سلسلة الأخلاق الإسلامية .. الشهامة خلق عظيم من مكارم الأخلاق
- تدل الشهامة على رفعة الهمة وشرف النفس وعزتها فالنفس الكريمة تنزع بطبعها إلى مكارم الأخلاق وتتطلع إلى الـــفــضــــائـــل والآداب
- عُدَّت الشهامة من أبرز مكارم الأخلاق عند العرب في الجاهلية فكانت تتمثل في نجدة الملهوف وحماية الجار والوفاء بالعهد والذبِّ عن العرض
- علو الهمة يدفع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحفزه على التقدم والإنجاز، نفورًا من الخمول، وابتعادًا عن أسباب المهانة والتقصير
الشهامة خلق عظيم من مكارم الأخلاق، وعلامة على نبل النفس وكرم الطبع؛ فهي ليست مجرد شجاعة تظهر عند الشدائد، وإنما مروءة تحمل صاحبها على نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، والوقوف إلى جانب الآخرين حين تشتد بهم المحن وتضيق عليهم السبل. والشهامة الحقيقية لا تقاس بقوة الإنسان ولا بما يملكه من جاه أو مال، وإنما بما يحمله قلبه من رحمة، وما تبادر إليه نفسه من إحسان، وما يظهر من مواقفه من نجدة ووفاء.
تعريف الشهامة
الشهامة مصدرُ شَهُمَ شَهَامَةً وهُوَ مأخوذٌ مِنْ مَادَةِ (شَ هُـ مَ) التي تدلُّ عَلَى الذكاء، يقولُ ابنُ فارسٍ: الشِّينُ والهَاءُ والميمُ أَصْلٌ يَدُلُّ على الذكَاء، فالشَّهْمُ: الذَّكِيُّ الفؤادِ المُتَوَقِّدُ الجَلْدُ، والشَّهْمُ بمعنى آخر: السَّيِّدُ النَّجِدُ النَّافِذُ في الأمورِ، وفي الاصطلاح: هي الحرص على ما يوجب الذكر الجميل في العظائم، فالشهم لا تلقاه إلا حمولا طيب النفس بما حمل.معالِم في الشَّهَامَة
الشهامة خُلُقٌ جامعٌ لمعاني المروءة وعلوِّ النفس والالتزام بالحقوق والقيم الإنسانية الرفيعة، وهي من أبرز الصفات الأخلاقية التي تميز أصحاب النفوس الكريمة، وتتمثل في امتناع الإنسان عن الخضوع للظلم أو الرضا به، وحرصه على نصرة الحق والدفاع عن الفضيلة، مع الترفع عن الغدر والخيانة ونقض العهود، ومن مظاهرها حماية الضعفاء والذود عنهم، واحترام حقوق الآخرين وصيانتها، وقبول الأعذار، والتجاوز عن الزلات، والإنصاف في التعامل مع الناس كافة دون تمييز، كما تقتضي الغيرة على الكرامة الإنسانية، ورفض الاعتداء على الأبرياء أو المساس بأعراض الناس وشرفهم، والوقوف في وجه كل عدوان يستهدف الأمة أو ينال من عزتها, فهذه المعاني مجتمعة تمثل جوهر الشهامة ومظاهر المروءة في أسمى صورها.تفاوت الناس في الشهامة
يتفاوت الناس في طبائعهم وخصالهم تفاوتًا جعله الله من سنن الخلق وآيات قدرته، فمنهم من رُزق كرم النفس وحسن الخلق وسمو الطبع، فجمع إلى ذكائه وقوة إدراكه القدرة على تحمل الأعباء والقيام بالواجبات، بل والمبادرة إلى تحمل المسؤوليات العظيمة دون تردد أو تبرم، ومع كثرة ما يتحمل من تكاليف، يبقى واسع الصدر، ثابت العزيمة، طيب النفس، يتمتع برجاحة العقل، ونفاذ البصيرة، وسداد الرأي؛ وهذه هي صفات الرجل الشهم. وتدل الشهامة على رفعة الهمة وشرف النفس وعزتها، فالنفس الكريمة تنزع بطبعها إلى مكارم الأخلاق، وتتطلع إلى الفضائل والآداب، وتأنف من الدنايا ومواطن النقص، كما أن علو الهمة يدفع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحفزه على التقدم والإنجاز، نفورًا من الخمول، وابتعادًا عن أسباب المهانة والتقصير، ولا يبلغ المرء منزلة الشهامة والنجدة والسيادة إلا إذا هانت عليه المشاق في سبيل أداء الواجب وتحقيق المصلحة، واستصغر الصعوبات طلبًا للمحامد، وآثر معالي الأمور على حظوظ النفس العاجلة، متحرزًا من مواطن اللوم ومواقع الذم، ولهذا كان أصحاب الريادة والقيادة أكثر الناس تحملاً للتبعات، وأعظمهم نصيبًا من المشقة في خدمة غيرهم، حتى قيل: «سيد القوم أشقاهم». قال أبو تمام الطائي:والحمد شهد لا يرى مشتاره
يجنيه إلا من نقيع الحنظل
غل لحامله ويحسبــه الذي
لم يوه عاتقه خفيف المحمل
وللمتنبي في هذا الباب:لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
الشهامة في أهل الجاهلية
عُدَّت الشهامة من أبرز مكارم الأخلاق عند العرب في الجاهلية، فكانت تتمثل في نجدة الملهوف، وحماية الجار، والوفاء بالعهد، والذبِّ عن العرض، وتحمل المشاق في سبيل نصرة المظلوم، وقد حفظت لهم هذه الخصلة جانبًا من الفضائل الإنسانية التي أقرَّ الإسلام ما وافق منها الحق، وهذَّب ما شابها من العصبية والحمية الجاهلية. ومن مظاهر شهامتهم التي وصلت إلينا.نجدة المظلوم ونصرته
قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت. تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوما، وكان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب، وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة؛ فاشتراها منه العاصي بن وائل، وكان ذا قدر وشرف بمكة؛ فحبس عنه حقه؛ فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزوما وجمح وسهما وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاصي بن وائل وزبروه أي (زجروه)؛ فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فصاح بأعلى صوتهيَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَتُهُ
بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِي الدَّارِ وَالنَّفَرِ
وَمُحْرِمٍ أَشْعَثَ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ
يَا لَلرِّجَالِ وَبَيْنَ الحِجْرِ وَالحَجَرِ
إِنَّ الحَرَامَ لِمَنْ تَمَّتْ كَرَامَتُهُ
وَلَا حَرَامَ لِثَوْبِ الفَاجِرِ الغَدِرِ
فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار ابن جدعان، فصنع لهم طعاما، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياما، فتعاقدوا، وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يؤدى إليه حقه، بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التأسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ثم مشوا إلى العاصي بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي؛ فدفعوها إليه وقال الزبير - رضي الله عنه -حَلَفْتُ لَنَقْعُدَنَّ حِلْفاً عَلَيْهِمْ
وَإِنْ كُنَّا جَمِيعاً أَهْلَ دَارِ
نُسَمِّيهِ الفُضُولَ إِذَا عَقَدْنَا
يَعِزُّ بِهِ الغَرِيبُ لَدَى الجِوَارِ
وَيَعْلَمُ مَنْ حَوَالَيِ البَيْتِ أَنَّا
أُبَاةُ الضَّيْمِ نَمْنَعُ كُلَّ عَارِ
شهامتهم في حفظ العرض وصون العار
يقول حاتم الطائي في ذلك:إِذَا مَا بِتُّ أَخْتِلُ عِرْسَ جَارِي
لِيُخْفِيَنِي الظَّلَامُ فَلَا خَفِيتُ
أَأَفْضَحُ جَارَتِي وَأَخُونُ جَارِي
فَلَا وَاللهِ أَفْعَلُ مَا حَيِيتُ
بل إن عنترة - الشاعر الجاهلي - يقول:وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي
حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا
فكل هذه قيم نبيلة كانت في الجاهلية وجاء الإسلام وأيدها وزاد إليها من محاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لا يحصى.النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الشهوم
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من اتصف بهذه الصفة الكريمة ولقد ذكرت جانبا من ذلك أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- لما نزلت عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني»؛ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي»، فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا أبشر! فوالله، لا يخزيك الله أبدا، فوالله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. كل هذه صفات سامية غاية السمو، كانت تخرج من مشكاة خلق محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة وبعدها.أحسن الناس وأجود الناس
وها هو أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا! وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف؛ فقال لقد وجدته بحرا أو إنه لبحر»، وعند الشدائد كان يظهر من صنوف الشجاعة والشهامة ما لا يخطر على بال؛ ففي حنين حين كانت الجولة للمشركين وقد تكاثروا عليه - صلى الله عليه وسلم - نزل من على بغلته وجعل يقاتلهم وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب «، قال البراء - رضي الله عنه -: فما رئي من الناس يومئذ أشد منه».أنا رسول الله
وفي أحد حين فر كثير من المسلمين بعد أن أشيع أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قتل والمشركون يستهدفونه ليقضوا عليه، برز للناس ونادى: «أنا رسول الله» برغم ما في هذا النداء من لفت أنظار المشركين إليه لكنها الشجاعة والشهامة في أبهى صورها، وعن علي - رضي الله عنه - قال: كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه.من يمنعك مني؟
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أخبر أنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبل نجد فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سمرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا وإذا عنده أعرابي؛ فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم؛ فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال من يمنعك مني؟ فقلت الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس.اذهبوا فأنتم الطلقاء
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على باب الكعبة، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده...... إلى أن قال: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الآية كلها، ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال اذهبوا فأنتم الطلقاء.
لاتوجد تعليقات