رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. البشاشة خُلُقٌ إسلامي رفيع (1-2)

  • الشخص الذي يقابلُ الناس بوجهٍ عابسٍ ومكفهر يجدُ صعوبةً في كسبِ ودهم فالبشر بفطرتهم ينفرون من الوجه الذي لا يبتسم
  • أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان
 

البشاشة خُلُقٌ إسلامي رفيع، يجمع بين طِيب النفس وحُسن اللقاء، ويعبّر عن صفاء القلب وجمال المعاملة، وقد جعل الإسلام طلاقة الوجه بابًا من أبواب المعروف؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق»؛ فالكلمة الطيبة والوجه البشوش يفتحان القلوب، ويخففان مشقة الحياة، ويبعثان الألفة والمودة بين الناس، وما أحوج مجتمعاتنا إلى هذا الخُلُق الذي لا يكلّف مالًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفوس، ويقوّي روابط الأخوة والتراحم!

البشاشة في اللغة والاصطلاح

       مصدر بش، وهو مأخوذ من مادة (ب ش ش) التي تدل بحسب وضع اللغة على معنى واحد هو اللقاء الجميل والضحك إلى الإنسان سرورا به، والبشاشة كما قيل: طلاقة الوجه، وقيل فرح الصديق بالصديق ولقاؤه لقاء جميلا، وهي في الاصطلاح: سرور يظهر في الوجه يدل به على ما في القلب من حب اللقاء والفرح بالمقابلة.

أثر البشاشة على صاحبها

       إنَّ الشخص الذي يقابلُ الناس بوجهٍ عابسٍ ومكفهر يجدُ صعوبةً في كسبِ ودهم؛ فالبشر بطبيعتهم ينفرون من الوجه الذي لا يبتسم، حتى لو كان صاحبه يملك صفاتٍ جيدة في داخله، فمنظرُ الوجه هو أول رسالة تصلُ للآخرين، وعندما يرون التجهم، قد يشعرون بالضيق ويظنون أن هذا الشخص سيءُ الخُلق أو مغرور، ولا تتغير هذه النظرة إلا بعد معاشرته واكتشاف صدقه وكرمه، لكن الأمر يزدادُ سوءاً إذا اجتمع عبوسُ الوجه مع الكلام القاسي والأسلوب الغليظ؛ هنا يتأكدُ الناس أن هذا الشخص صعبُ المعاشرة، فيتجنبون التعامل معه ولا يقتربون منه إلا في حالات الضرورة القصوى. وفي المقابل، نجدُ الإنسان البشوش الذي يلقى الناس بابتسامةٍ ووجهٍ منبسط وكلمةٍ طيبة؛ فهذا النوع من الشخصيات يحبه الناس بسرعة ويأنسون بحديثه، وتجذبهم بشاشته قبل أن يعرفوا حتى بقية طباعه. فالعادةُ جرت أن من يملك وجهاً سمحاً ولساناً طيباً، يكون في الغالب حسن المعاملة، مريحاً في التعامل، ومطمئن النفس، يقول الإمام ابن عيينة: «والبشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين: وجه طليق وكلام لين» إلا إذا كانت طلاقة وجهه وطيب كلامه صادرين عن تكلف، ليتخذهما مصيدة لأغراض معينة، كما هي عادة المنافقين والغادرين؛ فإن هؤلاء تكشف أحوالهم بالمخالطة والمعاملة.

البشاشة في القرآن والسُنَّة

         لما كانت طلاقة الوجه وطيب الكلمة من الأخلاق الفاضلة التي تقرب المسلم من أخيه المسلم وتحببه إليه، بل تقرب غير المسلم إلى المسلم، فيتأثر به وقد يسلم على يديه، فقد حث عليهما القرآن الكريم والسُنَّة النبويَّة، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو قدوة الأمة الإسلامية فيهما. وقد كان القول الحسن والكلمة الطيبة من الأمور التي أخذ الله الميثاق عليها من بني إسرائيل، كما قال -تعالى-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ}، (البقرة:83)، قال الفخر الرازي -رحمه الله-:» قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس، إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية، فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار، أو في الدعوة إلى الطاعة، وهو مع الفاسق.

الدعوة إلى الإيمان

            أما الدعوة إلى الإيمان فلابد وأن تكون بالقول الحسن، كما قال الله -تعالى- لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه)، أمرهما الله -تعالى- بالرفق مع فرعون، مع جلالتهما، ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله -تعالى-، وقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، (آل عمران:159).

الحكمة في الدعوة

        وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر، قال -تعالى-: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125)، وقال -سبحانه-: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34)، وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}. وقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم، وأخبر -سبحانه وتعالى- أنه لا يحب القول السيئ والجهر به، إلا إذا كان صاحبه مظلوما مضطرا للجهر به بسبب ما وقع عليه من الظلم، فقال -عـز وجل-، {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} (النساء:148)، فكل قول سيئ لا يجوز الجهر به؛ لأن الله لا يحبه، إلا في حال الضرورة، وهي أن يُظلم المرء فيضطر إلى ذكر مظلمته.

التجهم ليس من صفات المؤمنين

          ودل القرآن الكريم أن تجهم الوجوه ليس من صفات المؤمنين، كما قال -تعالى-: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} (الحج:72)، يقول ابن عاشور: «وهذا كناية عن امتلاء نفوسهم من الإنكار والغيظ حتى تجاوز أثره بواطنهم فظهر على وجوههم، كما في قوله -تعالى-: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} كناية عن وفرة نعيمهم وفرط مسرتهم به»، ومعنى يسطون، أي يبطشون، والسطوة: شدة البطش. إذاً: فتجهُّم وجوههم حصل بسبب سماعهم الحق الذي يتلى عليهم في آيات الله، فلا تنبسط وجوههم إلا للباطل، بخلاف المؤمن، فإنه ينبسط وجهه ويأنس بالناس ولا سيما أهل الحق، ولا يمتعض ويتجهم وجهه، إلا إذا انتهكت محارم الله.

أهل البدع المضلة

        وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز، أو من السُنَّة الصحيحة مخالفا لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين، وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف، أما السُنَّة فقد ورد فيها الكثير من النصوص الدالة على حسن طلاقة الوجه وبشاشته وطيب الكلام وجماله، فمن ذلك: حديث أبى ذر - رضي الله عنه -، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وحديث جابر بن عبدالله، -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك