سلسلة الأخلاق الإسلامية – المُداراة.. فِقه الثبات وحُسن إدارة الناس (2-2)
- المداراة لا تعني ذوبان الفروق أو إلغاء المبادئ بل منع الخلاف من أن يتحول إلى فوضى ومنع الخصومة من أن تأكل مساحات الخير
- كان هدي النبوة ثباتًا لا يعرف المساومة ورفقًا لا يعرف الضعف وحزمًا لا يعرف الظلم وحكمة تضع كل خلق في موضعه
- المداراة تكون مشروعة حين لا تتضمن محرمًا ولا تضيع حقا ويغلب على الظن أن يترتب عليها دفع شر أو تحقيق مصلحة
- المداراة ليست أن تصادق الباطل، وإنما أن تحسن التعامل مع أهله بما يقلل شرهم
ما زال حديثنا مستمرًا عن خُلق المُداراة؛ حيث ذكرنا في الحلقة الماضية أن المداراة خلق يقوم على الرفق بالناس، واحتمال شيء من جفائهم، والتغاضي عن بعض هفواتهم، ولين الخطاب معهم؛ دفعًا لشر، أو جلبًا لمصلحة، أو إبقاءً لباب الإصلاح مفتوحًا، من غير تنازل عن أصل شرعي، ولا إقرار لباطل، ولا تضييع لحق واجب، وذكرنا المداراة في هدي القرآن، والمداراة في المدرسة النبوية، واليوم نكمل ما بدأناه.
فقه الناس: التغافل مع الحذر
الناس مختلفون في عقولهم وطبائعهم وقبولهم للنصيحة؛ فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى التصريح، ومنهم من يصلحه الثناء قبل العتاب، ومنهم من لا يردعه إلا الحزم. والمداري يعرف مفاتيح النفوس ليقودها إلى الخير، ويفرق بين الجاهل والمعاند، والمخطئ والمتعمد، والزلة العارضة والخلق المستحكم، وليس من العدل أن تعامل من أخطأ مرة كمن جعل الخطأ منهجًا، ولا من الحكمة أن تهدم صداقة بسبب كلمة عابرة. ومن أراد من الناس الكمال عاش وحيدًا، وقد قيل:فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه
مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبه
ومن تمام العقل التغافل عن الهفوات اليسيرة؛ فليس العاقل من يقف عند كل صغيرة، وإنما من يعرف ما يلتفت إليه وما يتجاوزه. ورب كلمة قيلت في غضب يكفيها أن تموت في مكانها، فإذا حقق فيها الطرف الآخر، وبنى عليها الاتهامات، تحولت إلى خصومة طويلة. لكن التغافل لا يكون عن الحقوق الواجبة، ولا عن الأخطاء المتكررة التي تتحول إلى فساد، كما أن المداراة لا تلغي الحذر؛ فقد تحسن إلى من تخشى شره، لكنك لا تسلمه أسرارك، وقد تقبل اعتذاره، لكنك لا تعيده إلى موضع خانك فيه من غير دليل على تغيره. قال ابن الجوزي -رحمه الله-: «من البله أن تبادر عدوًا أو حسودًا بالمخاصمة». صيد الخاطر (١/٣٥١)، ثم أرشد إلى قبول الاعتذار والصفح مع بقاء الحذر؛ فالحكيم لا يكثر الأعداء، ولا يفتح جبهات لا يحتاج إليها› لكن حذره لا يتحول إلى سوء ظن أو تجسس أو ظلم.ميادين المداراة
المشتغلون بالدعوة والإدارة والإعلام والإصلاح الاجتماعي أحوج الناس إلى المداراة؛ لأنهم يتعاملون مع مصالح عامة ونفوس مختلفة. وقد يملك الإنسان في شأنه الخاص أن يقطع علاقته بمن أساء إليه، لكن المسؤول لا يملك أن يجعل انفعاله حاكمًا على مصالح الناس, فربما تحمل أذى شخص لأن مواجهته ستقسم الصف، وربما أبقى باب الحوار مع مخالف لأن القطيعة تدفعه إلى مزيد من الشر، وربما قدم تنازلًا إداريا لا يمس مبدأ لجمع الكلمة. وليس كل تنازل ضعفًا؛ فالتنازل عن الحظ الشخصي فضيلة، أما التنازل عن أصل شرعي أو حق عام فمداهنة. وفي الأسرة تستقيم الحياة بالتغاضي عن بعض العيوب، واختيار الوقت المناسب للعتاب، وعدم جمع الأخطاء القديمة مع كل خلاف. والمداراة الأسرية لا تعني قبول الظلم، بل التفريق بين الخطأ العابر والسلوك المؤذي، وبين ما يعالج بالصبر وما يحتاج إلى حزم. وفي عصر المنصIات صار الغضب سريع الانتشار، والخلاف الخاص مادة للجمهور. وليس كل ما يعرف ينشر، ولا كل مخطئ يشهر به؛ فقد يكون الستر أنفع، والعتاب الخاص أصدق، والصمت المؤقت أبلغ. والمداراة الرقمية أن تتأنى قبل الرد، وألا تكتب وأنت غاضب، مع الرد على التضليل العام بقدر الحاجة، ومن غير ظلم أو تشفٍّ.حدود المداراة وضوابطها
للمداراة حدود؛ فإذا صار اللين سببًا في تمادي المعتدي، أو أدى السكوت إلى ضياع حق واجب، أو فهم التغاضي على أنه إقرار للمنكر، وجب الانتقال إلى البيان والحزم. ومن المداراة أن تتجاوز عن إساءة شخصية، وليس منها أن تتجاوز عن أمانة عامة، وأن تحتمل سوء طبع قريبك، وليس منها أن تمكنه من ظلم أهل بيتك، وأن تستر زلة عابرة، وليس منها أن تستر فسادًا يضر بالناس. والحزم لا يناقض المداراة، بل يكملها؛ فقد تكون الحكمة في الصفح، وقد تكون في العقوبة، وقد تكون في الصمت أو في كلمة واضحة، والطبيب لا يعطي جميع المرضى دواء واحدًا، وكذلك المصلح لا يعالج جميع المواقف باللين ولا جميعها بالشدة. وتكون المداراة مشروعة حين لا تتضمن محرمًا، ولا تضيع حقًا، ويغلب على الظن أن يترتب عليها دفع شر أو تحقيق مصلحة، ومن ضوابطها أن تكون بقدر الحاجة، فلا يبالغ المرء في التلطف حتى يفهم منه الرضا بالباطل، ولا يثني على من لا يستحق، ولا يكذب ليحافظ على علاقة. ومن ضوابطها التفريق بين الحق الشخصي الذي يملك العفو عنه وحقوق الآخرين التي لا يملك إسقاطها، والنظر إلى النتائج لا إلى النيات وحدها؛ فقد يقصد الإنسان الإصلاح، لكن أسلوبه يؤدي إلى تمادي المفسد، فلا يكون استمرار اللين حكمة.المداراة منهج حضاري
المجتمعات التي لا تعرف المداراة تتحول خلافاتها الصغيرة إلى عداوات، وتستنزف طاقاتها في الصراع، ويصبح كل اختلاف سببًا للقطيعة والتشهير. أما المجتمع الناضج فيحفظ مساحات الاتفاق، ويدير الخلاف، ويفرق بين الخصومة الفكرية والعداوة الشخصية. والمداراة لا تعني ذوبان الفروق أو إلغاء المبادئ، بل منع الخلاف من أن يتحول إلى فوضى، ومنع الخصومة من أن تأكل مساحات الخير، وهي تجمع بين مثالية المبادئ وواقعية التطبيق؛ فلا تتنازل عن الحق بحجة الواقع، ولا تتجاهل الواقع بحجة الثبات.هكذا كان هدي النبوة
ليس المداري رجلًا بلا موقف، وإنما صاحب موقف يعرف كيف يحفظه، وليس ضعيفًا أمام خصومه، وإنما يمنعهم من التحكم في ردود أفعاله، إنه يلين حين يكون اللين أنفع، ويحزم حين يصبح الحزم واجبًا، ويتغافل عن حظه الشخصي، لكنه لا يتغافل عن حقوق الله والناس، فالمداراة ليست أن تصادق الباطل، وإنما أن تحسن التعامل مع أهله بما يقلل شرهم، وليست أن تتخلى عن موقفك، وإنما أن تختار الطريق الأقوم للوصول إليه، وليست أن تعيش بلا خصوم، وإنما ألا تسمح للخصومة بأن تستولي على قلبك وعقلك وحياتك، وهكذا كان هدي النبوة: ثباتًا لا يعرف المساومة، ورفقًا لا يعرف الضعف، وحزمًا لا يعرف الظلم، وحكمة تضع كل خلق في موضعه، فما أحوجنا إلى مداراة تحفظ الود من غير نفاق، وتصون الحق من غير فظاظة، وتجمع بين طهارة المقصد، وبصيرة الشرع، وحكمة العقل!
لاتوجد تعليقات