبرز سؤال محير: كيف يتعب الإنسان وهو لم يعمل شيئًا؟ وكيف تمضي ساعات يومه دون إنجاز، ثم يشعر كأنه بذل جهدًا كبيرًا؟

إنها إحدى مفارقات العصر الرقمي، ويمكن وصف جانب منها بـ«الإنجاز الوهمي»؛ حين ينشغل الإنسان بمشاهدة الإنجازات والحديث عنها، حتى يظن أنه اقترب من تحقيقها، بينما لا يزال بعيدًا عن العمل الحقيقي.

ماذا يحدث في عقلك بالضبط؟

        يشاهد أحدهم مقطعًا عن قيام الليل، فيتأثر به دون أن يقوم، ويستمع إلى محاضرة عن حفظ القرآن، دون أن يحفظ آية، ويقرأ عشرات الخطط لتنظيم الوقت، دون أن ينفذ واحدة منها، وهكذا تتراكم المعرفة والخطط والمحفزات، بينما يتراجع العمل؛ فينشأ شعور مؤقت بالرضا، لا يقابله إنجاز حقيقي، وقد قرر القرآن الكريم ميزانًا واضحًا للإنجاز، فقال -تعالى-: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} (النجم)، فالعبرة ليست بما نشاهده أو نتمناه، وإنما بما نبذله من سعي وعمل، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

لماذا نحن متعبون دائمًا؟

        تمنح المقاطع القصيرة والمحتويات المتجددة الدماغ محفزات متتابعة، ترتبط بنظام المكافأة الذي يؤدي فيه (الدوبامين) دورًا مهمًا في التحفيز والتوقع والتعلم، ومع الإفراط في التصفح، قد يعتاد الإنسان الانتقال السريع بين المثيرات، فتضعف قدرته على التركيز والصبر على الأعمال التي تتطلب وقتًا وجهدًا، كالدراسة والقراءة والحفظ. كما أن طول استخدام الشاشات، ولا سيما قبل النوم، قد يؤثر في جودة النوم، ويزيد الشعور بالإجهاد والخمول. وليس كل تعب سببه الأجهزة؛ فقد تكون وراء الإرهاق أسباب صحية أو نفسية تستدعي الاهتمام، والمفارقة أن الإنسان قد ينهي ساعات من التصفح محملًا بالمعلومات والانفعالات، لكنه يشعر بالفراغ؛ لأنه استهلك الكثير ولم يحقق ما كان يرجوه.

كيف نخرج من الوهم إلى السعي؟

        تبدأ المعالجة بإعادة الاعتبار للعمل، وتربية النفس على الانتقال من المعرفة إلى التطبيق، ومن كثرة التخطيط إلى حسن التنفيذ، ومن الخطوات النافعة تخصيص أوقات خالية من الهاتف، ولا سيما قبل النوم، وتقليل المحتوى الذي لا يحقق فائدة، والالتزام بمهمة يومية محددة؛ كحفظ صفحة من القرآن، أو قراءة نافعة، أو ممارسة الرياضة، أو مساعدة الأسرة، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قيمة الاستمرار بقوله: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، كما أن من حسن استثمار العمر ترك الانشغال بما لا ينفع؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

مسؤولية الأسرة

        لا تقتصر مسؤولية الوالدين على توفير الأجهزة ووسائل الراحة، بل تشمل تعويد الأبناء تحمل المسؤولية، وتنظيم أوقاتهم، ومشاركتهم الأنشطة النافعة، وتقديم القدوة العملية لهم، وإن الخطر ليس في مشاهدة الإنجازات، بل في الاكتفاء بمشاهدتها؛ فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل تبقى أثرًا ناقصًا، والعمر الذي يستهلك في متابعة نجاح الآخرين لا يصنع نجاحًا لصاحبه، فلنربِّ أبناءنا على أن قيمة الإنسان فيما يسعى إليه ويحققه من خير، لا فيما يشاهده من إنجازات؛ فالأمة لا تنهض بالتمني، ولا تبنى بالمشاهدة، وإنما بالعلم النافع والعمل الصالح والسعي المتواصل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك